السبت، 14 أبريل 2012

الفلسطينيون يراجعون تجربتهم في لبنان (3)

كيف خطفت الدبابة السورية وهج البندقية الفلسطينية؟

المستقبل - الاحد 15 نيسان 2012 - العدد 4314 - ملف - صفحة ५

أنيس محسن

أصيب لبنان في العام 1975 بهستيريا. بات الموت يتربّص بالناس في الشوارع. كانت الحرب الداخلية اندلعت، وانقسم البلد جغرافيا بين "شرقية" و"غربية"، وطائفيا بين مسيحي ومسلم، وسياسيا بين يمين ويسار. وكانت البندقية الفلسطينية هي الأبرز في السنة الأولى للحرب، قبل ان تدخل الدبابة السورية، ثم الجحافل الإسرائيلية.
تلك كانت الصورة، أما المقدمات فجاءت مبكرة منذ العام 1968 والاعتداء الإسرائيلي على مطار بيروت وتدميره أسطول طيران "الشرق الاوسط" المدني الذي كان رابضا في المطار، ثم التوقيع على اتفاق القاهرة، والاشتباكات المتنقلة من الجنوب الى بيروت بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني.
الهستيريا تلك، كانت تحتاج إلى رجل عاقل، هو ريمون إدة، الرجل الديموقراطي المدافع عن حقوق الإنسان، والرافض للعنف اسلوبا لحل المشاكل، والداعي فقط للحوار توصلا الى السلام.
رغم رفضه اتفاق القاهرة، ارتبط بعلاقات وثيقة بالقيادة الفلسطينية الرسمية، ولم يبرح سكنه في بيروت "الغربية" رغم المخاطر، الى ان التجأ الى باريس كموقف رافض للقتل الدائر، بعد سلسلة من محاولات الإغتيال التي طاولته.
رفض انتشار السلاح في ما كان يسمى "المجتمع المسيحي" وحذّر من ان ذلك سيزيد من حدّة التوتر ويقود الى صدام لن تحمد عقباه، وكان من أشد المنتقدين للقيادات السياسية المارونية في تلك الحقبة.
رفض السلاح الفلسطيني، لكنه رفض قرار الصدام الرسمي معه، لأن الصدام بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية سيحدث انقساما في الجيش اللبناني، وهو ما كان.
اصطدم سياسيا مرة اخرى مع "المارونية السياسية" عندما تدخّل الجيش السوري لمصلحة المسيحيين في لبنان، وحذّر من مآرب النظام السوري بقيادة حافظ الأسد في السيطرة على لبنان والهيمنة على الورقة الفلسطينية.
كان له موقف واضح ولا لبس فيه ضد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وخصوصا خلال اجتياح العام 1982، وكان دائم التحذير من تورّط القيادات المسيحية بأي علاقة مع إسرائيل.
في هذه الحلقة يدلي أمين سر حزب "الكتلة الوطنية" السابق سمير عبدالملك بشهادته عن العميد وتلك المرحلة وقد واكبهما عن قرب.

