الاثنين، 28 مايو 2012

عن نصير الأسعد القائد السياسي والصحافي.. اللقاء الذي تأخر 15 سنة ودام 12 عاماً

========= أنيس محسن

قبل 27 عاما، في 1985، انتدبتني مجلة "الهدف" الناطقة بإسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكنت احد محرريها في هجرتها الأولى إلى دمشق بعد خروجها من بيروت بسبب الاجتياح الاسرائيلي في 1982، للقاء قادة سياسيين لبنانيين، في سياق ملف عن الوضع الفلسطيني في لبنان.

من بين الأسماء التي اختيرت، عضو المكتب السياسي في منظمة العمل الشيوعي الرفيق نصير الأسعد.

كان نصير يداوم في تلك الأيام في مبنى مجلة "بيروت المساء" في وطى المصيطبة. زرت المبنى، لكن نصيرا كان على سفر، فلم نلتق.

في العام 2000، انتقلت للعمل في جريدة "المستقبل"، وكان نصير مدير تحرير فيها ومسؤول عن قسم المحليات.

كان "دينامو" الجريدة، تراه لا يهدأ، نهارا وليلا، يكتب ويوجه وصوته الجهوري يسمع دائما وهو يتكلم مع المحررين في قسمه.

لم يكن باب مكتبه يغلق، لم يكن مكتبه ممنوع على الاخرين، بل كان ملتقى للجميع.

على أن العلاقة الوطيدة بـ"البيك" جاءت عقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كوني احد الذين عملوا على رسم الصفحة الأولى، فكان لنا لقاء ليلي دائم. عندما يجهز المنشيت، يهبط الى الطابق الثاني من مكتبه في الطابق الثالث، ليسلمه باليد، ليس خوفا على ضياعه، انما تواضعا وخجلا من ان يرسله مع احد المكلفين العمل بين الطوابق.

يوصي قبل ذهابه الى قريطم لمتابعة التطورات، بالاتصال اذا لزم الأمر، والشيء نفسه اذا كان ذاهبا الى البيت لقليل من الراحة.

في 8/9 أيار 2008، كنا قد بدأنا نرى حصار الجريدة من قبل المليشيات يتصاعد.. كان التوجه ان ننام ليلتنا الثانية على التوالي في فندق البوريفاج.

اصر البيك على البقاء في مكتبه بالطابق الثالث في الجريدة، ومعه زملاء اخرون، فيما توجه معظمنا الى الفندق. فجرا بدأ الهجوم على الجريدة، ونجا نصير والزملاء بأعجوبة.

كان البيك ونحن على موعد مع اصدار الجريدة من مكاتب الأنوار، متحدين كل محاولات كتم الصوت الآخر، الى ان عدنا إلى مبنى الجريدة.

في المؤتمر الأول لتيار "المستقبل" انتخب نصير الأسعد عضوا في المكتب السياسي للتيار، وغادر الجريدة الى مقر التيار في القنطاري. عاد نصير مجددا الى العمل السياسي المباشر، ولم يكن اصلا غادره كصحافي.

في آذار الماضي، وكنت احضر لملف عن التجربة الفسطينية في لبنان، عدت مجددا للقاء نصير ليس كسياسي فقط، انما كصديق واستاذ لطلب النصح بشأن كيفية التعامل مع الملف الدقيق هذا.. دام اللقاء قرابة ساعة ونصف..

حدثني عن مرحلة 1982 ـــ 1985 والدور الذي لعبه في التنسيق بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ومن تبقى من القيادات الفلسطينية في لبنان.

كان يعرف كثيرا عن الملف الذي انا بصدده، لكنه اصر على ان لا يدلي بدلوه، "فهناك من هو أكثر دراية بما حصل في التجربة الفلسطينية" وفق تواضعه الدائم.

لم يكن حديثنا كله عن الملف، انما عنه وعني وعن الوضع المعيشي والسياسي وبعض الذكريات..

غادرت لتحضير الملف الذي نشر اعتبارا من 13 نيسان. لم ار نصيرا بعد ذلك... سمعت بالذبحة التي اصابته.. لم أتجرأ على زيارته.. ثم بموته الذي صدمني!!

الأحد، 27 مايو 2012

مؤشرات أولية لنتائج "الرئاسية المصرية"

المستقبل - الاثنين 28 أيار 2012 - العدد 4353 - شؤون عربية و دولية - صفحة १७

أنيس محسن

أهم من إجراء الإنتخابات الرئاسية المصرية بتلك الشفافية، رغم وجود تجاوزات ارتكبها الفريقان الفائزان: الإخوان والنظام السابق، هي النتائح التي انبثقت عن الجولة الأولى وما تحمله من مؤشرات على مستقبل العملية السياسية في مصر.
ففي الأرقام حصل مرشح "الإخوان المسلمين" محمد مرسي على 24,9%، ومرشح النظام السابق ورئيس اخر حكومات عهد مبارك الفريق أحمد شفيق على 24,5%، ومرشح الحركة الثورية حمدين صباحي على 21,1%.، يليه المرشح الإسلامي المستقل والمدعوم ايضا من قسم من شباب ثورة يناير عبد المنعم أبو الفتوح.
كانت التوقعات تشير قبلا، أو أقله توقعات "الإخوان" إلى أن مرسي سوف يحقق فوزا بفارق كبير عن اقرب المنافسين، ان لم يحسم السباق منذ الدورة الأولى، وأن المرتبة الثانية ستكون بين شفيق وأمين عام الجامعة العربية السابق عمرو موسى، الذي حل خامسا واعتبرت نتائجه حقيقة إحدى مفاجآت الإنتخابات لتدنيها.
فلماذا جاءت النتائج بخلاف كثير من التوقعات، ليحل مرسي اولا بفارق ضئيل عن شفيق، ويحل ثالثا حمدين صباحي بدل عبد المنعم ابو الفتوح؟
"الإخوان" وفائض القوة الزائف
شعر "الإخوان المسلمون" بعد اكتساحهم البرلمان وسيطرتهم مع السفليين عليه بشكل كامل، بفائض قوة، وباتوا لا يرون في النظام الجديد ما بعد سقوط مبارك سوى أنفسهم، وثانيا السلفيين الذين كانوا مفاجأة الانتخابات البرلمانية، فمنعوا أولا تشكيل لجنة دستور ممثلة للمجتمع المصري وارادوها صورة عن التمثيل في البرلمان، وخالفوا كل تعهداتهم قبل الانتخابات البرلمانية بالحفاظ على التعددية في مصر، مطالبين بحكم اسلامي وموجهين سهام انتقاداتهم نحو ما يعتبرونه "فلول النظام السابق" والقوى الثورية التي حركت الشارع وتسببت بسقوط مبارك، التي قلل "الإخوان" من أهميتهم كثيرا.
خطا "الإخوان" خطوة أخرى تتحدى كل من هو ليس "إخواني" وتنهي كل تعهد سابق لهم، عبر ترشيح خيرت الشاطر أولا، ثم محمد مرسي بعدما رفضت لجنة الانتخابات الشاطر، والتعامل بفوقية مع باقي المرشحين، سواء مرشحي السلطة السابقة: شفيق وموسى، أو مرشحي القوى الثورية: صباحي وأبو الفتوح الذي تخلى عنه "الاخوان" بزعم خروجه على قرار "الاخوان" بعدم ترشيح احد من الجماعة للرئاسة بعد سقوط مبارك. وهذه الجزئية كان لها تأثير غير بسيط على "الإخوان" الذين عادوا ورشحوا الشاطر ثم مرسي.
الغلو هذا في تقدير الاخوان لقواهم الذاتية، والغلو في التعامل الفوقي مع باقي التلاوين السياسية، أبقى لـ"الإخوان" قوتهم التجييرية وحيدة، والتي ظهر أنها لا تتجاوز ربع القوة الناخبة المصرية، في أحسن الأحوال، وأن قدرا كبيرا ممن صوت في "البرلمانية" لـ"الإخوان" هم من المستقلين، ربما من ذوي الميول الإسلامية، لكن غير الحزبية.
لقد تنبه "الإخوان" وربما بعد أن سبق السيف العذل، أنهم سيواجهون خصما قويا، ممثلا بالمؤيدين للنظام السابق والمستفيدين منه، فعادوا لمغازلة حلفاء ساحة التحرير وخصوم الانتخابات، لكن حجم المعركة التي خيضت والاتهامات والاتهمات المتبادلة بين الاخوان وقوى الثورة، ونقض "الإخوان" لتعهداتهم، كلها عناصر لن تصب في مصلحة اعادة بناء حلف "ساحة التحرير" مجددا، واذا فاز الإخوان في الجولة الثانية، فلن يكون فوزهم بمستوى ما حصل في البرلمان.
"الفلول" ليست "فلولا"
سعى "الإخوان" وكثير من قوى ثورة يناير، الى فرض سياسة عزل ما اتفقوا على تسميتها "فلول النظام السابق" وجمعوا ضمن هذا التصنيف المرشح السابق غير المقبول ترشحه اللواء عمر سليمان وعمرو موسى وأحمد شفيق، لكن المجلس العسكري الحاكم في الفترة الإنتقالية والقضاء المصري رفضا ذلك، وكانا محقين برفضهما التماثل مع التجربة العراقية، لأن الديموقراطية مفهوم لا يمكن تجزئته، ومتى تجزأ يستحيل شيئا فشيئا الى نوع مقنع من الديكتاتورية.
شد قوى فشل "الإخوان" وقوى الثورة في فرض العزل، من شكيمة الحزب الوطني السابق الذي جرى حله قضائيا بسبب أفعاله الجرمية خلال العهد السابق، ومن مجموع المستفيدين من النظام السابق، بل من كثير من المتوجسين من جمع "الإخوان" السلطتين الرئاسية والبرلمانية، واستطرادا الحكومية، بيدهم، فصبوا كلهم في مصلحة أحمد شفيق.
لقد أثبتت "فلول" النظام السابق أنها ليست "فلولا"، بل أن ماكينات الحزب الوطني المنحل الانتخابية ما تزال في حيويتها، والقوى المستفيدة من النظام السابق من تجار وموظفين حكوميين، قادرون على العودة مجددا، مستفيدين من الخوف من الملاحقة القانونية لمؤيدي النظام السابق ومن خسارة كثير من المكاسب المالية التي تحققت خلال المرحلة السابقة، وكذلك المتوجسون من الحكم الإسلامي، بالنسبة الى الأقباط الذين صوت غالبية من صوت منهم لشفيق، وكذلك العسكر الذين يشكلون قوة لا يستهان بها في المجتمع المصري، وخصوصا انهم يعتبرون سندان الأمن الذي فقد في أشهر الثورة الأولى ولم يتعزز الى الان، والأمن هو أهم عنصر لعبت الحملة الإنتخابية لشفيق عليه.
إن القوة التجييرية للنظام السابق اثبتت انها لا تقل قوة عن القوة التجييرية لـ"الإخوان"، ما يعيد تشكيل النظام الى سابق عهده، لكن بفارق تفوق "الإخوان" قليلا على "الفلول"، كون النظام السابق تكون اساسا من "الحزب الوطني" في السلطة و"الإخوان" في المعارضة، سواء داخل البرلمان او خارجه، وهي معارضة كانت من داخل النظام في حقيقة الأمر.
تشرذم قوى الثورة وحداثة تجربتها
في حين أظهرت القوتان الكبريان: الإخوان وشخصيات النظام السابق، قدرة تنظيمية عالية، نتيجة سنوات طويلة من خوض الانتخابات البرلمانية والنقابية، فإن قوى الثورة ولحداثة عهدها وعدم وجود مقومات مالية لديها، لم تستطع تشكيل ماكينة انتخابية منظمة، بل اعتمدت اساسا على التطوع وعلى شباب غير مجرب اصلا.
لكن نتائج قوى الثورة، ربما هي المفاجأة الكبرى في مرحلة الانتخابات الرئاسية الأولى، على الرغم من خروج مرشحيها: صباحي وأبو الفتوح، من السباق في المرحلة الثانية.
يرى البعض ان القوة التجييرية لقوى الثورة هي اكبر بكثير من تلك النتائج، فإذا جمعت نتيجتي صباحي وابو الفتوح معا، لتفوق احدهما على كلا مرشحي "الإخوان" والسلطة السابقة، خصوصا ان اصوات احدهما تذهب الى الاخر وليس الى مرشح ثالث.
ان تلك القوى التجييرية، جذبت انتباه "الاخوان" الذين اعلن القيادي في التنظيم عصام العريان في المؤتمر الصحافي الذي تلا ظهور النتائج الأولية، العمل على اعادة التحالف مع قوى الثورة، فيما اعلن شفيق في مؤتمره الصحافي ان لا عودة الى الوراء وغازل بدوره قوى الثورة وكل المتوجسين من وضع كل مفاصل الحكم بيد قوى واحدة هي "الإخوان المسلمين".
ماذا بعد؟
اذا، ماذا بعد الانتخابات الرئاسية؟.. المنافسة هي حصرا بين طرفي النظام السابق: "الاخوان" كمعارضة سابقة وفاعلة في الشارع، و"فلول النظام" كقوة اثبتت قدرتها على العودة وتنظيم نفسها، ليست كقوة معزولة، انما كقوة فاعلة ولديها تأييد واسع في الشارع.
لكن اي منهما سيكون بحاجة الى تحالف مع قوى الثورة، او أولئك العازفين عن تأييد القوتين الرئيستين، ومن يقدم منهما تنازلات اكبر ربما يضمن قبول القوى الثالثة الدخول في تحالف سياسي، سواء كنواب للرئيس او وزراء في حكومة موسعة.
ربما المستفيد من مفاجآت الجولة الأولى من الإنتخابات الرئاسية هو المجتمع المصري كله، الذي هز العصا لغلو "الإخوان" بوضع "الفلول" بموازاتهم، وهز العصا نفسها لقوى الثورة، التي ان توحدت انتجت اكثر وان تنافست خسرت، وابلغ كل من يعنيهم الأمر، ان لا عودة الى الوراء حتى بقوى جديدة ـ قديمة مثل "الإخوان" وبالتالي لا ديكتاتورية فساد مباشرة ولا ديكتاتورية الحزب الواحد غير المباشرة.
ومن أهم المؤشرات المستقبلية التي خرجت عن نتائج المرحلة الأولى للإنتخابات الرسمية، أن الشارع والساحات ستكون قوة فاعلة في مواجهة أي نوازع ديكتاتورية "إخوانية" أم "فلولية" كانت.