سمير عبدالملك: إده صديق الفلسطينيين والصوت المسيحي الآخر

"ضمير لبنان"، هذا هو اللقب الذي اطلق على ريمون إده (1913 - 2000). هو ابن الرئيس إميل اده (رئيس لبنان قبل الاستقلال ما بين 1936 و1941)، انتخب خلفاً له عام 1949 كعميد لحزب "الكتلة الوطنية"، ودخل إلى البرلمان عام 1953 واستمر فيه حتى عام 1992 كنائب عن جبيل. قدّم اقتراحات عدة أصبحت قوانين من أهمها قانون السرية المصرفية والابنية الفخمة والحساب المصرفي المشترك وقانون من أين لك هذا؟.
شارك في عدة حكومات فضلا عن كونه نائبا، وكان من أشد منتقدي "الشهابية"، لأنه في المبدأ ضد دخول العسكر المعترك السياسي.
فضلا عن الاقتراحات المهمة التي اقترحها، كانت له ثلاث وقفات في السياسة، لو آزره السياسيون فيها لربما كان لبنان قد تلافى أتون الحروب المتواصلة التي اندلعت فيه وعليه منذ نهاية ستينيات القرن الماضي.
كان من الجرأة ان استقال من منصب وزير الاشغال العامة في حكومة الرئيس عبد الله اليافي في عهد الرئيس شارل حلو عقب الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت الدولي في كانون الأول (ديسمبر) 1968 وقد طالب بشرطة دولية لحماية لبنان، كونه بلدا ضعيفا ومن واجب الأمم المتحدة حماية الدول الضعيفة.
الموقف الثاني الذي ميّزه عن كل السياسيين اللبنانيين، رفْضه وحيدا الموافقة على اتفاقية القاهرة 1969 التي اعطت الحق للفلسطينيين بالقيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان، معللا ان موقفه انما هو دعم للقضية الفلسطينية وحفاظ على لبنان.
الموقف الثالث رفضه التدخل السوري في لبنان في العام 1976، الذي رأى فيه وصاية سورية على لبنان، مخالفا بذلك مواقف القيادات السياسية المسيحية، ووقف بكل قوة ضد الاجتياحات الاسرائيلية للبنان في 1978 و1982.
لكن تلك المواقف هي عينة، اذ انه لطالما ناضل في سبيل ترسيخ التعايش السلمي بين كافة الطوائف اللبنانية ورفض المشاركة في الحرب اللبنانية (1975 - 1990).
بعد تعرضه لمحاولات اغتيال عدة، وبضغط من اصدقاء عرب ودوليين، غادر لبنان عام 1977 إلى منفاه الاختياري في باريس حيث أكمل من هناك نضاله السياسي والدبلوماسي في سبيل استعادة سيادة واستقلال لبنان، وتوفي في باريس في 10 أيار 2000، قبل 15 يوما من الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار.
أحد المقربين من العميد وأمين سر مجلس حزب "الكتلة الوطنية" السابق وأمين سر تجمع "قرنة شهوان" سمير عبدالملك، يستذكر مع "المستقبل" مواقف العميد ريمون إده خلال الفصول التي قادت الى الحرب الاهلية في لبنان وخصوصا موقفه الرافض لاتفاق القاهرة، الاسباب والنتائج.
[العميد واتفاق القاهرة
"كان ريمون إده يعي المخاطر المحيطة بلبنان ويحذّر منها، وأبرزها الخطر الناجم من اتفاق القاهرة في العام 1969"، يقول عبدالملك، مضيفاً: "له خطاب مهم في مجلس النواب حول هذا الموضوع، كان بمثابة قراءة واستشراف للمستقبل، حيث كان يقدم دائما المصلحة العامة على مصلحته، بل كان يعتبر ان المصلحة العامة هي التي تؤمن المصلحة الخاصة، فإذا كان البلد بخير فالأشخاص يكونون بخير"، ويضيف "هذا الاتفاق اظهر انه ليس من رؤية لدى الزعماء الموارنة حول المستقبل، كانوا مثل محدثي النعمة، الصراع ايام الشهابية كان حول من سيكون رئيسا للجمهورية. كان لدى ريمون إده موقف يدعو الى ابعاد العسكر عن السياسة، أي أن العسكري يجب ألا ينتخب رئيسا للجمهورية. فؤاد شهاب في العام 1958 كان مرحلة استثنائية، ورغم حضور الاسطول السادس الى الشاطئ اللبناني بموافقة الدول العربية، والدعم الكبير لفؤاد شهاب، الا ان ريمون إده ترشح للانتخابات، وقال انه سيترشح ولو لم يَنَلْ سوى صوته، كي لا يقال ان رئيس الجمهورية جاء عبر التعيين، وخصوصا أن المرشح لرئاسة الجمهورية شخص عسكري".
يتابع عبدالملك: "في عهد شارل الحلو، كان قائد الجيش العماد اميل البستاني ورئيس الوزراء رشيد كرامي وكان وزير الخارجية يوسف سالم، لكن كرامي وسالم لم يذهبا للتفاوض حول اتفاق القاهرة بل ذهب العماد البستاني، الذي كانت لديه طموحات رئاسية. أيقن إده ان البستاني سيذهب ليقدم كل التنازلات المطلوبة في مقابل ان يأخذ غطاء عربيا ليصبح رئيسا للجمهورية، فالحسابات كانت قصيرة المدى وضيقة ومصالح صغيرة".
وفيما كان يراد أن يبقى اتفاق القاهرة سريا، فإن ريمون إده هزأ ممن كانوا يروجون لذلك. يقول عبدالملك: "عبّر ريمون إده عن ذلك عند المصادقة في مجلس النواب على اتفاق القاهرة، الذي حشد حزب الكتائب كل قانونييه من أجل إبقائه اتفاقا سريا، باعتباره معاهدة يوقع عليها رئيس الجمهورية، وقال ان الاتفاق لا يمكن ان يكون سريا، في اي وقت سوف يسحب ابو عمار ورقة من جيبه ويقول ان الاتفاق قد نشر وليس سريا، خصوصا ان مضمونه نشر في الصحف".
"في خطاب شهير له في المجلس يؤكد العميد انه مع حقوق الشعب الفلسطيني وانه مدافع عن الشعب الفلسطيني، لكنه يحذر"، كما يقول عبدالملك من أن "اتفاق القاهرة سيجلب لنا وللفلسطينيين والمنطقة كلها الويلات، وسنقدّم الذريعة لإسرائيل للقول بأننا تخلينا عن اتفاق الهدنة للعام 1948 واننا سندخل في حرب ضدها ونحن غير مجهزين وليس لدينا القدرة، وبالتالي في حفل المزايدات الداخلية هذه، وباستقواء من خلال الفلسطيني على ابن البلد، سوف ندمّر البلد وندمّر الفلسطيني، واستطرادا كل المنطقة".
ويعتبر عبدالملك ان "خطاب ريمون إده في مجلس النواب في العام 1969 كان خطابا استشرافيا، أنهاه بجملة مؤثرة جدا: "انتم الأكثرية، هنيئا لهذه الأكثرية لكن كونوا على علم انكم تقترفون اكبر جريمة بحق قضية فلسطين وبحق لبنان، والمنطقة (...) هذه الاتفاقية ستسبب لنا مشاكل داخية وخارجية، الاكثرية لا توافق على هذا الرأي، فليكن، انا لا اوافق وأصوّت ضد، لكني كرجل ديموقراطي لا استطيع الا ان اخضع لارادة الاكثرية فهنيئا لهذه الاكثرية".
أحداث ما بعد اتفاق القاهرة أظهرت بُعد نظر ريمون إده، فقد "استكمل في العام 1973 في عهد الرئيس سليمان فرنجية بتفاهمات ملكارت، بعدما كان جرب استخدام العنف"، على ما يقول عبدالملك "وكان رأي العميد ان المشاكل لا يمكن ان تحل بالقوة، والحل يمكن ان يكون بالحوار، وان تسمح للفلسطينيين بعيش حياة انسانية مقبولة، وليس ان يتركوا في الظروف الصعبة التي كانوا موجودين فيها بحيث لم يكن لديهم شيء يخسرونه". يضيف: "كان ريمون إده في كل تلك المرحلة يحاول ان يعيد الوضع الى اللعبة الديموقراطية، لكن للأسف بعد اتفاق ملكارت في العام 1973، قرر القادة المسيحيون ان يعتبروا ان هذه الدولة لم تعد تحمينا، الدولة التي هشموها بعد اتفاق القاهرة، فأطلقوا العنان للميليشيات وللتسلح بزعم حماية النفس. بدأت القصة باغتيال معروف سعد، الذي اتهم ريمون إده المكتب الثاني بالتورط فيه، ما زاد من حدة التسلح لدى الطرفين الفلسطيني وحلفائه من جهة والاحزاب المسيحية من جهة اخرى وتوترت الاجواء".
لكن رفض العميد لاتفاق القاهرة لم يكن عداوة للفلسطينيين، بل على العكس، كما يؤكد سمير عبد الملك، فإن علاقة وثيقة ربطته بالقيادة الفلسطينية: "لم أزرْ العميد إده مرة في منزله إلا ووجدت مسؤولا فلسطينيا يزوره، واذا كان القصف شديدا ولا يمكن التنقل من منطقة الى أخرى كنت انزل في بيت مسؤول فلسطيني. وصارت العلاقات لاحقا اكثر قربا بين الكتلة الوطنية والفلسطينيين، ولم يكن رفض إده اتفاق القاهرة ليؤثر على تلك العلاقات".
يروي عبدالملك حادثة ذات دلالة من تلك المرحلة: "عندما كنا نريد ان نذهب الى منازلنا في المنطقة الشرقية أو جبيل، كان يرافقنا موكب من منظمة التحرير حتى منطقة المتحف، ذات يوم أوقفنا حاجز فلسطيني قبل المتحف وكان في سيارتي حقيبة كبيرة، كنا نريد ان نمضي عطلة نهاية الاسبوع في منزلنا، فسأل المسلح على الحاجز عن سبب وجود تلك الحقيبة معي، فشرحت له السبب وقلت انني في كل مرة أحمل حقيبة صغيرة لأني أمضي نهاية الاسبوع فقط واعود، لكن هذه المرة سوف اقضي اياما اكثر وانا بحاجة الى ثياب اكثر، فتمنى عليّ ان اخفي الحقيبة كي لا يظن احد ان الفلسطينيين يهجّرون المسيحيين من منازلهم".
يؤكد عبدالملك ان ريمون إده كان من اشد المدافعين عن الفلسطينيين "لكنه كان ايضا من اشد المحذرين من المخططات التي تحاك ضد البلد، من قبل النظام الرسمي العربي الذي نشهد هذه الأيام انهياره، وبالطبع المخططات الاسرائيلية التي لا تزال مستمرة لضرب البلد ونموذجه وصيغته".
ويعتبر "إن الثورات العربية اليوم جاءت لتؤكد صحة وجهة النظر القائلة بأن السلطات العربية التي كانت موجودة كانت ترفع شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة فقط من اجل ان تستمر في الحكم، وللجم اي حراك داخلي ولمنع شعوبها من التطور".
ويشير الى ان "العميد كان من اصحاب نظرية قرأها في كتب موريس دي فيرجيه وثلة من المؤرخين، تقول انه لا يمكن وجود ديموقراطيات من دون تنمية انسانية وبشرية، أو من دون مستوى علمي لدى الناس كي يكون لديهم وعي، والا فسيكون لدينا مشكلة في الثقافة يعبر عنها لاحقا بالتخلف. فلا يمكن لنا ان نواجه اسرائيل بأنظمة قمعية".
[ فلسطينيون تابعون لحافظ الأسد
هذه الاجواء نفسها حضّرت لاحقا لدخول الجيش السوري في حزيران 1976 الى لبنان. في حينه جمع ريمون إده في منزله قيادات لبنانية من الطرفين، وتم اعلان "جبهة تحرير لبنان"، للوقوف بوجه الدخول السوري الى لبنان.
يقول سمير عبدالملك: "كان كل طرف يحضر عدة الشغل الخاصة به كي يكون لبنان الساحة البديلة له. ومن هنا نقمة ريمون إده على الزعماء الموارنة. عندما اجتمع معهم في بكركي، ومنهم بيار الجميل وكميل شمعون، سألهم عن هذا التسلح الذي يعمدون اليه، وعلى من يعتمدون، لكي يقولوا له انهم يعتمدون على اسرائيل، ويجيبهم بالتالي اننا كمسيحيين سوف نتحول الى اقلية مثل الهنود الحمر في اميركا، بقصد ان يظهر لهم خطورة خيار التسلح الذي كانوا قد اتخذوه".
هذا الخيار "سوف يدمر الموارنة ويدمر الصيغة اللبنانية" كما يقول سمير عبدالملك، "فقد كان العميد يعتبر ان دور المسيحي في المنطقة هو التواصل مع الآخرين وليس الانعزال والانكماش، وقال لهم انكم تذهبون عكس تاريخكم، ولحسن الحظ ان الكنيسة المارونية منذ حينه الى الآن تتبنى هذا الطرح وهو ما عبر عنه البابا يوحنا بولس في الارشاد الرسولي عندما اعتبر ان لبنان اكثر من وطن انه رسالة، اي رسالة حوار ورسالة حرية ورسالة تعايش".
على ان العامل السوري لم يظهر فقط بعد 1976، وإنما كان موجودا منذ البداية، وفي هذا السياق ينقل عبدالملك عن الصحافي الراحل ميشال أبو جودة، وهو كان صديق أبو عمار وقيادات "فتح" الناشئة في حينه، ويقول: "كان ابو جودة يخبرنا ان "فتح" كانت ترسل له البيانات في الليل لينشرها في جريدة النهار. في العام 1968، قبل الغارة التي شنتها اسرائيل على مطار بيروت ورد تقرير الى الرئيس شارل حلو يفيد ان مسلحين فلسطينيين يتجولون في منطقة العرقوب، وكان يعرف الرئيس حلو ان علاقة تربط بين ميشال ابو جودة وقيادة "فتح"، فقال الرئيس لأبو جودة: "شوف صحابك عم يخربولنا البلد شوف مين هيدول وشو عم يعملو بالمنطقة هونيك". يتابع "اتصل ابو جودة بأصدقائه، اي قيادة فتح، فأجابوه ان المجموعة تلك تابعة لوزير الدفاع السوري حافظ الأسد، وليس لنا علاقة بهم ولا سلطة لنا عليهم".
[التمسك بالهدنة لمنع الاعتداءات
يوضح عبدالملك: "اروي هذه الحادثة نقلا عن ابو جودة، لأقول اننا نتحدث عن مرحلة سابقة للعام 1969، فالاسرائيليون الذين كانوا يتابعون ما يجري على الحدود هم من سلبوا ارض فلسطين وبالتالي لا يمكنهم احتمال ان تقبل دولة مجاورة أو ان تستضيف وجودا مسلحا معاديا لها ما يهدد مستعمراتها في شمال اسرائيل. وعندما كان ريمون إده يقول اننا يجب ان نتمسك باتفاق الهدنة فلأنه يعرف مطامع اسرائيل في مسألتين: الصيغة اللبنانية في العيش المشترك وهي صيغة حضارية انسانية حيث تتعايش مجموعات بالتراضي في ما بينها، وهذا مناف لجوهر اسرائيل العنصري. والمسألة الثانية: اقتصادية حيث ان اسرائيل تعرف ان الاقتصاد الحر في لبنان هو المنافس لها وكانت تعرف ان مطار بيروت هو منافس لمطار بن غوريون وميناء بيروت هو منافس لميناء حيفا".
ويؤكد ان "الوجود الفلسطيني المسلح والعمل الفدائي من الحدود اللبنانية كان مضرا ايضا للصيغة اللبنانية هذه وللاقتصاد اللبناني. اليوم الثورات العربية جاءت لتؤكد صحة وجهة النظر القائلة بأن السلطات العربية التي كانت موجودة كانت ترفع شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة فقط من اجل ان تستمر في الحكم وللجم اي حراك داخلي ولمنع شعوبها من التطور". ويشدد على انه "لم يكن ممكنا مواجهة اسرائيل بالانظمة القمعية العربية التي لم يكن بإمكانها احتمال وجود دولة عربية ديموقراطية تنتخب كل 6 سنوات برلمانها ورئيسها وتنتخب البلديات والنقابات في الجامعات والنوادي الرياضية، بحيث تقاطعت مصالح كبيرة في المنطقة حول أن هذا النظام الديموقراطي خطر يجب التخلص منه".
[إلغاء اتفاق القاهرة.. عودة سوريا
المسألة الفلسطينية في لبنان لا تزال قائمة، ولم ينهها خروج قوات منظمة التحرير من لبنان، وكأن ثمة من لا يريد ان يعالج هذا الملف، على الرغم من تسليم الفلسطينيين سلاحهم الثقيل والمتوسط، بعد قرار حل الميليشيات الى الدولة اللبنانية وابدائهم الاستعداد للتخلي عن السلاح الخفيف ايضا، فكيف يمكن ان يجد الملف الفلسطيني حلا؟ هذا السؤال الذي لم يجد جوابا الى الآن رغم الغاء اتفاق القاهرة وتغير كل المعطيات.
يقول عبدالملك: "للأسف بعد 18 سنة، في العام 1987، صوّت مجلس النواب على الغاء اتفاق القاهرة. لم يطرح احد السؤال عن الصدفة التي جعلت الالغاء يتم بالتزامن مع عودة سوريا الى لبنان، وضمن دفتر شروط اساسه لجم المخيمات ونزع السلاح ودخول الضاحية الجنوبية حيث كان مخطوفون اجانب محتجزين هناك".
يعرف ريمون إده الاستراتيجية السورية وكيف تعمل، يقول عبدالملك: "اطلق إده على حافظ الاسد وصف الإطفائي الذي يشعل الحرائق، ليطفئها ويقبض ثمنها، وفي سياق سياسة ومخططات كيسنجر لتقاسم النفوذ بين اسرائيل وسوريا في لبنان ضمن دفتر شروط معين. لكن السوري ايضا كان يتقن لعبة تجميع الاوراق ومن خلالها يمكنه تعديل دفتر الشروط لمصلحته، ومن هذا المنطلق حاول ان يبيع الى المسيحيين الغاء اتفاق القاهرة، لكن كما وصف ريمون إده الموضوع في حينه انه جاء بعد خراب البصرة، فيما المقصود حقيقة هو وضع اليد السورية على الورقة الفلسطينية في لبنان، فمثلا السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في الناعمة وقوسايا وغيرها وهو سلاح سوري اساسا، تقررت إزالته في مؤتمرات الحوار، لكن سوريا منعت ذلك لأنه ورقة في يدها، وبالتالي اذا كان لا بد من تسليم هذه الورقة فإن سوريا التي تقبض الثمن وليس اللبنانيين".
[ثمن المواقف
دفع ريمون إده ثمنا كبيرا لمواقفه هذه. يقول عبدالملك: "لقد أصر على ان يبقى في منزله في بيروت الغربية خلال حرب السنتين، بعدما تقسمت بيروت الى شرقية وغربية، رغم محاولات الاغتيال التي تعرض لها في المنطقتين. لأنه كان شاهداعلى جريمة تحصل وبالتالي يجب ازالة هذا الشاهد".
ويوضح ان العميد "لم يخرج من لبنان الا بعدما دعاه الرئيس المصري الراحل انور السادات لزيارة القاهرة، كما تبلّغ من كمال جنبلاط معلومات حول لائحة اغتيالات على رأسها العميد، فرد ريمون إده أن لديه لائحة ايضا لكن على رأسها كمال جنبلاط. بذلك تقاطعت معلوماتهما حول الاغتيالات الامر الذي اكد جديتها. وعندما انتهت زيارة إده لمصر سأله الرئيس السادات الان الى اين تريد ان تتوجه، فأجابه الى لبنان بالطبع، فقال السادات كيف تريد ان تعود الى لبنان وقد تعرضت لمحاولتي اغتيال، فأكد انه يريد ان يعود مضيفا ما مفاده انه لا يخشى الموت.. قال السادات لريمون إده، وكان يريده ان لا يعود الى لبنان، ان لديه طلبا منه أن يذهب الى فرنسا في مهمة بين القاهرة وباريس، ومن ثم يعود من هناك الى لبنان. وكان السادات اتفق مع الفرنسيين على أن يقنعوا العميد بعدم العودة الى لبنان".
يتابع عبدالملك: "طلب العميد من كمال جنبلاط ان يلاقيه في باريس، وان يشكلا معا حكومة في المنفى، بالمشاركة مع صائب سلام الذي كان متواجدا في حينه في سويسرا، أجاب جنبلاط "أنا لا أترك لبنان، وأريد أن أموت في لبنان". وهذا ما حدث.


الجمعة، 13 أبريل 2012

الفلسطينيون يراجعون تجربتهم في لبنان (2)

المستقبل - السبت 14 نيسان 2012 - العدد 4313 - ملف - صفحة ५
عندما قررت سوريا الإمساك بالورقتين اللبنانية والفلسطينية

أنيس محسن

لم يوقّع لبنان الرسمي، ولم يوافق مسيحيو لبنان على اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969 عن قناعة، بل رضوخا للضغوط الإقليمية، المصرية في حينه، أو لشراء الوقت كما هو حال حزب "الكتائب".
ربما لم يكن سبب الخوف المسيحي في حينه العامل الفلسطيني الذي كان متمثّلا ببضع مئات من الفدائيين في أقاصي جنوب لبنان، بل الإلتفاف اليساري والإسلامي حول المقاومة الفلسطينية في شبه انتفاضة عمّت مختلف أرجاء لبنان والإنقسام الحاد في المجتمعين السياسي والمدني اللبناني جراء الإصطفاف هذا، فضلا عن الخوف من أن يصبح الفدائي جيش الطرف الآخر، فتسقط الصيغة التي بني لبنان ما بعد الإستقلال عليها، والتي اعطت الموارنة سلطة اوسع من باقي الطوائف اللبنانية، بتوافق بين كل الطوائف.
امتزج الخوف بانعدام ثقة تصاعدت مسيحيا بسبب عدم التزام المقاومة الفلسطينية باتفاق القاهرة وعدم قدرة الجيش اللبناني على الحسم، بسبب موقف المسلمين الرافض لضرب المقاومة.
حالة الخوف والقلق لدى القيادة المسيحية انعكست على المجتمع اللبناني، الذي باشر بعملية تسلّح، يقول القيادي الكتائبي جوزيف أبو خليل، الذي كان شاهدا على تلك الفترة من تاريخ لبنان، انه كان تسلحا فرديا وان كان واسعا، وان المجتمع المسيحي التف بمعظمه في حينه حول حزب "الكتائب" بسبب موقفه الرافض للانتشار الفلسطيني المسلح، فكان الإنفجار الذي اطلقته حادثة "بوسطة" عين الرمانة والذي لم يبرأ منه لبنان بعد.
لكن السؤال: بعد أن أزيح الفلسطيني عن التأثير المباشر على الوضع في لبنان، لم لم تتوقف الحرب؟ ثم هل التسلح المسيحي تمكن اصلا من وقف التمدد الفلسطيني؟ وكيف يقرأ المسيحيون التجربة الفلسطينية في لبنان بعد 37 سنة على الحرب الداخلية؟
عن تلك الفترة، يتحدث القيادي الكتائبي جوزف أبو خليل في هذه الحلقة.