الخميس، 19 أبريل 2012

الفلسطينيون يراجعون تجربتهم في لبنان (7 وأخيرة)

لو انحصرت الأزمة بين الفلسطينيين واللبنانيين .. لانتهت منذ زمن
  المستقبل - الجمعة 20 نيسان 2012 - العدد 4318 - ملف - صفحة  16

 أنيس محسن
بعيداً عن قراءات حزبية وفئوية، ثمة حاجة الى قراءة منهجية علمية عميقة لتفسير حدث، زلزل لبنان واطاح بتوازن القضية الفلسطينية. قراءة من هذا المستوى يقدمها الباحث الفلسطيني في الإقتصاد السياسي والتاريخ الإجتماعي، عضو المكتب السياسي لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" سابقاً، ومسؤول فرعها في لبنان سابقا حتى 2003 الدكتور حسين أبو النمل صاحب شعار "غاب الفكر عن الحوار فكان الإنفجار". وأن ما حصل كان مواجهة بين بنيتين لبنانية وفلسطينية مأزومتين بذاتهما: "عندما تواجهتا عام 1975اصبحت الرقصة دموية وقاتلة" وقادتا الى انفجار أخذ شكل حرب شهدها لبنان ولم تخبُ ارتداداته بعد. فيما كانت المعالجات تجري كرد فعل على التطورات الأمنية، ولم تبلغ العمق الواجب والكافي لمنع الانفجار أصلا، أو تخفيف تداعياته لاحقا، فإن ما جرى من قراءات فردية أو حزبية أو اعتذارات علنية، لم ترق يوما لتصبح مراجعة بمثابة "قراءة شاملة للتاريخ ووعياً لأهمية الفكر والتخطيط للمستقبل وانتاج ذاكرة حقيقية، وليست منتقاة حسب الطلب". يميل الدكتور حسين أبو النمل، الى تدقيق السؤال المطروح في هذه السلسلة عن مراجعة التجربة الفلسطينية في لبنان فيقول: "تنتهي كل النقاشات الى خلاصة جيدة اذا كان المدخل جيداً، وتكون نهاياته سيئة اذا كان المدخل سيئاً. لذلك علينا قبل البحث "لماذا حدث؟" ان نبحث عن "ماذا حدث؟". يرى ان "الخلاف ما زال على الوقائع. كل يحكي الرواية وفق هواه. ما زلنا في مرحلة السجال، حيث يبرر كل طرف نفسه ويدين الآخر. لم نرتق بعد الى أخلاقية التأريخ، حين نقرأ حدثا جرى قبل 37 سنة يجب أن يكون أوان الخروج من السجال التبريري إلى التأريخ الموضوعي قد أزف". يعتبر "ان بعض السياسيين المجايلين لما جرى يعتبرون ان كل أسرار الحدث في جيوبهم. وهكذا نسمع روايات متناقضة تعطي مشروعيات متناقضة لما حصل من متناقضات. المنهج السليم لما حدث عام 1975 يقرأ بما هو حاصل اليوم، اي: كيف انتهينا، لتفسير كيف بدأنا؟". حسين أبو النمل: حين ذهب العقل الفلسطيني في غيبوبة.. وقع الدم السؤال عن تمسك طرفي التجربة الفلسطينية - اللبنانية بأسبابهم للحرب يتطلب، وفقا لأبو النمل، البدء بتدقيق السؤال "لأن سلامة الجواب تتوقف على دقة السؤال. علينا قبل سؤال: لماذا حدث؟ ان نحدد: ماذا حدث؟ ما زال كل طرف يحكي حصته من الرواية بعد أن ينقيها من الثغرات. لم نرتق بعد الى طور الوعي التاريخي. حين نقرأ ما جرى قبل 37 سنة، علينا مغادرة السجال التبريري إلى التأريخ الموضوعي، المنصف للآخر قبل الذات". يرى من المناسب "ان نبدأ مع: ماذا حدث؟ نسمع روايات متناقضة تعطي مشروعيات متناقضة. كاد التاريخ أن يصبح رهن ذاكرة الزعيم! ليست الحقيقة مجرد كلمة تطلق في سجال، بل في سياق الأحداث. يقول المنهج التأريخي السليم أنه لفهم ما حدث عام 1975 يجب أن يُقرأ في ضوء ما إنتهى إليه عام 2012. هناك فريقان. كل فريق فرقاء. الفريق اللبناني منقسم ويخوض صراعا داخليا مريراً. الفلسطيني فرقاء أيضاً، يتبادلون الشتائم على نحو اقسى مما كان عليه مع المسيحيين، أو من سُمًوا كذلك في 1975! يعكس تطور الأمور في 2012 حقيقتنا سنة 1975". حين يكون كل طرف منقسما على نفسه الى هذا الحد، يكون أعجز من أن يحل مشكلته مع الآخر، بدليل مأزق اللبنانيين الآن، الذين يشبهون الفلسطينيين في إنقساماتهم وتبادلهم تهم التخوين. يقول الدكتور أبو النمل: "نحن امام طرفين مأزومين منذ البداية، لأنه لو كانت الأزمة بين الفلسطينيين واللبنانيين فقط لإنتهت أزمة كل طرف منذ زمن، بدل أن يعيشها منفرداً. عبثاً يحاول العاجز عن مصالحة نفسه أن يتصالح مع الآخر.. نحن امام بنيتين مأزومتين. حين اجتمعتا صارت الرقصة دموية. يظهر التدقيق ان الشخصيتين الفلسطينية واللبنانية متشابهتان، لناحية القلق التاريخي، الخوف المتأصل على الوجود. متشابهتان في عبقرية تكفي لإبتداع معجزة، وجنون يكفي لتدميرها. متشابهتان في قلق الجغرافيا، على الجغرافيا، من الجغرافيا. كل ذلك كان راسخاً لدى الطرفين. ثمة ذاكرة مثقلة بالدم جاهزة للحضور والإنفجار وإطلاق النار عند أول دعوة. نزعة الشك بنوايا الآخر عميقة ومسببة". حرب حقيقية وحوار أشباح لكن الأطراف المتصارعة عقدت في الفترة بين 1968 و1975 وخلال وبعد حرب السنتين عشرات اللقاءات، فهل يعني هذا أنها كانت حوارات طرشان؟، يجيب أبو النمل: "أن ننتهي الى أزمة يعني وجود اخطاء. ما دامت الحرب حقيقية، فإن اسبابها حقيقية. لا يعني هذا أن الأزمة يجب أن تنفجر بالضرورة مذبحة. يمكن ان تنتهي عبر حل سياسي - فكري. يمكن أيضاً ان تؤدي الى صدام. يتوقف الأمر على كيفية التعاطي مع المساقات القائمة. على من يدير اللعبة. العبرة ليست بالحوار، بل ماذا يعكس ويعني؟ هل هو حوار مضطرين؟ هل تتوفر ذهنية واخلاقية الحوار؟ حتى تتحاور، يجب أن يكون مع طرف آخر حقيقي، ليس مع شبح؟ لم يكن حوار طرشان، بل حوار أشباح. ليس القصد ان المحاور ليس موجودا فيزيائياً، بل بمعنى عدم معرفة الجهة المقابلة. نعم كان حوار أشباح". يشدد أبو النمل ان "من أدار الصراع مع الآخر لا يعرفه. خير دليل أننا حين نقرأ نصا فلسطينيا عام 2012، لا نجد أنه يطل ولو بالحد الأدنى على الوجدان اللبناني. لا نجد في الخطاب الفلسطيني أي ذكر لميشال شيحا. عبثا نفهم التجربة اللبنانية الا انطلاقا من هذا الرجل، بما يمثل. المسيحي غائب عن النص الفلسطيني. كنا نبحث عن مسيحي او لبناني متماثل معنا. لا مكان عندنا حتى لريمون إده. نموذجنا هو المسيحي المسلم؛ المسيحي الفلسطيني. لم يحضر اللبناني اللبناني، كما المسيحي المسيحي، يوماً في عمق التكوين الفكري الفلسطيني". إذ يشير إلى ان "لدى اللبنانيين نخبة هائلة" يؤكد ان "الذين اداروا الحوار الهادئ أو الدموي مع الفلسطينيين لم يمثّلوا هذه النخبة. ليس في الذهن اللبناني فلسطيني طبيعي قط. هناك قاتل. لص. خارج على القانون. لا نجد حضورا لفايز صايغ او وليد الخالدي. باستثناء محاولات كريم بقرادوني الذي كان شابا عند بداية الحرب. جوزيف ابو خليل وضع مقارباته لاحقا. بول سالم لم يكن ولد بعد! كان حوار اشباح. يعكس كل واحد قلقا تاريخيا وجودياً". غيبوبة العقل اذاً، هل يمكن الإستنتاج أنه كان مستحيلاً تجنب وقوع ما وقع؟ يقول أبو النمل: "دعني أبدأ أولاً بفرضية هي أن العناصر نفسها بين أيدي أشخاص معينين تعطي رِفعة، ومع آخرين تٌنتج إنحطاطاً. دعني أتحدث ثانياً، إنطلاقاً من رياضة ذهنية هي سؤال العقل الفلسطيني الذي وضع في إجازة، كيلا أقول غيبوبة، جراء مقولة "السياسة تنبع من فوهة البندقية"، سمحت بأن يكلف أبو الزعيم مفاوضة المسيحيين، مع أن صلاح صلاح هو رئيس الوفد رسمياً، حينذاك. إسم أبو الزعيم بذاته تهمة يكشف الجريمة البشعة التي إقترفت بحق الطرفين اللذين يستحقان مفاوضاً أكفأ وأنظف". يعلن أبو النمل أنه "لو كان العقل الفلسطيني يقظاً، لرأس وفده الزعيم فعلاً جورج حبش الأرثوذكسي، وعضوية المفكر فايز صايغ البروتستنتي إبن القسيس، وحسيب صباغ الكاثوليكي الملياردير! كان كمال ناصر صار شهيداً. على الأقل كان ذلك سيأتي بنكت مثل "كم هو خبيث الفلسطيني وهو يدفع نصارى لمفاوضة نصارى"! يرد عليه؛ لكن وجود أرثوذكسي وكاثوليكي وبروتستانتي معا قد يشعل حربا مذهبية فلسطينية! ثمة من تحوط قائلاً: يشتبك الأرثوذكسي والكاثوليكي فيصلحهما البروتستنتي، هذا إذا إعترف به مسيحياً! حين ذهب العقل الفلسطيني في غيبوبة وقع الدم". يثق أبو النمل بأن "نتائج الحوار كانت إختلفت لو اداره مفكرون. لو أدارته شخصيات ذات رِفعة فكرية قادرة على رؤية لبنان وفلسطين والعالم ككل، وليد الخالدي. فايز صايغ. حسيب صباغ مثلاً. لو طرح امام النخبة المسيحية سؤال الفلسطيني في لبنان كانت أطلت عليه من زاوية معاكسة. داخل أسرة الجميل نفسها، كان موريس الجميل يطل على الأمور من ضمن سقف معين. بيار الجميل كان يطل من زاوية اخرى. ريمون إده لم يكن تفصيلاً. عندما أطل على الحوار الآن في العام 2012، اعتقد انهم كانوا يستمعون جيدا لبعضهم بعضا، لكن كل واحد كان متوتراً ودفاعيا، يشك بالآخر ومحكوم بفكرة مسبقة وغير قادر أن يرى أمامه إلا قاتلا محتملا. فالمسيحي الذي يدعو الى المحبة يقتل الفلسطيني الضحية، اليست هذه مفارقة؟ حين نكون فعلا أمام فكر مسيحي، تصبح مشكلتنا محلولة وذلك لان كل ما يحتاج اليه الفلسطيني هو العدل والمحبة. أما الفلسطيني الضحية الذي يبحث عن أرضه وحريته، فلم ير في مسيحيي تلك الأيام، سوى انعزاليين وعملاء استعمار. لم يدرك قلقهم التاريخي العميق والبعيد ... والمبرر!". هنا تتجلى مأساة رؤية الآخر عبر فكرة مسبقة مستلة من مزبلة التاريخ. الحكماء لا يرون الأمر من زاوية التناحر، بل من خلال القواسم المشتركة. يقول أبو النمل: "لو تفاعل عقلا موريس الجميل وهاني الهندي، السوري المسكون بفلسطين، لأدركا ان اهم ما في العرب هما الديناميتين الفلسطينية واللبنانية. بدل أن تكسرا بعضهما بعضا، تبدعان حلا. لم يستطع العقل السلبي ان يحل مشكلته الخاصة. هل يمكن تخيل لبناني لم يستطع حل مشاكله مع الآخر اللبناني ، وفلسطيني لا يستطيع حل مشكلته مع الآخر الفلسطيني، ان ينجز مصالحة فلسطينية - لبنانية؟". يؤكد أبو النمل: "ثمة خلل عميق. ثمة دلالة فادحة جداً في أننا عندما ذهبنا الى الحرب لم نفكر، وعندما ذهبنا الى السلم لم نفكر! الحرب، كما السلام، لهما شروطهما التي لم تستوف. "الفزعة" إلى الحرب كانت كارثة، كالفزعة الى المصالحة. نحن في عام 2012، حيث تبين أن مصالحة عام 2008 لم تكن سوى تلفزة متسرعة - كانت زَبَداً". لقد صنع الحرب الأبطال، أو ظنوا أنفسهم كذلك! لكن من حاولوا صنع السلم، لم يكونوا فلاسفة، مع ان "لدى الفلسطينيين فلاسفة: آل صايغ. انيس وفايز ويوسف. وليد الخالدي. برهان دجاني. شفيق الحوت. غسان كنفاني. حسيب صباغ. إدوارد سعيد. جورج كتن. نقولا الدر. هؤلاء لا يعرف ما اذا كانوا فلسطينيين ام لبنانيين، اسلام او مسيحيين. موريس الجميل كان عضوا في المكتب السياسي الكتائبي، لكن من يجرؤ على تصنيفه، مثله مثل ريمون أده، كماروني او كمسيحي أو حتى كلبناني حصراً؟ كان يمكن ان يؤمن حلا مترفعاً للجميع. هو استمرار لميشال شيحا الذي فكر بحل للبنان في محيطه. هو من كتب الإرشاد الرسولي قبل نصف قرن على إعلانه". تفكير دولتي لـ"فتح" وانفصام يساري انتقالا الى التفاصيل الفلسطينية، وعن أدوار "فتح" و"حماس" و"اليسار الفلسطيني" في "رقصة الموت" تلك.. يقول أبو النمل: "من خلال عمل أكاديمي حزبي داخلي اشرف عليه الأمين العام للجبهة الشعبية، الحكيم جورج حبش، قرأنا تجربتنا الخاصة وتجارب اخرى. كانت الحصيلة فضيحة. هناك تلاوين متناقضة، لكن الكل يشبه الكل في العمق. الاحزاب مجرد مسخ عن الواقع. لا تعكس حقيقته ومستواه. نسخ مكررة عن بعضها. بمعزل عن مزايدة هنا ومناقصة هناك، قدم الجميع أداء بائساً متشابها. كان الخلاف نوعاً من "التبرج الأيديولوجي"، حسب التعبير الفذ لمنير الحاج، الرئيس الأسبق لحزب الكتائب. حسدت الكتائب عليه. كان قائدا وسوسيولوجياً حزبياً هائلاً. كان أستاذاً ومظلوما". عن "فتح" يقول: "شاركت في الحرب الأهلية، لكنها تميزت بتفكير دولتي. هي مؤسسة إجتماعية وليست فصيلاً عادياً. لها علاقاتها الدولية المنفتحة. تسعى الى التسويات وفتح الأبواب. قتل "فتح" ودورها غياب الرؤية الفكرية وغلبة المياومة والبراغماتية والحلول المالية على أدائها. قتل "فتح" أن قائدها عرفات الشخص صار أكبر منها كمؤسسة". أما اليسار، فهو كما يقول: "في المبدأ، ينتج افكارا، رؤية، إشراقاً! لم يقم اليسار الفلسطيني بدوره. إغتُصب حتى إسمه ودوره. يجب ان نميز تماما بين يسار كان في حضن السلطة، يبسّطها وتبسّطه، وظيفته تأمين غطاء فكري يساري لسياستها، وبين يسار يعبّر عنه الموقف النضالي الغيفاري الذي جسّدته "الجبهة الشعبية" والصورة الأخلاقية المتسامية لرموزها التاريخية كجورج حبش. هاني الهندي. وديع حداد، مثلاً. تضاءل الدور الفعلي للجبهة الشعبية جراء فعل ممنهج وتدميري متعدد الأطراف المحلية والدولية، أتاها من داخل وخارج، منفصلاً ومتصلاً". يعتبر انه "عندما شُق اليسار لأسباب مخزية لأصحابها، اصبح يعاني ازمة وجود. هذا يفسر: لماذا لم تتمكن قامة بعقل ونبل جورج حبش من انقاذ العمل الفلسطيني؟ حبش لم يكن مشغولا فقط بالعام بل كان هناك من يصرّ على اغراقه في الخاص ومواجهة أزمة وجود كشخص وجبهة عِبر زجّه بصراعات مميتة. اليسار المنشقّ على نفسه فَقَد هيبته وكرامته وصدقيته. بعد 40 سنة يمكن إستنتاج أن الإنشقاقات كانت مدمرة. أنتجت دكاكين. بدل ان يقود اليسار معارضة خلاقة ونشطة إنصرف ليعجب بنفسه، ويتشاوف أنه أول من جعل مهمته النضالية الوحيدة ومبرر وجوده التاريخي هو الإعتراف بإسرائيل! لقد ذُل اليسار بأهله، الذين تفرقوا فذهبت ريحهم وصاروا يستجدون لقطة تلفزيونية". يستنتج انه "ليس اليسار يسارا الا اذا كان لديه اسهاما فكريا أيضاً. اليسار الفلسطيني هو الوحيد الذي ليس لديه فكر أو مفكرين. بالإذن من غسان كنفاني، الإستثناء الذي لم يسمح أن يتكرر. الحيوية الفكرية خاصية لليسار، لكن سمِّ لي كتابا واحدا له قيمة صدر عن اليسار! لنضع جانبا المذكرات الشخصية، التي سيكتب يوما كم فيها من جنون عظمة متفاقم مرضياً، لصاحبها جحا القرن العشرين، طبعاً بالأذن من جحا التاريخي، الذي كان كذاباً لكن مسلياً". وإذ يجيب عن سؤال حول دور "حماس"، يقول: "تقول حركة "حماس"، انها خارج الصراعات في لبنان، وذلك حسب خطابات الاخوة، الذين تعاقبوا على قيادتها في لبنان. "حماس" محكوم عليها ان تكون طرفا. "حماس"، مثل كل تيار الإسلام السياسي، لا تستطيع ان تقول انا مع الجميع - كل اللبنانيين، لأنها مشروع ديني، وان مع دور وطني". غياب المراجعة التاريخية لكن ماذا عن مراجعات يتحدث عنها الفلسطينيون واعتذاراتهم للبنانيين؟ يعتبر أبو النمل ان "كلمة مراجعة كبيرة! هي وعي التاريخ. وعي أهمية الفكر والتخطيط للمستقبل وانتاج ذاكرة متماسكة. ما حدث لا يرتقي الى مستوى مراجعة. لا توجد عند الفريق اللبناني مراجعة جدية رسمية. هناك مساهمات فردية مميزة مثل بوح ريجينا صنيفر، التي عكست وجدانا مسيحيا. خجل أسعد الشفتري من عاره كان مؤثراً. أسرّني بؤسه وهو يشمّ رائحة الدم على يديه! ذكّرني برائحة الدم على يدي "ليدي مكبث" لشكسبير. كلاهما صنيفر والشفتري خاضا الحرب لحفظ الكرامة والهوية المسيحية، لكن الممارسة كانت بربرية حتى ضد مسيحيين. هناك ايضا كتابات جوزيف أبو خليل، مع انه لم يتحرر كليا من هاجسه السياسي. رواية جوزف سعادة: أنا الضحية والجلاد أنا، حكاية قاسية يجب أن تعرف؛ تستحق تأملاً؛ من عاشق لجورج حبش إلى قتيل الفلسطينيين وقاتلهم! يجب تقصي كيف "أن زمن البراءة والأبرياء قد ولّى إلى غير رجعة". فلسطينيا، يرى أبو النمل انه "ليس هناك من مراجعة مكتوبة ومنشورة لأي قوة فلسطينية. لا تملك هذه القوى التفوق الأخلاقي الكافي لمراجعة حقيقية، فلهذه كلفة باهظة. من يجرؤ على تحمّلها؟" يستثنى أبو النمل من ذلك "تجربة رائعة ونبيلة قامت بها "الجبهة الشعبية" على مستويين: الأول، مركزي تناول تجربة الجبهة ككل، ولا مجال للحديث عنها الآن. الثاني، وثيقة فرع لبنان 1995. لم تتحدث عن مصالحة لبنانية - فلسطينية فقط، بل أيضا عن مصالحة فلسطينية - فلسطينية أولاً. ليست مصالحة تنظيمات مع بعضها، بل مصالحة المجتمع المدني مع المجتمع العسكري - الأمني الفلسطيني. تحدثت الوثيقة عن أمراء الحرب الفلسطينيين، الذين يشبهون كل أمراء الحرب. بعضهم ظن أنه قادر على أخذ كل شيء، خصوصا كرامات الناس، بالسلطة والمال. لا يسمع ولا يرى إلا من فتحة جيبه. لا يقرأ الناس ولا يكتبهم إلا من فتحات جيوبهم. دائماً كان ثمة خسيس يُشترى يؤكد نظرية "لكل سعره"! من عرف الخساسة مع الأمراء، تخرج بشهادة رخيص، وخرج ليعمل مخبرا عند كل من هبّ ودبّ. بينهم من باع الشعبية لفتح وباع الأثنتين للأجهزة الأمنية السورية، وباع الثلاثة للأجهزة الأمنية اللبنانية، التي كانت جسر عبوره للأجهزة الدولية". يشرح ان "الوثيقة تحدثت عن مصالحتين: فلسطينية - فلسطينية - لبنانية ليس على قاعدة تبادل النفاق، بل وعي ما حدث، لا كما صار عام 2008، عندما اعلن السفير الفلسطيني السابق عباس زكي، "وثيقة فلسطين في لبنان". لا يملك زكي حق الإعتذار وصفة عقد مصالحة تاريخية. هذا الحق هو حصرا للشعب الفلسطيني. معيب تحويل مسألة المصالحة، بنبل مقاصدها، الى عجالة تلفزيونية تعلن من بيت الكتائب، الذي هو بيت لبناني كبير، قدم دماً لقضيته كما يراها. شاركنا الرقصة الدموية المجنونة بكفاءة هائلة ومؤسفة. لكن المصالحة التاريخية تحتاج اشتراطات اخرى. علينا أولاً تحديد مع من نتصالح؟ على ماذا نتصالح؟ لا يملك حتى ياسر عرفات وجورج حبش مجتمعين، حق تحميل الشعب الفلسطيني مسؤولية كل الجرائم والخساسات التي اقترفت في لبنان. يجب ان لا تختصر المصالحة إلى حدث تلفزيوني عجول، وبنصائح من اشخاص يعانون من شبق تلفزيوني لم يفهموا أساسا معنى الكرامة أو ماهية المصالحة التاريخية؟ نسي هؤلاء أن للفلسطيني أيضاً كرامته وحقه النبيل بالإعتذار الصريح كي يغلق جرحه ويطوي ذاكرته". يرى أبو النمل "أنه وقد اقتصرت المصالحة على الكتائب، فماذا عن العونيين؟ ماذا عن القوات اللبنانية؟ من قاتلنا وواجهنا؛ أدميناه وأدمانا كفلسطينيين، ليست الكتائب الراهنة. من مثّل درع المسيحيين الصلب، في رقصة الحرب، هم من صاروا لاحقاً "القوات اللبنانية". مع هؤلاء، يجب أن تعقد مصالحة أيضاً؛ ولكن بكرامة تليق بالدم الذي دفع من أجلها على الضفتين. من ناحية ثانية على الطرف الفلسطيني، الذي يريد عقد مصالحة تاريخية، ان لا يحتقر مجتمعه، بإبتسار دمه وألمه إلى لقطة تلفزيونية. يبقى سؤال: هل أن المصالحة التي تمت عالجت جرح تل الزعتر؟". مراجعة عميقة لم تستكمل وُضعت وثيقة "المصالحة التاريخية"، عندما كان حسين أبو النمل مسؤول "الجبهة الشعبية" في لبنان. فما حكاية هذه الوثيقة التي حكمت مفرداتها اللغة التصالحية الفلسطينية، خصوصاً مقولة "الكرامة للجميع" السيادة للبنان. العدالة للفلسطينيين؟ يقول أبو النمل "اتت الوثيقة تعبيراً عن مخاض كانت تعيشة "الجبهة الشعبية" تحت سقف التفوق الأخلاقي لجورج حبش. طُرح سؤال الأزمة على خلفية معركة طاحنة بدأها كادر لبنان لتخليص "الجبهة" من وبائين قاتلين: الفساد والخيانة التي كانت كلفتها دماء أعز رفاقنا: رامز ورفاقه الثلاثة على جبهة كفر فالوس. قبله أبو العبد المجذوب فخر العسكرية الفلسطينية، الذين ذهبوا غيلة، وتم تهريب قاتلهم حين وقع في قبضة "الجبهة". أتينا تلبية لنداء الدم، كان هناك مخاض، قاعدي وكادري، شرفني بقيادته، فأتى بنخبة مميزة لتقود فرع لبنان في سابقة هي أن يحمل المسؤول الأول دكتوراه في الإقتصاد، وعضو آخر في القيادة، طبيب متفوق يحمل دكتوراه في جراحة العظم. كانت هناك قامات أخرى عالية خلفنا، بل حملتنا بشهامة على ظهورها وحمتنا بفروسيتها. كان بيننا أيضاً خسيسون وإنتهازيون. كان بيننا يهوذانا. ولكل مسيحية يهوذاها. لكل علي بن ملجمه. لكل سيف خنجره. لكن السيف يبقى هو السيف، والخنجر يبقى خسيساً! كان عليَ واجب قيادة وبلورة ومنهجة هذا المخاض النبيل والعظيم، الذي عكس يقظة روح "الجبهة الشعبية" ووجدانها. أجهضت المراجعة، لأنها تحدثت بشجاعة ونبل عن كارثة الفساد والإفساد والإختراق الأمني متعدد الأبعاد. لقد داس "فرع لبنان" كل الخطوط الحمر. لقد فقأنا الدمل. وضعنا أصبعنا على الجرح بفروسية. قٌطِع أصبعنا، فكتبنا على حد السيف بالدم، كي نستحق فلسطين. كي نليق بغسان كنفاني وغيفارا غزة ووديع حداد". لكن كل ذلك الحديث الدائم عن الآخر، وخصوصا عن المسيحي، لم ينتج لقاء معه على ما يبدو. يجيب أبو النمل على ذلك بالقول: "كشخص لم أكن يوما بعيدا عن الآخر، أي آخر، فكم بالحري اللبناني، عموماً والمسيحي خصوصاً. بالمبدأ، ليس مثقفاً من لا يعترف بالآخر. أيضاً، أنا من رحم بيئة حاضنة إسمها لبنان أعرف فضلها الإستثنائي في تكوين النخبة الفلسطينية وعليَّ. انا احب لبنان كله ومسكون بروحه، ليس بديلاً عن فلسطين، بل لأنه يشبه فلسطين، كما أريدها على الأقل. اعرف نخبته على المدى من إيلي يشوعي وكرم كرم وبول سالم وسمير فرنجية ونبيل خليفة، إلى حبيب صادق وجهاد الزين وأحمد بيضون ومحمود سويد. اعرف صورة المسيحي الحقيقي المبدع. لم أستبدله يوماً بالمسيحي الفهلوي. لم يغب عني يوما الحكيم جورج حبش، نموذجاً للمسيحي النبيل والذكي. أما كعمل حزبي ممنهج أكاديميا فكنت معنيا بتبديد ثقافة الكراهية ومواجهة أصحابها. كنت مهتماً بخرق حاجز العداء برفعة. المهمة السياسية التي صغناها لذاتنا هي توضيح أنفسنا للفريق المسيحي، وأن نتعاطى معه بعمق من دون سفاهة. كان أمر العمليات السياسي الذي وقعته: إحتلال بكركي بالعقل والمحبة المسيحية. كان الخيار ان نتواصل". وفي سياق نهج "الجبهة" بالتوجه نحو المسيحي، يقول أبو النمل: "لم يكن عبثا إختيار بكركي هدفا. فالصراع أساسا حدث مع اللبناني المسيحي، وإذا اردنا ان نتحاور فعلاً، فهو الطرف الصحيح. علينا ان نحاور النبض المسيحي، وليس اليسار المسيحي، مع الإحترام له. كنا نريد الوصول الى بكركي برمزيتها وما تمثل، عِبر خطاب حقيقي ومقنع، يفتح الباب ويناقش. يبحث عن ثقة وتسامح وتفهم وغفران متبادل ومحترم، يحفظ كرامة الجميع ومصالحهم. كان هناك مسيحيون مميزون في حسّهم الإنساني والفلسطيني مثل الأمير فاروق أبي اللمع، الذي كان يرى ان الأزمة الإجتماعية تنتج اضطرابا امنياً، واذا ارادت الدولة اللبنانية، إنهاء مشكلة فلسطينيي لبنان فعليها معالجة جذورها". بصرف النظر عن النوايا الحسنة والتوجهات السياسية، الا ان النتيجة ظلت على ارض الواقع صفرا، خصوصا ان زيارة قام بها جورج حبش إلى لبنان في تلك الفترة لم تترجم على هذا النحو. يقول أبو النمل: "كان مجيئ الحكيم الى