جوزيف أبو خليل: الثورة والدولة لا تلتقيان

بمنهجية وهدوء وروية، وبنظرة متقصّية ونقدية من الحاضر الى الماضي، يستذكر رجل الحوار في حزب "الكتائب" جوزيف أبو خليل، التجربة الفلسطينية في مختلف مراحلها. صوته هادئ لكنه عميق عمق تجربته الكبيرة والغنية، منطقه المقنع صقلته التجربة.
يرفض جوزيف أبو خليل اتهام الكتائب بالتسبب بالحرب الداخلية في لبنان، ويخفف التهم حتى عن منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية، ليس بقصد مسك العصا من منتصفها، انما بعمق المجرب والمحلل الموضوعي: فـ"الثورة والدولة لا تلتقيان".. الثورة تعني الحرية المطلقة وعدم الأسر في حلقة الاتفاقات والتفاهمات والحيز المكاني، والدولة سلطة وقانون اذا ضعفا ضاعت الدولة وخسرت سيادتها فسادت الفوضى، وهذا ما حدث في لبنان.
كما يرفض، كشاهد عيان على الحدث، وقوف حزب "الكتائب" وراء حادثة "بوسطة عين الرمانة" ويؤكد ان اتهام عناصر من الحزب بتنفيذها بتخطيط مسبق او صدفة عار من الصحة، ويشير إلى أن التوقيع على اتفاق القاهرة في العام 1969 أشرك منظمة التحرير في السيادة التي هي حكر على الدولة، فضعفت السلطة وكثرت الحوادث المسلحة واندفع الناس الخائفون نحو تسلح فردي.. هؤلاء لم يكونوا كتائبيين انما مواطنين لبنانيين، مسيحيين، خائفين على انفسهم وبلدهم في غابة من السلاح ومواكب مسلحة فلسطينية كانت تعبر مناطقهم بخلاف كل الاتفاقات والتفاهمات التي وقعت وخصوصا اتفاق القاهرة.. حادثة "بوسطة عين الرمانة" وقعت في ظل هذه الأجواء وأثبتت التحقيقات أن اي كتائبي لم يتورط فيها. اما سبب التعاطف الشعبي مع حزب "الكتائب" فكان محاولات عزل "الكتائب" وتصفيتها في المناطق المسيحية بعدما صفيت في المناطق التي سيطر عليها تحالف الفسطينيين مع الاحزاب اليسارية والإسلامية اللبنانية.
يؤكد بثبات وبإصرار ان الكتائب سعت منذ اللحظة الأولى لعدم تفجر الأوضاع، وحاورت الطرف الفلسطيني بانفتاح، لكن بثبات: انفتاح على الحلول وثبات في تأييد القضية الفلسطينية بلا حدود لكن مع التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية بلا حدود ايضا لأن لبنان النموذج الديموقراطي هو الذي يجب ان يطبق لحل المسألة الفلسطينية. يستذكر هنا رسالة مؤسس الحزب الشيخ بيار الجميل لوزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، خلال زيارته لبنان في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1973 في اطار جولة في المنطقة، التي اكد فيها حق الفلسطينيين في ارضهم وان إسرائيل جسم غريب في المنطقة وان منطقها التوسعي والإلغائي سيبقي الانفجار دائما، وان الحل بدولة ديموقراطية تعددية على النمط اللبناني تجمع المسلم والمسيحي واليهودي معا. والرسالة واردة في كتاب جوزيف ابو خليل "قصة الموارنة في الحرب".
لكن أولا وأخيرا، العامل الذاتي هو خير مساعد للتدخل الخارجي: اللبنانيون كانوا منقسمين نصفين والسلطة السياسية منقسمة بدورها.. اخطأ الفلسطينيون صحيح واعترفوا واعتذروا خلال الاجتماع في بيت الكتائب المركزي في العام 2008 عبر وثيقة إعلان فلسطين في بيروت، لكن اللبنانيين اخطأوا ايضا بانقسامهم، و"الكتائب ربما اخطأت ايضا بحق الفلسطينيين". لكن لبنان "الساحة المنقسمة" والدولة المتخلية عن جزء من سيادتها، وتخلي العرب عن الحرب مع إسرائيل التي خسروها دوما، وحيلولتهم دون تمكين الفلسطينيين من العمل المسلح عبر اراضيهم، دفعهم الى البحث عن مكان لإطلاق العمل المسلح منه وكان لبنان المكان المناسب، فخيضت فيه الحروب كلها نيابة عن كل العرب.
أما سوريا التي تقلبت بين تأييد وإسناد للفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية وبين تأييد وإسناد المسيحيين ممثلين بـ"الجبهة اللبنانية" واحزابها وعلى رأسها "الكتائب" فكانت تركز سيطرتها شيئا فشيئا على لبنان بقرار دولي وعربي وموافقة إسرائيلية عبر ما يعرف بـ"الخطوط الحمر" التي وضعتها شرطا لدخول السوريين، وباتت دمشق في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف تحكم لبنان عمليا: امنيا وسياسيا.
لكن جوزيف أبو خليل يقف من دون إجابة وافية عن السؤال حول الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للاجئين الفسطينيين في لبنان، خصوصا حقّي العمل والتملك، حيث يمكنهم نظريا العمل جزئيا، وهم محرومون قانونيا وواقعا من تملك شقة للعيش رغم صعوبة الظروف الانسانية، بل استحالتها في المخيمات، وما لم يطوَ هذا الملف فإن امكانية استغلاله للتسبب باهتزازات امنية او اجتماعية تبقى قائمة.
[اتفاق الإكراه
عندما وقّع اتفاق القاهرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1969، كان لافتا أن قائد الجيش في حينه العماد إميل البستاني من وقع عليه وليس مسؤولا سياسيا، الأمر الذي يعني أن كل العلاجات التي كانت تقدم لم تكن سوى من الجعبة الأمنية وليس عبر مسعى لحل سياسي، وهذا مأخذ يمكن ان يسأل عنه الطرفان اللبناني والفلسطيني الرسمي والحزبي اللذان وافقا قناعة او اكراها على الإتفاق، لكن لجوزيف أبو خليل رأيا يختلف قليلا عن هذا التحليل: "اتفاق كهذا كان صعبا ان يوقع عليه مسؤولون سياسيون، علما انه معاهدة اكثر مما هو اتفاقية، لأنه لم تجر أي مفاوضات للتوصل اليه، ومن الطرفين على حد سواء، وفي المحصلة كان اتفاقا امنيا اكثر مما هو سياسي، وعندما تشكل الوفد اللبناني للذهاب الى القاهرة، تلبية لدعوة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي دخل وسيطا في هذه العملية، رفض رئيس الحكومة رشيد كرامي ترؤس الوفد وأصبح الوفد مشكلا من قائد الجيش اميل البستاني والمدير العام لوزارة الخارجية نجيب صدقة".
ويؤكد أن "اتفاق القاهرة لم تستطع ان تتحمله أي مؤسسة دستورية لبنانية، لأن الدولة تتنازل فيه عن جزء من سيادتها وسلطة القرار السياسي لمصلحة منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى حد معرفتي كان توقيع اتفاق القاهرة آخر ورقة يلعبها اللبنانيون لمنع الحرب الأهلية".
ويستشهد بالوزير السابق فؤاد بطرس في كتاب مذكراته الذي صدر أخيرا، أنه عندما استدعاه الرئيس شارل الحلو لسماع رأيه حول الاتفاق، قال له بعدما قرأه انه بالاتفاق هذا يؤجّل الحرب 5 سنوات، وهذا ما حصل. يقول: "بالنسبة لنا في الكتائب، كنا نعرف ذلك، وكنا نعمل المستحيل للحيلولة دون انفجار الحرب، لأن البلد كان منذ ستة أشهر يعيش أزمة سياسية حيث كان رئيس الحكومة معتكفا كل هذه المدة، والاحوال الامنية من سيئ الى أسوأ والاشتباكات بين الجيش والفدائيين الفلسطينيين تتوالى، وتظاهرات تعم صيدا وطرابلس وبيروت دعما للفلسطينيين وتظاهرات في العواصم العربية كلها. ضغط كبير على الحكومة اللبنانية لإطلاق يد العمل الفدائي المسلح. لو لم يوقع اتفاق الطائف لكان انقسم البلد وهو كان عمليا منقسما. اجتمع القادة المسلمون في دار الفتوى وبرئاسة المفتي وصدر بيان عنهم يخير بين اطلاق العمل الفدائي الفلسطيني أو منع تشكيل حكومة. بالتالي كان البلد امام أمرين: التوجه الى حرب تنبئ بها الاحداث الأمنية، او تمرير الاتفاق بالتي هي احسن".
يتحدى المفكّر الكتائبي المخضرم ان يكون اي بلد مستعدا لتوقيع اتفاق مثل اتفاق القاهرة، ويؤكد: "ما من بلد عربي مما يسمى دول الطوق عقد اتفاقا كهذا. في الأردن شنت الدولة حربا على الفصائل المسلحة الفلسطينية وحدث ما يعرف بأيلول الأسود وسوريا من البداية لم تسمح بوجود مسلح كما هو الحال في لبنان، وخصوصا على خط اتفاق الهدنة. فقط لبنان البلد المفتوح والمشرعة أبوابه او الأضعف او لأن ابناءه اختلفوا امام وهج القضية الفلسطينية، فبعد فشل الجيوش العربية الكلاسيكية في استعادة الحقوق الفلسطينية كان العمل الفدائي المسلح يبدو البديل وهو الأمل. وفي الحقيقة نفذت عمليات فدائية ناجحة، في المطارات وفي داخل إسرائيل وعلى الحدود، وكل تلك العمليات كان يزعم انها تنطلق من لبنان وبالتالي رد الفعل الإسرائيلي كان يصيب لبنان".
[حقان لا يلتقيان