بيروت بحد ذاته امرا مشرقاً. كان سعيدا لقدومه الى بيروت ضيفاً عزيزاً على الدكتور خير الدين حسيب عندما كرَّم جمال عبد الناصر بشخص محمد حسنين هيكل. لم تكن الزيارة تعني "الجبهة الشعبية" فقط. لهذا، تمت استشارة عدد من الأصدقاء اللبنانيين، الذين قرروا ان وظيفة الزيارة كسر الصورة النمطية السلبية للفلسطيني، وإن أفضل خطوة يمكن إتمامها في هذا المجال هي التوجه نحو بكركي. ظهور الحكيم هناك كان سيكون جميلا ومفيداً للجميع". يضيف: "كان قرار زيارة بكركي محل حماسة الحكيم. لكن تنفيذه أوكل لجهة تنفيذية مختصة، تكشّف لاحقاً أنها عميلة لعدة أجهزة أمنية، يبدو أنه كان لها رأي معارض لقرارنا، وإرتأت إبقاء زيارة جورج حبش للبنان في "حارة المسلمين" وهو ما كان. طال إنتظار الأباتي نمر، وربما البطريرك صفير، لكن أحداً لم يطلب موعداً لزيارة بكركي أو حتى يرسل تحية بإسم حبش. كانت الخسارة كبيرة. ربما لو تمت لتغيرت الأمور وخف عذاب الفلسطينيين. ما يؤلمني أن خائن تنظيمه وشعبه الفلسطيني والعربي ذاك، ما زال يمصّ راتباً كبيراً، رسميا وثابتا، من دم الشعب الفلسطيني". الملف الإجتماعي ومستقبل العلاقات من الملفات المعقدة، الملف الإجتماعي لفلسطينيي لبنان الذي فُتح فجأة بعد اتفاق الطائف واختفى فجأة أيضاً. أعيد فتحه فجأة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005، لكن المفاجأة أن حقوق فلسطينيي لبنان لم تبلغ برَّهَا حتى الآن. لحسين أبو النمل هنا رأي مختلف ايضا، يفسر سر الـ"فجأة" الدائمة والمتكررة هذه فيقول: "أدقّق كثيرا بالأمور خصوصاً ما يبدو بديهياً. اعرف زعبرات السياسيين. أعرف السياسة في بلادنا كفعل لا أخلاقي بالجماعة. لقد طرح موضوع مقدس هو حقوق الفلسطينيين كورقة تكتيكية للإحراج في ذروة التشنج اللبناني - اللبناني. لم تطرح الحقوق المدنية للفسطينيين يوماً الا في ظل سياقات سياسية غير فلسطينية، إقتضت تحريك الورقة الفلسطينية". يسند رأيه إلى وقائع محددة: "طرحت مطلع التسعينات الحقوق الفلسطينية بهدف تغطية تسليم السلاح الفلسطيني. بحكم موقعي القيادي كرأس لفرع لبنان حينذاك، عندي أيضاً الخبر اليقين. كان صلاح صلاح، رئيس لجنة التفاوض مع اللبنانيين. كان في الوقت نفسه المسؤول الأول لقيادة "الشعبية" في لبنان، التي كنت مسؤول اللجنة التنظيمية فيها. بعد ان جُمع السلاح وصُفي الوجود الفلسطيني في شرق صيدا والجبل على نحو مذلّ، لم يعد أحد يطرح الموضوع. لن أنسى مقاومة أحد قادة الفرع المعنيين مباشرة بموضوع تسليم السلاح، فأتاه من همس في أذنه: "طرّيها، القرار متخذ من فوق". عندها فقط علمنا بحقيقة الترتيبات المسبقة. كانت معركة شرق صيدا تمثيلية. حكاية الحقوق الفلسطينية ولجانها الوزارية التي ارتبطت بها كانت تمثيلية. الحوارات تمثيلية. من يقل غير ذلك هو ممثل التمثيلية. من يرغب في إستزادة، يجد يقين اليقين عند كاتم أسرار الفلسطينيين وحامل صليبهم الدائم، محسن إبراهيم". يعبتر أبو النمل انه عندما "انفجر البلد بعد استشهاد الحريري عام 2005، كان غريباً أن تطرح الورقة الفلسطينية المتفجرة في وقت متفجّر. لم يكن من الحكمة أن يأتي من يقول: الآن فورا نريد حقوق الفلسطينيين. كان الكل مشغولا بكارثة الإغتيال. الدماء حارة على الأسفلت! لا ارى في ذلك حكمة. لا أرى لذلك علاقة منطقية بحقوق الفلسطينيين. بعد فترة، جرى اختبار عملي: القوى نفسها التي كانت تسأل حكومة السنيورة أين حقوق الفلسطينيين، لم تصوت إلى جانب تلك الحقوق، حين لاحت فرصة. وحده جنبلاط ظهر في البرلمان، حيًا ومخلصاً لفلسطين". يسأل أبو النمل: "سنة 2012 اين اصبحت اللجنة الوزارية التي ذهبت في حينه إلى عين الحلوة بذريعة: الحكومة تريد معلومات! ضحك الذين يعرفون كم عدد المخبرين الذين تسهر عيونهم على دبيب النمل الفلسطيني. إنقلبت المواقع: صارت الحكومة معارضة والمعارضة حكومة! لم تفعل سوى الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف! عام 2005، كان تجاذب غير رحيم في الوسط السياسي اللبناني: تخوين متبادل. مُسخت القضية الفلسطينية إلى مضبطة إتهام. ما جرى كان إبتذالا فظاً لفلسطين. الدليل ان شيئا عمليا لم ولن يتحقق. طرحت الحقوق الفلسطينية للإحراج وللمزايدة". أما عن مستقبل العلاقات فيقول: "لم نمتلك شروط التغيير بعد. ما زلنا نحمل التأهيل الفكري والسياسي الكارثي نفسه. ما زال التعاطي مع قضية فلسطينيي لبنان كورقة تكتيكية. قناع يستخدم للمناسبات. اذا كان مرضيا عن حكومة لبنان فلا حديث عن الحقوق. عند الخلاف تقع المناورة بالفلسطينيين! نؤسس لكارثة حين نحول مأساة فلسطينيي لبنان إلى مجرد مسألة أمنية. تكون الحماقة حين تترك السياسة للأمنيين. لبنان وفلسطين أكبر من ذلك. السياسة هي من تتدبر الأمر. الضباط ينفذون بعيداً عن التلفزة. تجربة أن الأمنيين يقودون الحوار قادت إلى صدام السبعينيات". يتابع: "لم نجر مراجعة في العمق. قمنا بمصالحة متسرعة. لا زال الواحد يرى الاخر شيطاناً. كل الفرقاء يتحدثون عن الحقوق الفلسطينية، لكن لا نتائج. يجب توفير قناعات لدى الطرفين. على كل طرف أن يفهم الآخر. إذا بقي الفلسطيني يعتقد ان العالم كله بخدمته فهو ما زال واهما. العالم لديه همومه الأخرى الخاصة والضاغطة والمشروعة. أما اذا بقينا على خطاب (النائب) نعمة الله أبي نصر، فإن ذلك يعني أنه ما من خيار أمام الفلسطيني سوى الموت! الفلسطيني لن ينتحر كرمى مزاج أبي نصر، أو لتقر عيون "أبو أرز". سيقاتل كما يكون القتال ضد كل دعوة للموت أوهدر الكرامة. خطاب أبي نصر، وصفة سحرية لتحويل الفلسطيني الضحية قاتلاَ، وقد صار قبلاً. يجب أن لا يتكررا. هل من يُفهم نعمة الله أبي نصر أن خطاب كراهية الفلسطينيين أتى بعكسه: بخطاب كراهية المسيحيين". ينهي أبو النمل كلامه: "يطلب الجميع وقف رقصة الدم، لكن أحداً لم يقل كيف؟ بتاريخ 24/9/ 2011 سمع الفلسطينيون رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع يقول: هل مقبولٌ أن ننكفئ نحن المسيحيون عن الشرق في اللحظة عينها التي بدأ فيها الشرق يشبهنا؟ وفي اللحظة عينها التي بدأ فيها بتجسيد المفاهيم التي لطالما نادينا بها نحن، وبتحقيق أحلامنا نحن، في الحرية، والديمقراطية، والكرامة الإنسانية وحقوق الانسان؟ ثمة من قد يسأله، ربما المحامي الدكتور إبراهيم نجار، كيف صار الشرق العربي يشبهنا؟ هل نشبه نحن الشرق الديموقراطي الموعود؟". يستطرد أبو النمل من خطاب جعجع إلى "خطاب طرحه الكتائبي الشاب النائب سامي الجميل في برنامج "كلام الناس" مع الزميل مرسيل غانم، حين تحدث عن مخاطر إستمرار العمل بموجب نظام يستدعي وجود طرف مغبون كل مرة". لم يضف أبو النمل سوى "رجاء من يهمهم الأمر تذكير الدكتور جعجع والنائب الجميل، أنهما تحدثا عن "تحقيق أحلامنا نحن، في الحرية، والديمقراطية، والكرامة الإنسانية وحقوق الانسان. عن أن لا يعود هنالك مغبونون! من أجل ذلك قاتل الفلسطينيون قرناً وسيقاتلون قروناً. التاريخ شاهد. لا يخدع إلا نفسه من ظن أن الفلسطيني خصي. صار حملاً. لا تصدقوا السياسي الفلسطيني، صدقوا ما قاله الشاعر محمود درويش حين كان شاباً: حذار.. حذار.. من جوعي ومن غضبي. صدقوا توفيق زياد أرثوذكسي الناصرة، حين قال: وإن كسر الردى ظهري وضعت مكانه صوانة من صخر حطّين! يبدد وقته من يتحدث مع الفلسطيني بلغة لا تقوم مفرداتها على الكرامة والعدل".