وكأن اتفاق القاهرة ولد كي يخرق، فالاتفاق "نص على كل المكاسب التي حققها الفلسطينيون، لكن ما من ثورة تخضع لاتفاقات ولحدود، وكلما كسبت تريد ان تكسب اكثر. ولكن التنازل عن القرار السيادي.. قرار الحرب والسلم، عبر السماح للمقاومة الفلسطينية بالقيام بعمليات مسلحة من لبنان، وخصوصا بعد اخراج منظمة التحرير من الأردن اصبح لبنان وعاصمته بيروت مركز العمل الفلسطيني. اصبح لبنان هو فلسطين. فقد تمركزت قيادة ومؤسسات منظمة التحرير السياسية والامنية والثقافية في بيروت، وبالتالي كان الرد الإسرائيلي على الاراضي اللبنانية. اتفاق القاهرة جرى خرقه بصورة سريعة، بل من اليوم الثاني لتوقيعه. اتفاق "ملكارت" كان محاولة جديدة وافق على بنوده الوفد الفلسطيني، وتفاوض عليه اثنان من قيادة الجيش اللبناني واثنان من منظمة التحرير، وقد نص على وقف العمليات المسلحة عبر الحدود لكن منظمة التحرير لم توقع عليه، وبقي معلقا".
كما يتذكّر عددا كبيرا من الاجتماعات واللقاءات مع منظمة التحرير الفلسطينية لمحاولة التوصل الى اتفاق لمنع الانفجار: "لكن يجب ان نقر ونعترف بأن اي تسوية وفق الوضع الذي كان قائما لم تكن ممكنة لأن منطقي الدولة والثورة لا يلتقيان، وقد حاولنا بكل ما استطعنا في الكتائب ان نتوصل الى تسوية، وانا كنت في احدى اللجان التي تشكلت للحوار بين الكتائب ومنظمة التحرير، واصبحت تربطني علاقة صداقة مع قياديين فلسطينيين خصوصا مع ابو حسن (علي) سلامة. كنت اكتب المقالة الرئيسية في جريدة "العمل" على اساس موقف الكتائب الرسمي، والكتائب لم تكن موافقة على العمل الفلسطيني المسلح في الأراضي اللبنانية، لكن بسبب المودة الكبيرة بيني وبين ابو حسن سلامة، طلبت من الشيخ بيار (الجميل) ان انسحب من لجنة الحوار مع الجانب الفلسطيني، لأنه بعد ان اكتب، سوف يتصل بي أبو حسن ويعتب عليّ".
يشدد أبو خليل على ان "موقفنا (في الكتائب) من القضية الفلسطينية اساسا كان موقفا ايجابيا، لكن مع ذلك كيف يمكن ان نسلّمهم البلد. المرحوم الشيخ موريس الجميل كان لديه توصيف يقول إن الحق الفلسطيني والحق اللبناني وضعا في وجه بعضهما البعض، فكيف يمكن ان تنسج تسوية في ظل هذا الوضع؟ الحق الفلسطيني بالعمل المسلح على حدودنا مع إسرائيل فيما كل الدول العربية منعت ذلك وتوقفت عن العمل المسلح عبر حدودها لأنها لا تريد ان تدخل حربا مع إسرائيل الا بقرارها هي، لكن قرار الحرب لم يكن بيد لبنان كان بيد ليس منظمة التحرير، بل بيد كل من الفصائل الفلسطينية. منظمة التحرير لم تكن برأي واحد، كان فيها من اقصى اليسار الى اقصى اليمين. الكتائب كانت تتحاور مع "فتح" الأقرب فكريا لها، لكن التيار الآخر لم يكن يريد ان يتحاور معنا. كان اي اتفاق لوقف النار يخرقه الفلسطينيون. وثيقة اعلان فلسطين في بيروت اعترفت بأن الفلسطينيين حمّلوا لبنان أكثر مما يحتمل، واعتذروا عن الأخطاء، ويمكن ان نكون نحن حمّلناهم فوق طاقتهم".
يتابع: "كانت التسوية مستحيلة، توصلنا الى اتفاقات كثيرة لوقف النار. توصلنا الى تسوية في اتفاق القاهرة، لكن منظمة التحرير لم تتمكن من الالتزام به. عملنا المستحيل لكن اتفاق القاهرة لم يكن ممكنا بالنسبة للفصائل الفلسطينية ان تلتزم به، فمنطق الثورة لا يلتزم بالاتفاقات".
["حرام" اتهام الكتائب
شرارة الحرب انطلقت من عين الرمانة، الاعتداء على الحافلة التي كانت تقل فلسطينيين اشعلت تلك الحرب، حُمّل حزب "الكتائب" المسؤولية، لكن جوزيف أبو خليل الشاهد على تلك المرحلة يقول: "تحميل الكتائب مسؤولية حادثة عين الرمانة كان تجنيا، حراما، لم يكن لنا اي علاقة به، لم يكن هناك كتائبيون بين من اطلقوا النار اساسا، شقيقي كان موجودا في المنطقة ويؤكد ذلك. عملية عين الرمانة كانت بمثابة ضغط على البلد، علينا وعلى الفلسطينيين، الأجواء كانت محمومة، والمخاوف متبادلة، تصور ان يسيّر "حزب الله" مواكب مسلحة في هذه الأيام في الأشرفية مثلا او جونية. كانت المواكب الفلسطينية المسلحة تجتاز المناطق المسيحية وسط جو مشحون، وأوضاع امنية غير مضبوطة، بل متدهورة، واتهامات للجيش تزيد الضغط عليه. في صيدا قتل معروف سعد وتم تحميل الجيش اللبناني المسؤولية، ولا توجد قوى أمنية. وسط هذه الأجواء وبسبب الخوف القائم لجأ الناس الى امتلاك السلاح للدفاع عن انفسهم. هناك من اتهم حزب الكتائب انه كان مسلحا وانه يسلح الناس، اؤكد ان الحزب لم يكن مسلحا ولم يكن يتسلح، الناس بعد اتفاق القاهرة باشروا في شراء السلاح.. حادثة عين الرمانة تأتي ضمن هذا السياق. المواكب كانت تذهب وتجيء بين تل الزعتر وصبرا، ومن قلب عين الرمانة. خاف الناس.. لا علاقة لحزب الكتائب، لكن خلقت اجواء في ذلك الوقت بأن كل الناس في المناطق الشرقية هم كتائبيون، لأن الناس التفوا حول موقف حزب الكتائب فهل حزب الكتائب مسؤول عن تأييد الناس له؟".
مع كل ذلك، يقول ابو خليل "وبهدف عدم التصعيد وحل المشكلة، طالب رئيس الحكومة رشيد الصلح الكتائب بتسليم شخصين كتائبيين، كي نقول انه تم توقيف احد ما بسبب هذا الحادث. طلبنا اسماء الذين كانوا موجودين حتى نسلمهم، سلمونا اسمين لم يكن اي منهما موجودا في المنطقة خلال الحادث، سلمناهما كتسوية، استلمهما مدير الأمن العام من الشيخ بيار (الجميل) في بيت الكتائب (في الصيفي)، وتكفّل ان يحافظ على حياتهما". يضيف: "اذا اردت ان تسألني رأيي عن سبب حدوث ذلك، فأقول لأن الكتائب كانت القوة الوحيدة الممانعة الباقية، التي تعترض على العمل الفلسطيني المسلح. بيار الجميل الوحيد الذي بقي يقول اننا في ظل هذا الوضع (السلاح الفلسطيني) نحن ذاهبون الى الهلاك.. بقي له ان يقول هذا الموقف المعارض فقط. وكان يفاوض الفلسطينيين للتوصل الى حل بالتي هي احسن. في ذلك الوقت شنت حملة تحريض واسعة على حزب الكتائب، واستهدفت حادثة بوسطة عين الرمانة فيما استهدفت ضرب حزب الكتائب، وصدر بيان رسمي مشترك من الحركة الوطنية والفلسطينيين والاحزاب التقدمية يدعو الى عزل حزب الكتائب واخراجه من الحكومة، وكان ممثلا بوزيرين، وتطهير المناطق الشرقية من وجوده".
[لبنان: العرب وسوريا
القراءة الهادئة للاحداث بعد زمن على حدوثها تقود الى استنتاجات منطقية، خصوصا اذا كان المعني يتسم بالموضوعية، وهي صفة اكيدة لجوزيف ابو خليل الذي يقول: "عندما نعمد الى قراءة ما مضى، نرى اشياء لم نكن لنشاهدها في حينه. الحروب العربية ـ الإسرائيلية توقفت، آخر الحروب كانت في 1973، الحروب التي شنت كانت تنتهي بهزائم، لكن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بقي قائما. العمل المسلح الفلسطيني منع في سوريا، وفي الاردن كذلك، وبالطبع كان ذلك ممنوعا في مصر، فأين سيتفجر هذا الصراع؟ في الساحة المفتوحة بالتأكيد التي هي لبنان، خصوصا ان كل مؤسسات منظمة التحرير انتقلت الى لبنان. انا لا احبذ كلمة مؤامرة، عندما نقول مؤامرة كأننا نريد ان نتهرب من مسؤولياتنا. هناك مصالح ومعطيات موضوعية: الحرب بين إسرائيل والعرب كانت تنتهي بهزائم.. فلنوقفها، هذه ليست مؤامرة، لكن القضية الفلسطينية بقيت معلقة ومن دون حل. هناك شعب يتحرك ومن حقه ان يتحرك، وما زال الى الآن يتحرك وسوف يبقى يتحرك الى ان يسترد حقوقه. الشعب الفلسطيني اعتمد على الجيوش العربية لاسترجاع حقوقه لكن الدول العربية لم تتمكن من ذلك. لم يعد امامه الا ان يحمل هو السلاح، وينظم حرب عصابات ضد إسرائيل، المحمية من أميركا ومن الغرب".
يتابع ابو خليل قائلا: "عندما نعيد قراءة الوقائع بعد حين، تتبين لنا الحقائق اكثر. سوريا كانت تريد دورا اقليميا، وحتى اليوم تريد ذلك، يعني الامساك بالورقة الفلسطينية وبالورقة اللبنانية. دخلت سوريا إلى لبنان لهذا السبب، دخلت اولا حليفة لمنظمة التحرير، عبر تمرير السلاح والعناصر الذين قدموا من الاردن وسوريا عبر الاراضي السورية. والضغط الاكبر على لبنان للسماح بالعمل الفلسطيني المسلح كان يأتي من سوريا. قال الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في خطابه في تموز (يوليو) 1976 صراحة ويعترف انه لم ينتظر احدا ولم يستأذن احدا ليدخل الى لبنان. دخلوا اولا بلباس منظمة الصاعقة، ثم دخل الجيش السوري علنا الى لبنان عندما تأمن توافق دولي على دخوله، دائما كان السوريون يبحثون عن ذريعة للدخول. الذريعة كانت ان هناك حربا اهلية في لبنان وان هذه الحرب سوف تؤدي الى قيام إسرائيل اخرى، وبعد ان دخلوا عملوا على الإمساك بالبلد. تحول وجودهم بعد انشاء قوات الردع العربية الى وجود كبير، فأصبح جيشهم هو قوات الردع العربية، وحدثت اشتباكات بيننا وبين القوات السورية، كانوا ينصبون حواجز في المناطق الشرقية، وادى ذلك الى حدوث اشتباكات في الاشرفية ومناطق اخرى".
يعتبر أن "سوريا مركز ثقل في المنطقة وتطمح، وربما من حقها ان تطمح، الى دور اقليمي. وكل من يريد ان يلعب دورا اقليميا يأتي الى لبنان. نشأت في لبنان مربعات امنية متعددة الأطراف، وما زالت قائمة الى اليوم. مررنا في اوقات كانت هناك مربعات امنية تخص العراق وليبيا وسوريا وطبعا الفلسطينيين. اصبح لبنان ساحة والكل يريد ان "يبلَ" يده. سوريا من اللاعبين الاساسيين في لبنان، فعندما اراد ابو عمار الاستقلال في قراره اصطدم بسوريا، فتخلوا عنه وحاربوه، وأقصوه عن الساحة اللبنانية".
يؤكد ابو خليل ان "لبنان بات بيد سوريا، حتى في 1996 فاوضت سوريا على وقف اطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في ما يعرف بـ"تفاهم نيسان". اعطيت سوريا وكالة كاملة في لبنان، بتكليف من الاميركيين والمجتمع الدولي، وبتوافق ضمني مع إسرائيل، كيف دخل الجيش السوري الى لبنان، وما هي الخطوط الحمر التي وضعت لدخوله؟ قاد المفاوضات (وزير الخارجية الأميركي السابق هنري) كيسنجر، هذا امر معروف. الخطوط الحمر تعني ان لا يتعدى عديد القوات السورية 30 الف جندي وأن نوعا من السلاح يجب ان لا يدخل مع تلك القوات وان لا تصل الى المنطقة الحدودية في الجنوب، وان سماء لبنان وبحره تحت سيطرة إسرائيل. هذه هي الخطوط الحمر التي وضعتها إسرائيل ولم تتجاوزها سوريا ابدا".
[تقلص التأثير.. وبقاء المشكلة
بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 لم يعد هناك وجود عسكري فلسطيني رسمي فعلي، ثم بعد الشروع بتطبيق اتفاق الطائف وحل الميليشيات سلّم الفلسطينيون سلاحهم الثقيل، وأبقي لهم السلاح الخفيف رغم انهم ابدوا استعدادا للتخلي عنه، ولم يدخلوا بعد ذلك طرفا في اي نزاع لبناني داخلي، لكن يقولون ان ذلك لم يسهم في اعطائهم الحقوق المدنية، وهي واجب على الدولة اللبنانية اكثر مما هي حق لهم، وان الحق الوحيد الذي يؤكدون عليه هو حق العودة وانهم يرفضون تماما كما اللبنانيين التوطين. الا يستوجب ذلك، وقفة أمام حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان، حقه بالعمل وامتلاك شقة للسكن؟
يجيب أبو خليل: "أولا تاريخيا يجب ان يعترف لنا، نحن المسيحيين عموما والكتائبيين على وجه الخصوص، انه عند النكبة في العام 1948 استقبلنا الفلسطينيين في بيوتنا وفي الأديرة وأصدر البطريرك الماروني (انطون عريضة) تعميما عُمّم في كل الكنائس، بضرورة استقبال اللاجئين الفلسطينيين. هذا موقفنا العاطفي والسياسي".
ويضيف: "دعيت مرة الى ندوة في مركز عصام فارس حول حقوق الفلسطينيين، وكنت من المشاركين الذين قدموا ورقة عمل، بدأتها بـ"حق العودة نعم، لكن إلى أين ومتى؟".. قناعتنا، بل قناعتي انا خصوصا، ان إسرائيل لن تقبل اي دولة فلسطينية الى جانبها. الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي صراع اجيال، وهو صراع حضاري وعلى مدى طويل، لقد دعونا منذ البداية الى دولة ديموقراطية على كل ارض فلسطين، وهذا كان موقف منظمة التحرير الفلسطينية قبل ان تتراجع عنه لاحقا، لا ارى حلا".
يرى ابو خليل ان "هناك حقوقا تعطى للفلسطينيين في لبنان، حق العمل، اعطي الفلسطينيون شيئا منه، ثم لبنان مركز اعلامي لهم، لديهم اوراق ثبوتية. ماذا يمكن ان يعطي لبنان اكثر من ذلك؟ ثمة توطين حاصل على ارض الواقع".
يسأل أبو خليل: "الصراع دائر منذ 64 سنة ويمكن ان يستمر 64 سنة اخرى, ماذا نستطيع ان نقدم"؟ ويجيب عن سؤاله قائلا: "اولا يجب ان نحفظ وجودنا كلبنانيين، شعبا ودولة"، ويستطرد: "عندما قال وزير الاعلام الأردني (قبل 1982) ان لبنان اصبح فلسطين، لم تحل القضية الفلسطينية، لبنان ذهب ولم تعد فلسطين. إذاً حق العودة الى اين، الى حيفا؟ الى الضفة الغربية؟ لا توجد عودة. الاستيطان لا يتوقف ولو للحظة والمفاوضات مستمرة، على اي شيء تتم المفاوضات؟ المنطق الإسرائيلي غير معقول. بصرف النظر عن الحق والباطل، إسرائيل كيان محكوم بالخوف على الوجود، هذا هو تحليلنا. دولة يحيطها الحقد والكراهية ومحاولة ازالتها من الوجود حكما، فهي جسم غريب في المنطقة، واستراتيجية إسرائيل تقوم على التوسع، لا تدافع عن أمنها على أراضيها (الأراضي المحتلة منذ العام 1948)، انما خارج تلك الاراضي، بذريعة حماية نفسها خرجت الى الاراضي المنصوص عليها في القرار 242، وبذريعة حماية مستوطناتها التي اقامتها في الضفة تتقدم في داخل الضفة، احتلال الجولان هو ضمن هذه الاستراتيجية. هذه هي طبيعة إسرائيل".
يقول "ظهر اعتراضنا على العمل الفلسطيني المسلح من لبنان على انه اعتراض على القضية الفلسطينية، هذا ليس صحيحا. الآن السلاح الفلسطيني في المخيمات ما هي فائدته؟ يتقاتل من يحمله فيما بينهم، هذا سلاح ليس لمحاربة إسرائيل".
لكن الفلسطينيين ابدوا استعدادا بعد الشروع بتنفيذ اتفاق الطائف حتى لتسليم السلاح الخفيف داخل المخيمات، وهو ما كان اكده صلاح صلاح لـ"المستقبل" وهو الشاهد الصنو لجوزيف ابو خليل، و"صديقي صلاح صلاح" كما يقول القيادي الكتائبي العتيق. ويؤكد: "هذا لأن السوريين هم من كانوا يريدون ان يبقى السلاح الفلسطيني. السوريون هم من اوكلوا بتنفيذ اتفاق الطائف فأخذوه الى حيث يريدون، ومن جملة المسائل التي تركوها السلاح، وبرعايتهم تكوّن سلاح حزب الله، كي تبقى المسائل غير محلولة. تم التوافق في مؤتمر الحوار الوطني على نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، لكن التنفيذ منع. اعود الى السؤال: حق العودة الى أين ومتى؟ الا يحق لي ان اتساءل؟ لا يوجد جواب".
والحل؟ يبقى سؤالا من دون اجابة واضحة، لكن مع التأكيد على مبادئ وثوابت. يقول أبو خليل: "انا اتفهم موقف منظمة التحرير، واتفهم ان الصراع صراع اجيال.. انا أجلّ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي يناضل منذ اجيال رغم كل الصعوبات، وهو متمسك بحقه. وجهة نظر بيار الجميل تاريخيا، دولة ديموقراطية في فلسطين على غرار الدولة الديموقراطية في لبنان، فيها من كل الاقليات الدينية والثقافية. الحل ذاته يجب ان يقوم على ارض فلسطين".
يتساءل مستنكرا ومتعاطفا: "ما هذه الحياة في المخيمات، التي اقيمت ليس لتبقى، انما مؤقتا؟ واستمرت، مقفل عليها ومقفلة على نفسها، خوفا من الاندماج، ورغم ذلك صامدون. كنا نحاول ان نؤكد خلال حواراتنا مع ابو عمار ان لبنان يجب ان يحافظ عليه كنموذج تكون عليه فلسطين كما تطالب منظمة التحرير، لكن بدل ذلك يجري تعريضه للزوال. لا يمكن ان تكون هناك دولة بجيشين وسلطتين حيث سيصطدمان ببعضهما البعض، وهذا ما حصل".
يدعو ابو خليل الى "ان نتعلم من التجربة كلبنانيين وكفلسطينيين، لقد اجتمعنا في بيت الكتائب في 2008 عندما اعلنت وثيقة فلسطين في لبنان، كان هناك اعتراف متبادل في الذنب. كان كل المسلمين مع البندقية الفلسطينية حتى ولو تعرضت الدولة للمخاطر، الآن الرئيس سعد الحريري يؤكد على "لبنان اولا": هذا اعتراف بالخطأ، نحن التزامنا بدعم القضية الفلسطينية وحماية الفلسطينيين ايضا عودة عن الخطأ، نحن ايضا اخطأنا في الحرب، الحرب بحد ذاتها وبغض النظر عن نتائجها خطأ فادح، ماذا تقدم الحروب، وخصوصا الحروب الأهلية؟ هي اخطر من الحروب الخارجية بما فيها من وحشية وبربرية، لا بطولات في الحروب الداخلية، ولا مكاسب، وليس فيها منتصرون".