الأربعاء، 18 أبريل 2012

الفلسطينيون يراجعون تجربتهم في لبنان (6-1)

المستقبل - الخميس 19 نيسان 2012 - العدد 4317 - ملف - صفحة 12


المجتمع المدني.. انفتاح "خجول" من "عين الحلوة" الى كسروان


أنيس محسن

أفرزت السيطرة التي مارستها الفصائل الفلسطينية المسلحة في سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي على الوضع الفلسطيني في لبنان، عسكرة للمجتمع الفلسطيني، الذي كان محظورا عليه رسميا قبل ذلك اقامة احزاب سياسية أو نقابات مهنية أو منظمات اجتماعية، وبالتالي غابت منظمات المجتمع المدني المستقلة، واستعيض عنها بمنظمات "جماهيرية" تابعة لتلك الفصائل وتنفذ سياساتها من خارج السياق جاءت بالمنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان (حقوق) التي فتحت طريقا بين "عين الحلوة" وكسروان عبر اجتماعات مع الشباب اللبناني وخصوصا المسيحي، ومع الأحزاب المسيحية، حيث فاجأ الجنرال ميشال عون وفد المنظمة بأنه ليس ضد تجنيس الفلسطينيين لكن عبر القانون.
لم تظهر ان هيئات ومنظمات المجتمع المدني الفلسطينية المستقلة سوى في العام 1997 عندما اتفق ثلاثة شبان على انشاء منظمة من خارج سلطة الفصائل فكانت فكرة "المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان" التي طورت نفسها وبقيت المنظمة الحقوقية الوحيدة على مدى سنوات، والأكثر بروزا الى الآن.
وكونها مبادرة في اطلاق مسار منظمات المجتمع المدني المستقلة، بادرت في فتح حوار مع الأحزاب المسيحية ومع الشارع المسيحي، فالتقت "حقوق" برئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وبرئيس "التيار الوطني الحر" ميشال عون، وبالقيادي الكتائبي الوزير السابق سليم الصايغ، وكان في حينه نائبا لرئيس الحزب، وما لفت وفد المنظمة أن الجنرال عون لم يرفض مسألة تجنيس الفلسطينيين، لكنه اشترط ان يتم ذلك عبر القانون.

غسان عبد الله: شعرنا بازدواجية في موقف الجنرال
يقول المدير العام للمنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان "حقوق" غسان عبدالله: "نحن في المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان وفي سعينا لإحقاق حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والكرامة الانسانية وحق العمل وحق التملك، كان لا بد ان نعقد اجتماعاً فلسطينياً موسعاً لتوحيد الرؤيا وان يكون هناك عمل جماعي لتفكيك العقبات الذاتية التي تعرقل العمل معا لتحقيق تلك الحقوق، وبمعنى آخر العمل على ترتيب البيت الداخلي كي لا يكون الانقسام أو الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني، ذريعة لمنع الفلسطينيين من نيل حقوقهم المشروعة".
وقد عقد اللقاء الفلسطيني الموسع من 30 أيلول (سبتمبر) إلى 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2005، وجاء ذلك بعد ان اجرت "حقوق" اتصالات وزار موفدوها عدة احزاب وجهات لبنانية وخصوصا المسيحية، "لأن الأطراف المؤيدة للحقوق الفلسطينية مثل "حزب الله" وتيار "المستقبل"، كانوا يطلبون منا دائما ان نتوجه نحو حلفائهم المسيحيين للتحاور معهم، كون الحلفاء هم من يتوجّسون من قضية الحقوق"، كما يقول عبدالله، ويضيف: "وفي هذا السياق زرنا القوات اللبنانية والكتائب والتيار الوطني الحر (العونيين) في أواخر العام 2005. تلك الزيارات لم تتم في مرحلة واحدة، انما تباعدت احيانا، تبعا للتطورات التي كان يعيشها لبنان في عامي 2005 و2006".
وحول مضامين اللقاءات وما خرجت به "حقوق" من استنتاجات، يقول المدير التنفيذي للمنظمة: "التقينا مع رئيس اللجنة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، وكان لقاءً جيدا جدا ودام اكثر من ساعة ونصف ساعة وتطرقنا خلاله الى اوضاع اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم حول العمل والتملك على وجه الخصوص، ولمسنا تفهما من الدكتور جعجع خصوصا ازاء مسألة حق العمل لكن مع تسجيله بعض التحفظ على حق التملك. كانت في تلك السنوات تطرح بشكل واسع مسألة ان المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية الارجح ان تخرج بنتائج وغالبا ان الفلسطينيين سيعودون الى دولة فلسطينية في الضفة وغزة، شرحنا ان مسألة العودة لفلسطينيي لبنان ليست بتلك السهولة، اذ انهم اساسا ليسوا من تلك الاجزاء من فلسطين، وحتى لو تم التوصل الى حل، فإن مسألة اصدار جنسيات فلسطينية لهم والعودة ليست بتلك السهولة".
يتابع: "ما يمكن ان يسجل بالنسبة للقوات اللبنانية اننا كنا نسمع الموقف ذاته من كل القيادات ومن القاعدة على حد سواء: تفهمهم لحق العمل وتحفظهم على حق التملك، ما عنى بالنسبة لنا ان القوات اللبنانية منسجمة في مواقفها، وبالتالي قد يكون الحوار معهم اسهل واكثر انتاجية اذا استمرت اللقاءات. هذه الملاحظة توصلنا اليها من خلال اللقاءات مع القيادة، ثم اللقاءات مع الشباب والطلاب من القوات اللبنانية وذلك في سياق لقاءات نظمناها مع القواعد الطلابية والشبابية المسيحية".
وبشأن الزيارة التي قام بها وفد "حقوق" لرئيس "التيار الوطني الحر"، يوضح عبدالله: "زرنا الجنرال ميشال عون، في 17 أيلول (سبتمبر) 2007 بعد فترة طويلة، وكنا قررنا تأجيل الاتصال به قبل ذلك للقائه بسبب مواقف الجنرال وقيادات تياره التي كانت عدائية جدا ازاء الفلسطينيين وحقوقهم. ما سمعناه من الجنرال كان مفاجئا لنا ومحيرا.. سمعنا كلاما جميلا حول الفلسطينيين وحقوقهم ومخالفاً تماماً لما يدلي به هو ومسؤولو تياره في الاعلام، وقد برّر عون هذه الازدواجية في المواقف بين المعلن في الاعلام والذي ابلغنا اياه، بالقول: لا تأخذوا الكلام الذي تسمعونه في الإعلام بأنه موجه ضد الفلسطينيين، فأحيانا يكون هناك تجاذب ما بيني وبين السفير الأميركي أو بيني وبين رئيس الحكومة أو سياسيين اخرين من الطرف الآخر"، وانه يوجه بتلك التصريحات "رسائل الى هؤلاء" وليس الى الفلسطينيين".
في الاستنتاجات ان عون كان متفهما "لموضوع حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبالنسبة لموضوع التوطين، الذي كان وما زال يلوح به، قال انه في المبدأ يرفض التوطين لمصلحة الفلسطينيين، وكي لا تتجنس مجموعة كبيرة منهم ويفرض التوطين على الفلسطينيين واللبنانيين فرضا، لكنه اضاف انه ليس ضد ان يتجنس فلسطينيون عبر قانون تجنيس عادل اي ان يتقدموا كأفراد بطلب التجنيس وفق القانون واذا تجنسوا فلا بأس. هذا شكّل مفاجأة كبيرة لنا في الحقيقة".
أما بشأن حزب "الكتائب" الذي زاره وفد "حقوق" في2 حزيران (يونيو) 2009 والتقى نائب الرئيس في حينه الدكتور سليم الصايغ الذي عين لاحقا وزيرا للعمل، "كان اللقاء ايجابيا جدا، ولمسنا تفهما لدى المكتب السياسي لحزب الكتائب لمسألة حقوق الفلسطينيين، لكن لمسنا ايضا عدم وجود وحدة في الموقف بين المكتب السياسي للكتائب والقيادة وبين القاعدة الحزبية خصوصا الشبابية، التي التقينا بممثلين لها خلال اللقاءات الشبابية اللبنانية ـ الفلسطينية التي نظمناها. فكان يتوجب عملا اصعب ويحتاج مدة اطول في التوصل الى قواسم مشتركة مع القاعدة الكتائبية، بخلاف النسق القيادي للحزب الذي يتفهم اكثر مسألة الحقوق، بل ان هناك في القيادات الكتائبية من كان يدعم اعطاء كل الحقوق التي تنص عليها شرعة حقوق الانسان، بالطبع مع الحفاظ على مسألة رفض التوطين".
بعد اللقاء مع جعجع وعون نظمت "حقوق" لقاء حول "حق العمل" في 28 تشرين الثاني 2008، وقد كانت المرة الأولى التي تحضر فيها جهات مسيحية ورشة عمل تنظمها جهة فلسطينية وتناقش المسألة عبر مداخلات مكتوبة كان فيها ايجابيات وهواجس، فضلا عن تنظيم لقاءات شبابية لبنانية ـ فلسطينية كي يتم رصد هواجس الشباب من الطرفين ايضا.
يقول عبدالله: "المفاجأة خلال اللقاءات الشبابية الفلسطينية ـ اللبنانية التي نظمناها، كانت ان الكتلتين المتواجدتين لم تكونا لبنانيين ضد فلسطينيين انما فلسطينيين ولبنانيين ضد لبنانيين وفلسطينيين بناء على الاصطفافات اللبنانية الداخلية والفلسطينية الداخلية المبنية على المؤثرات الاقليمية. فكان شباب 14 اذار اللبنانيين متحالفين مع "منظمة التحرير" وشباب 8 أذار متحالفين مع التحالف الفلسطيني الموالي لسوريا".
كما ان اللافت في تلك المحاولة الجريئة وغير المسبوقة، زيارة وفد من الشباب المسيحي الى مخيم عين الحلوة، وزيارة وفد من الشباب الفلسطيني الى كسروان، حيث تفاجأ كل طرف بأن المنطقة الأخرى ليست عدوة كما تصور لهم الصورة النمطية المطبوعة في مخيلة الجانبين.
لم تكن مسألة الاتصالات التي أجرتها "حقوق" سهلة، فعلى سبيل المثال كان لقاء المنظمة مع جعجع الأول الذي تقيمه جهة فلسطينية معه بشكل علني ورسمي، بعد خروجه من السجن. يقول عبدالله: "بعد اللقاء ثارت ثائرة الجميع على المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان وعلي شخصيا (...) الرد الاكثر سلبية باتجاهنا جاء من خلال التحالف الفلسطيني الموالي لسوريا حيث خُوِّنا وهددنا وانا تحديدا بالسجن والقتل، وتعرضت لمحاولة خطف من قبل احد التنظيمات الفلسطينية بقصد نقلي الى سوريا. الجهة الاخرى التي استاءت من لقائنا بالدكتور جعجع كانت منظمة التحرير الفلسطينية، لكن ليس استياء من مبدأ اللقاء، انما لأننا الجهة التي بادرت وليست المنظمة التي تعتبر حالها الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين. بالطبع نحن لم نلتقِ "القوات اللبنانية" كجهة سياسية، وهذا اوضحناه للجميع. موقف المنظمة كان متحفظا فقط تبعا لهذا المنطق، لكن ليس مهددا ولا متوعدا".
ويعتبر عبدالله انه "بشكل عام المواقف اللبنانية من حقوق الفلسطينيين بعضها يندرج في سياق القناعات معارضة أو داعمة للحقوق وبعضها في سياق المزايدات والمناكفات والمماحكات الداخلية التي يستخدم الفلسطيني فيها، وهو الحلقة الأضعف الآن في لبنان (...) لمسنا من خلال لقاءاتنا مع السياسيين وخصوصاً المسيحيين ان الكثير منهم يتفهم ضرورة ان ينال الفلسطينيون حقوقهم، لكن لديهم مخاوف وهواجس ويريدون ان يخطوا خطوة الى الأمام، لكن لا يقومون بذلك ويبقون بالتالي في مكانهم. ايضا لمسنا، خصوصا لدى التيار الوطني الحر (العونيين)، انفصاما بين ما نسمعه في الغرف المغلقة وما يقال على المنابر الاعلامية".
ويلفت مدير "المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان" الى ان "الجنرال عون ونوابه كانوا عقبة حقيقية في مسألة اطلاق عملية الاعمار في مخيم نهر البارد، وقد عملوا جاهدين الى منع الاعمار، وأخّروه كثيرا (...) وفي موضوع حق العمل ايضا، من يراجع تصريحات الجنرال عون ونوابه ووزرائه، يرى كم انهم كانوا معارضين لذلك".
لكن المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان لا تبدو متشائمة، وهي ترى ان الأمور لا بد ان تسير بشكل ايجابي في المستقبل، وفي هذا السياق يقول عبدالله: "انا ارى ان العمل من خلال آلية حقوق الانسان هو عمل تراكمي لا ينتبج سريعا، لكن انتاجه يكون عميقا وفاعلا".
لقد ساهمت المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان، الى جانب اخرين في المجتمعين المدني والسياسي، في نقاش ومتابعة العديد من الملفات، مثل تعديل قانون العمل الذي توحدت هيئات المجتمع المدني الفلسطيني حوله وعقدت عشرات اللقاءات والاجتماعات والاتصالات بالكتل النيابية والوزراء في مختلف الخلوات وكتابة المذكرات للحكومات وحملات التوعية من خلال اللقاءات المباشرة أو عبر الاعلام.
يقول غسان عبدالله: "اعتبرنا ان تعديل قانون العمل يعد انجازا حتى وان لم يكن بالمستوى الذي اردناه حيث لا يزال الفلسطينيون ممنوعون من العمل في ما يطلق عليه في لبنان اسم المهن الحرة مثل الهندسة والطب والصيدلة وغيرها من المهن المنتظمة في نقابات خاصة. فعلى الرغم من قصور التعديل، الا انها كانت المرة الاولى التي يتطرق فيها القانون اللبناني الى الحقوق المدنية للفلسطينيين".
ويشير الى ارسال العديد من المذكرات الى مختلف الحكومات اللبنانية اما باسم المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان أو بشكل مشترك مع هيئات المجتمع المدني الفلسطيني الاخرى، أو من خلال هيئات اقليمية أو دولية مثل الشبكة العربية للتنمية "التي اشتركنا عبرها في ارسال مذكرة الى الرئيس نجيب ميقاتي عندما ألَّف الحكومة اللبنانية الاخيرة".
يعتبر مدير المنظمة الفلسطينية لحقوق الانسان، ان الحكومات التي جاءت بعد العام 2005، عقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، "بدأت تتعامل بجدية مع حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وان ليس بالشكل المنصوص عليه في شرعة حقوق الانسان، ولم يعد بالتالي التعاطي مع الفلسطيني في لبنان مقتصراً على الجانب الأمني". ويشير إلى ان "البداية كانت مع حكومة السنيورة الأولى حيث تم تأليف لجنة وزارية زارت المخيمات وخصوصا مخيم عين الحلوة وصرح في حينه عدد من الوزراء ممن شاركوا في الزيارة بأن وضع المخيمات لا يحتمل وان على لبنان تغيير هذا الواقع. وتعاملت حكومة الرئيس السنيورة الثانية في بيانها الوزاري مع حقوق الفلسطينيين في البيان الوزراي، وكذلك حكومة الرئيس سعد الحريري، وايضا حكومة الرئيس ميقاتي".
وفيما يشير غسان عبدالله الى اتصالات تمت ولا تزال جارية في اطار مجلس النواب اللبناني وعبر الآليات المحلية والدولية لحل مسألة الحقوق الفلسطينية، يقول "للأسف في لبنان التركيبة الطائفية الموغلة في التفاصيل السياسية هي السبب الرئيسي في حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، فيما المصلحة الاقتصادية والاخلاقية والانسانية، تلزم لبنان باعطاء الحقوق لمجموعة من الناس مقيمة على ارضه بغير ارادته أو ارادتهم".

الفلسطينيون يراجعون تجربتهم في لبنان (6-2)

عرفات والتجربة اللبنانية: تحديات ومصاعب وإنجازات
المستقبل - الخميس 19 نيسان 2012 - العدد 4317 - ملف - صفحة 12

صقر أبو فخر()

يمكن اعتبار سنة 1968 سنة البدايات للعمل الفدائي الفلسطيني في لبنان، ففي تلك السنة بدأت تظهر في منطقة العرقوب الجنوبية أولى القواعد العسكرية. لكن العمل الفدائي لم يكتسب شرعيته القانونية إلا في سنة 1969 حين جرى توقيع اتفاقية القاهرة بين ياسر عرفات كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإميل البستاني كقائد للجيش اللبناني. والتجربة العسكرية الفلسطينية في لبنان، علاوة على التجربة السياسية والاعلامية، لم تعش أكثر من اثنتي عشرة سنة انتهت بالخروج الكبير في سنة 1982. وهي تجربة فيها كثير من الملابسات، وخالطتها أسرار متشعبة لم تُكشف جميع أسرارها حتى اليوم.

من عمان إلى بيروت

بعد الخروج من الأردن في صيف سنة 1970 اتخذ ياسر عرفات مقره الرسمي في دمشق، لكن مقره الفعلي كان في بيروت. أما الجسم العسكري للمقاومة الفلسطينية فقد تركز في منطقة العرقوب في الجنوب اللبناني وعند منحدرات جبل الشيخ، ثم راح يتمدد تدريجاً على طول الحدود مع اسرائيل. وقد كانت المرحلة اللبنانية أكثر مراحل الثورة الفلسطينية إيلاماً وانجازات في الوقت نفسه.

أول ما واجهه ياسر عرفات هو الميل العربي الى الاعتدال بعد سنة 1970. ففي سوريا، وبعد تسلم حافظ الأسد السلطة التي دانت له تماماً، قبلت سوريا القرار 242. وفي العراق أزيح كل من حردان عبد الغفار التكريتي وعبد الخالق السامرائي المؤيد للفدائيين بقوة وصالح مهدي عماش وعبد الكريم الشيخلي وحماد شهاب وسعدون غيدان ثم ناظم الكزار، وانفرد الثنائي أحمد حسن البكر (الذي كان يكره ياسر عرفات) وصدام حسين بالسلطة. وفي مصر لم يلبث الرئيس أنور السادات أن أطاح خصومه في أيار (مايو) 1971 وزجهم في السجن أمثال علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف.

كان ياسر عرفات يخشى تكرار التجربة الأردنية في لبنان، فسعى الى التفاهم مع الجميع يميناً ويساراً. لكن حلفه الأساسي ترسخ مع كمال جنبلاط ومع الحركة الوطنية اللبنانية. وكان لكمال جنبلاط مكانة خاصة لدى ياسر عرفات، فلم يرفض له طلباً على الرغم من بعض الاختلافات في النهج السياسي. كان ياسر عرفات، بين 1970 و1976، يحتاج الى كمال جنبلاط والحركة الوطنية اللبنانية لتأمين غطاء سياسي له في لبنان. لكن، منذ سنة 1976 فصاعداً صار كمال جنبلاط هو من يحتاج الى ياسر عرفات لمواجهة سوريا واليمين اللبناني المتمثل آنذاك بـ"الجبهة اللبنانية".

تمكن عرفات، وبسرعة، من انتزاع شرعية لوجوده في لبنان فوق ما منحته إياه اتفاقية القاهرة الموقعة في 3/11/1969. ففي 30/9/1971 زار القصر الجمهوري اللبناني، والتقى الملك فيصل بن عبد العزيز الذي كان يزور لبنان آنذاك، والرئيس سليمان فرنجية، وبحث معهما عدة شؤون منها الوساطة السعودية ـ المصرية لتسوية الخلاف مع الأردن، فضلاً عن بعض القضايا ذات الصلة بالفدائيين في لبنان. ومن مقره في منطقة الفاكهاني في بيروت أدار السياسة الفلسطينية والعمل العسكري الفلسطيني معاً. وكانت اجتماعاته الليلية لا تنتهي إلا عند الفجر.