الخميس، 12 أبريل 2012

الفلسطينيون يراجعون تجربتهم في لبنان (1)

المستقبل الجمعة 13 نيسان 2012 - العدد 4312 - ملف - صفحة 5

الوهم الذي دمّر لبنان ولم يبنٍ فلسطين

أنيس محسن

كثيرة هي علامات الإستفهام التي يمكن ان تطرح حول وعي الفلسطينيين لما كان يحدث في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما تسبب وجودهم المسلح في مفاقمة الإنقسام السياسي اللبناني وقاده نحو تصدعات أمنية بدأت في العام 1968 في اقاصي جنوب لبنان ووصلت الى بيروت قبل ان تنفجر حربا أهلية في 1975.
ما خسره اللبنانيون شكل خسارة لفلسطين القضية ايضا. الديموقراطية والإزدهار في لبنان كانا أبرز عنصرين في مواجهة النموذج الإسرائيلي الذي يدعي فردانية في الشرق، وهما كانا ضحيتي البندقية الفلسطينية، بشكل غير مقصود او لا واع.
الدمار المادي يمكن تعويضه، بل تم تعويضه حين بدأ مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإعادة البناء. لكن ما لم يعوض هي الديموقراطية، حتى وان كانت ذات خصوصية لبنانية مبنية على بعد طائفي، والإزدهار حتى وإن كان اساسه الإقتصاد الخدمي، وهو أمر لا يزال لبنان يعانيه الى الآن بعد 37 سنة من اندلاع الحرب سيئة الذكر.
ملاحظتان يمكن وضعهما في سياق مراجعة التجربة الفلسطينية في لبنان: البعد الأمني الذي حكم اللقاءات والاجتماعات ومساعي الحل، بدءا بالإجتماعات التنسيقية الأمنية بين الجيش اللبناني والفدائيين، مرورا باتفاق القاهرة الذي ركز على الأمن اكثر مما ركز على السياسة، وليس انتهاء باتفاق "ملكارت" الأمني بامتياز. لكن ما يطرح ألف علامة استفهام، هو ذلك الحل السياسي الضائع قبل حادث "بوسطة عين الرمانة"، الذي يؤكد القيادي الفلسطيني السابق صلاح صلاح، أن الحادث المشؤوم أطاح به.
السؤال الذي يطرح هنا: كيف يمكن لحادث مثل "بوسطة عين الرمانة" على أهميته، ان يطيح باتفاق سياسي لو لم يكن القلق والخوف المتبادلان بين الطرفين اللبناني المسيحي والفلسطيني اقوى شأنا من الإتفاق السياسي؟ واستطرادا ما هي العوامل التي راكمت القلق والخوف لدى الطرفين؟
صلاح صلاح، الشاهد على مختلف مراحل التجربة الفلسطينية في لبنان، يفتح دفتر مذكراته ويفتتح المراجعة في التجربة الفسطينية في لبنان، في حلقة اليوم.