كانت السياسات العربية تميل، على العموم، الى الاعتدال النسبي، وكانت السياسة الفلسطينية تخالف هذا الميل، وتتوسل نهج الكفاح المسلح والعنف الثوري. هذا الأمر أرغم عرفات على اختيار خط السير المتعرج كمن يسير في حقل من الألغام.

كان أول تحدٍ لياسر عرفات هو كيف يحمي، في بيئة شبه معادية ونصف صديقة، أمن المقاومة ومؤسساتها، وأمن القادة الفلسطينيين، ويواصل الكفاح المسلح، ويمارس العمل السياسي في الاطار العربي، والعمل الاعلامي والسياسي في النطاق الدولي، وأن تصب هذه الروافد كلها في مجرى واحد هو حركة التحرر الوطني؟ وقد تمكن ببراعة فائقة من إقامة علائق قوية مع الاتحاد السوفياتي ودول المنظمة الاشتراكية، وأن يحافظ على علاقاته الوثقى بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج في الوقت نفسه.

في هذه الأثناء كانت اسرائيل تغتال غسان كنفاني في منطقة الحازمية شرقي بيروت في 8/7/1972، وترسل طرداً ملغوماً لينفجر بين يدي أنيس صايغ في 19/7/1972، وترسل طرداً ثانياً لينفجر بين يدي بسام أبو شريف رئيس تحرير مجلة "الهدف" في 25/7/1972، وتغتال وائل زعيتر في روما في 16/10/1972، وتطلق النار على محمود الهمشري في باريس في 8/12/1972 ليتوفى في 9/1/1973، وتغتال باسل كبيسي في باريس أيضاً في 6/4/1973. وكانت الذروة في 10/4/1973 عندما تسلل فريق من الكوماندوس الاسرائيلي بقيادة ايهود باراك الى بيروت، وتمكن، بتسهيل من عناصر داخلية لبنانية من اغتيال كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وكمال ناصر. هذه الحادثة أدخلت الوضع اللبناني في مشكلات سياسية وأمنية متفاعلة، ومهدت السبيل للانفجار اللاحق في أيار (مايو) 1973.

لم يذعن ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية لهذه المخاطر البتة. فقامت حركة "فتح" بممارسة الحرب المضادة السرية ضد "الموساد" الاسرائيلي، وتمكنت من قتل تساودك عوفير في بروكسل في 10/9/1972، وهو ديبلوماسي وعضو في "الموساد"، وقتلت موشيه حنان يشاي في مدريد في 26/1/1973، وأردت سيمحا غليتزر في قبرص في 12/3/1973، ويوسف ألون في واشنطن في 1/7/1973، وعامي تساحوري في أمستردام في 10/9/1973.

الانفجار

سار في جنازة القادة الثلاثة كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وكمال ناصر نحو 250 ألف شخص بحسب تقديرات تلك المرحلة، وكان الفلسطينيون آنذاك لا يستطيعون حشد أكثر من خمسين ألفاً في أقصى امكاناتهم. وهذا يعني أن الأغلبية الساحقة من المشاركين كانت من اللبنانيين. وقد لفت هذا الأمر الأجهزة الأمنية والعسكرية في لبنان، ومحطات المخابرات الأجنبية في بيروت، ولاحظ الجميع أن المقاومة الفلسطينية باتت قوة كبيرة، بل قوة سياسية لبنانية يحسب لها الحساب. وكان أن انفجر القتال في 2/5/1973 بين الجيش اللبناني والفدائيين.

وقد كان المقصود شل فاعلية المقاومة تماماً، وإخضاعها للقواعد الأمنية اللبنانية، وإن تيسرّ الأمر، فالقضاء عليها على الطريقة الأردنية. وبالطبع لم يتمكن الجيش من اقتحام المخيمات، وتلقى الرئيس اللبناني سليمان فرنجية إنذاراً من الرئيس أنور السادات، وإنذاراً آخر من الرئيس حافظ الأسد الذي اتبع انذاره بإغلاق الحدود السورية ـ اللبنانية. وعند ذاك توقف القتال، وخرج الفدائيون من هذه المعركة بفوز سياسي.

استثمر ياسر عرفات نتائج أحداث أيار 1973 لتعزيز مكانته السياسية. وهذه المكانة أتاحت له المشاركة في الحرب التي نشبت في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 بين جيشي مصر وسوريا من جهة والجيش الاسرائيلي من الجهة المقابلة. وفور اندلاع المعارك أصدر عرفات أوامره الى قوات حطين التابعة لجيش التحرير الفلسطيني في سوريا، وإلى قوات عين جالوت في مصر بالانخراط في الحرب الى جانب الجيشين المصري والسوري. وفي جنوب لبنان قامت قواعد الفدائيين بقصف مواقع للجيش الاسرائيلي، ونفذت عمليات إغارة وإعاقة لتقدم الوحدات الاسرائيلية نحو الجولان السوري.

ساهمت مشاركة قوات الثورة الفسطينية في حرب تشرين الأول (اكتوبر) 1973 في انتزاع مكانة عربية خاصة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وصار ياسر عرفات لاعباً أساسياً في سياسات المنطقة. وفي هذا الميدان كوفئ عرفات في مؤتمر القمة العربية السابعة المنعقد في الرباط في 26/10/1974 باتخاذ المؤتمر قراراً يعترف فيه بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ثم جاء اعتراف منظمة الوحدة الافريقية ومؤتمر دول عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الدولي أيضاً. ثم وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1974، وبأغلبية 110 دول، على قبول منظمة التحرير الفلسطينية عضواً مراقباً لديها، ما أفسح في المجال أمام عرفات لإلقاء كلمة فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

في 13/11/1974 وقف ياسر عرفات أمام ممثلي دول العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلى جانب الكرسي الأصفر المخصص للرؤساء تلقى عاصفة من التصفيق لم تتح لغيره على الاطلاق. ومن على منصة الخطابة ألقى أبو عمار خطبة بليغة ختمها بالقول: "جئتكم ثائراً أحمل غصن الزيتون بيد والبندقية في اليد الاخرى. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". وحينما استمع ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الى خطبة عرفات قال: "لقد أيقظ ياسر عرفات في داخلي تاريخاً من غياب الوعي، وجعلني أشعر بأنه ما زال ممكناً أن تلد أرض فلسطين الأنبياء".

لم تكن الأرض السياسية ممهدة أو معبدة تحت أقدام عرفات ورفاقه حينما تمكن رئيس "منظمة التحرير الفلسطينية" من تحقيق هذه الانجازات. فمنذ أن أقرّ المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر المنعقد في القاهرة في 1/6/1974 وثيقة البرنامج المرحلي المعروفة ببرنامج النقاط العشر الذي يتضمن فكرة الدولة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى شرع البعض في إقامة العوائق في وجه ياسر عرفات وحركة "فتح". فدعم النظام العراقي مجموعة صبري البنا (أبونضال) في انشقاقه على "فتح" ثم في تنكيله بكثير من كوادر الحركة بالقتل اغتيالاً. وفي 29/9/1974 أُعلن عن تأسيس "جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية" المعروفة باسم "جبهة الرفض" اختصاراً، والتي تلقت دعماً كبيراً من العراق. وفي الوقت نفسه كانت اسرائيل تخطط لإجهاض أو تحطيم الموقع الذي احتلته "منظمة التحرير الفلسطينية" بقيادة عرفات، خاصة أن العمليات العسكرية الفلسطينية ضدها باتت أكثر تطوراً وفاعلية.

لم تكن الولايات المتحدة لتقبل مثل هذه التطورات في الشرق الأوسط بعد انسحابها من فيتنام عام 1975. لذلك راح وزير خارجيتها هنري كيسنجر، الذي تمكن في جولاته المكوكية، من فك الاشتباك بين الجيش المصري والجيش الاسرائيلي عام 1974، ونجح في جر مصر الى توقيع اتفاقية سيناء في سنة 1975 التي كانت تمهد لإعادة افتتاح قناة السويس أمام الملاحة الدولية التي افتتحت مجدداً في 5/6/1975 يعد الخطط لإغراق الثورة الفلسطينية في الوحول اللبنانية، فنجح في تفجير صاعق الحرب الأهلية اللبنانية في سنة 1975 التي لم تتوقف إلا في سنة 1990.

كان ياسر عرفات يخشى انفجار التناقضات اللبنانية في وجهه، بينما كان كمال جنبلاط زعيم الحركة الوطنية اللبنانية يسعى الى كسر المعادلة اللبنانية وتغييرها.

في خضم التعقيدات السياسية والعسكرية التي خلقتها الحرب الأهلية، صار عرفات لاعباً في السياسة المحلية اللبنانية، وهو الأمر الذي لم يكن يريده، بل وجد نفسه غارقاً فيه.

تدخلت سوريا بجيشها، وتدخلت اسرائيل، وجاء اغتيال كمال جنبلاط في 16/3/1977 ليصيب ياسر عرفات بخسارة هائلة، وقبل ذلك سقط مخيم تل الزعتر.

لكن زيارة انور السادات الى القدس في 19/11/1977 وتصاعد القتال في لبنان، أديا الى اعادة تحالفه مع سوريا، ما أسس لتحالفات جديدة في المنطقة العربية بأسرها.

لم تكد المقاومة الفلسطينية تتوازن قليلاً بعد اغتيال كمال جنبلاط وبعد التفاهم مع سوريا حتى كانت اسرائيل تحتل جزءاً من جنوب لبنان في آذار 1978، وتنشئ ما أسمته "الحزام الأمني". وهكذا صارت الحدود مع اسرائيل بعيدة، وتقلص نطاق العمليات الفدائية ضد اسرائيل.

بين سنة 1980 و1982 تهتكت الأوضاع اللبنانية كثيراً، وأنهك المجتمع اللبناني والمقاومة الفلسطينية معاً، وسقط الجميع في شباك القتل اليومي من دون أي نتيجة سياسية. واضطر عرفات الى ادارة الشؤون اليومية بطرق تجريبية لم يختبرها من قبل. وانكشف الوضع اللبناني على شتى الممارسات، وصار مرتعاً لأجهزة الاستخبارات في العالم، وتقاسمته مجموعة من اللاعبين المتصارعين بلا هوادة وبلا أي هدف ممكن.

استمر الوضع على حاله من التدهور والتفتت والانحلال حتى وقوع الاجتياح الاسرائيلي في الخامس من حزيران (يونيو) 1982.

() كاتب وباحث في الشؤون الفلسطينية والمشرف على ملحق "فلسطين" الذي يصدر عن جريدة "السفير".