صلاح صلاح: الكل مسؤول عن خراب لبنان

من القلائل الباقين ليشهدوا على حرب السنتين في لبنان والحراك السياسي المرتبط بها.. هو القيادي الفلسطيني المخضرم صلاح صلاح الذي شارك في معظم الاجتماعات قبل حرب السنتين مع السلطات الرسمية اللبنانية وقاد الملف الفلسطيني في لبنان بعد الاجتياح الاسرائيلي العام 1982 وعقد اول الاجتماعات حول الملف الفلسطيني في لبنان مع اولى حكومات الطائف برئاسة سليم الحص العام 1989.
يعتبر صلاح صلاح أن الكل "مسؤول عن خراب لبنان"، ويكشف ان حلاً سياسياً لـ"الخلاف الفلسطيني ـ المسيحي" الحاد والمتمادي منذ نهاية ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي، كاد أن يوقع عليه قبل أيام من حادثة "بوسطة عين الرمانة" في 13 نيسان (أبريل) 1975، ليطرح سؤالا لم يجد جوابا واضحا، حول من هو الطرف الثالث الذي وقف وراء الحادث؟ وسؤال محوري آخر هو كيف لحادث بوسطة مفتعل (يستبعد صلاح صلاح مسؤولية الكتائب عنه، وتؤكد الكتائب انها بريئة منه) أن يجهض اتفاقا ناجزا ويشعل حربا أهلية؟.
يعتبر صلاح صلاح أن النظر الى الفلسطينيين على انهم الطرف الذي كان مسيطرا على لبنان فيه "افتئات"، فهم قد يكونون سيطروا على المخيمات وبعض من محيطها "لكن ليس على مناطق كان يسيطر عليها اطراف لبنانيون متحالفون مع الفصائل الفلسطينية"، بل يؤكد أن من كان "يسيطر عمليا على الوضع هو الجيش السوري الذي كانت له اليد الطولى من شمال لبنان حتى منطقة الزهراني في الجنوب، قبل ان يتراجع الى نهر الأولي، ومن البقاع الى جبل لبنان وصولا إلى الساحل اللبناني".
لكن القيادي المخضرم، يعتبر ان قراءة الملف الفلسطيني في لبنان يجب ان لا يقتصر على مرحلة السبعينيات، بل تتوجب مراجعة كل المراحل التي مر فيها هذا الوجود، بدءاً من النكبة عام 1948 حين فقد الشعب الفلسطيني وطنه وأرضه وممتلكاته، وأصبح يعيش خيبة أمل، في مخيمات كانت عبارة عن خيم من دون بنية تحتية.
[حل سياسي ضائع
مع تكرار الاشتباكات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية حتى بعد توقيع اتفاق الطائف العام 1989، وخصوصا تصاعدها بين 1973 و1975، كان لا بد من حل جذري وسلمي يريح البلد، والتخلي عن التنسيق الأمني الذي جل ما يمكن ان يقدمه هدنة مؤقتة تنهار مع أول حادث مفتعل او عرضي.
يقول صلاح صلاح: "كان يستقر الوضع لبعض الوقت، لكن تعود الصدامات لاحقا، الأمر الذي دفع الفلسطينيين الى اعادة التفكير في اسلوب حل المشكلة، فكان الرأي أن يتم الاعتماد على حل سياسي، كون الحلول الميدانية جزئية ولم تؤد في المحصلة الى الهدف المرجو وهو وقف الصدامات. ويكون ذلك عبر فتح حوار مع ممثل الطرف اللبناني المعارض للعمل الفدائي وهو حزب الكتائب، الذي كان يمثل نبض غالبية الشارع المسيحي، وكان لدينا قناعة اننا لا نريد كفلسطينيين ان نكون في لبنان مع طرف ضد آخر أو أن لا نكتفي بأن نحصل على دعم من طرف دون آخر، نحن كفلسطينيين هذا تصورنا للصراع مع اسرائيل، نحن معنيون بمواجهة عدونا الإسرائيلي الذي اغتصب أرضنا وهذه الهزيمة يجب ألا نقبل بها ولا يجب أن نستسلم لها ونحاول أن نقنع الأطراف الأخرى ان خطر الحركة الصهيونية لا يقتصر على الفلسطيني وإنما يشتمل أيضاً لبنان المستهدف بمياهه والمستهدف بأرضه، يعني ان لبنان يدخل ضمن أهداف المشروع الصهيوني التوسعي الذي يهدف الى اقامة دولة من الفرات الى النيل وبالتالي حاولنا أن نقنع هذه الأطراف انه يجب أن نكون شركاء مع بعضنا البعض لمواجهة إسرائيل".
ويشرح انه "في ضوء ذلك تشكلت في إطار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تضم كل الفصائل ولم يكن هناك انقسام فلسطيني خلال اجتماعات عدة وبوجود أطراف لبنانية عبر القيادة المشتركة الفلسطينية ـ اللبنانية، حول هذه القناعة. كان يشارك في الاجتماعات تلك من الاحزاب اللبنانية المتحالفة مع الفلسطينيين: الشيوعي والقوميون السوريون، ومنظمة العمل الشيوعي، وشخصيات من الناصريين، وحزب البعث، وقوى لبنانية اخرى".
ولم تقتصر الاجتماعات على الطرف المسيحي، أيضاً كانت تتم اجتماعات مع رسميين لبنانيين من غير المسيحيين. يؤكد صلاح صلاح ان "اجتماعات كهذه لم تنقطع، ولم تتوقف، مع كل الرؤساء من رشيد كرامي الى صائب سلام، الى شفيق الوزان، كانت هناك اجتماعات دائمة مع الجميع وفي كل المراحل. كان رؤساء الحكومات يعكسون موقف الشارع السنّي المتعاطف والداعم للمقاومة الفلسطينية".
وفي العودة الى "الطرف الآخر"، أي المسيحي، حيث كان قد تبلور لدى الشارع المسيحي، موقف سلبي من المقاومة، يتابع صلاح قائلا: "عندما اقتنعت القيادة الفلسطينية بهذا التوجه تم تشكيل لجنة برئاسة صلاح خلف (أبو إياد) وعضوية أبو حسن (علي) سلامة، وكنت انا عضوا فيها، وحصل أول لقاء في مكتب (الرئيس) أمين الجميل وكان معه على ما اتذكر كريم بقرادوني واخرون. وبدأ من هناك حوار، أعتبر انه في تلك الفترة كان ايجابيا وكان فيه صراحة من قبل الطرفين المسيحي والفلسطيني كل طرح وجهة نظره. كان جو النقاش ايجابيا في تلك الفترة وفيه كثير من الوضوح بطرح وجهات النظر، الفلسطينيون طرحوا وجهة نظرهم بشكل كامل وأكدنا حرصنا اننا نريد ان ننفتح على الشارع المسيحي، فنحن نعتبر معركتنا مشتركة، ومعركتنا واحدة. وأيضاً الطرف المسيحي عبر عن مخاوفه من وجود اطماع لاسقاط الدولة، وملاحظاته على التجاوزات الفلسطينية والممارسات الخاطئة التي كانت تحصل الخ.. وكنا نتفهم المخاوف والملاحظات والمحاذير التي كانوا يطرحونها". يؤكد صلاح صلاح انه "كانت هناك محاولات جدية للوصول الى تفاهم مشترك لحل كل المسائل وتبديد مخاوف وهواجس كل الأطراف، وفعلاً كنا، بعد عقد اجتماعين او ثلاثة في عامي 1974 و1975على هذا المستوى العالي، على وشك إصدار بيان حول طبيعة هذه اللقاءات ووضع أسس لعلاقة جديدة، وفجأة حصلت مجزرة ما بات يعرف ببوسطة عين الرمانة".
ويمضي صلاح ليعرض تقديرا بالغ الأهمية حين يستطرد قائلا ان حادثة "بوسطة عين الرمانة" قضت على كل شيء وخصوصاً ان من اتهم بالعملية ثلاثة أشخاص من حزب الكتائب، أنا اعتبرت في حينها وما زلت على القناعة نفسها بأن من ارتكب مجزرة عين الرمانة، حتى وإن كانت عناصر كتائبية، هي جهات لم تكن مرتاحة للقاءات السياسية العليا بين منظمة التحرير وحزب الكتائب، ولا تريد لها أن تصل الى نتائج ايجابية، فوجهت ضربة استباقية قبل أن تصل الاجتماعات الى خواتيمها الإيجابية. بعد هذه الضربة انفرط عقد اللقاءات وتطورت الأمور بسرعة قياسية الى صراع فلسطيني ـ لبناني ولبناني ـ لبناني".
يسأل صلاح: "هل السبب الحقيقي في حرب السنتين في لبنان بعد ذلك هم الفلسطينيون الذين كانوا منتشرين في المخيمات وفي محيطها ولم يكونوا اساسا في المدن والقرى اللبنانية التي حصلت فيها الصدامات؟ في تلك الفترة بدأ الموضوع يأخذ شكل صراع لبناني لبناني ولهذا السبب سمّي حربا أهلية، وبلغت المعارك مناطق الجبل بين الاحزاب المسيحية وأطراف الحركة الوطنية اللبنانية، علما ان الفلسطينيين لم يكونوا اساسا متواجدين في تلك المناطق".
مع اندلاع حرب السنتين، توقفت الاتصالات، لكن صلاح يشير الى ان الاتصالات "اصبحت تأخذ طابعاً فردياً وليس رسمياً وان كانت عامة تجري بتكليف من قبل (الرئيس الراحل ياسر عرفات) أبو عمار، وكان أبو حسن سلامة يلعب دورا أساسيا فيها الى أن استشهد. وبعد اغتيال ابو حسن حاول "أبو اياد" فتح خطوط اتصال غير رسمية، لكن كل الاتصالات التي حصلت بعد 1975 اخذت طابعا أمنيا وليس سياسيا".
حتى ان "منظمة التحرير" علمت قبل اجتياح 1982 ان الاجتياح الإسرائيلي سيحصل، والمعلومات كانت تتوافر عبر تلك الاتصالات، وأحد المصادر كان حزب الكتائب" كما يقول صلاح صلاح.
[بداية الأزمة
على أن الأزمة بدأت فعليا في الثلث الأخير من عقد ستينيات القرن الماضي، فبعد العام 1967 بدأت حركات المقاومة الفلسطينية والفصائل في البروز في لبنان، لكن لم يكن لها دور فاعل، إذ أن تلك الفصائل تواجدت في الأردن، وكان من يريد ان ينتمي من فلسطينيي لبنان اليها يذهب الى الأردن، حيث المقرات القيادية ومعسكرات التدريب.
يقول صلاح: "لم تكن هناك فكرة للانتقال من الأردن الى لبنان، لكن ما قامت به حركة "فتح" في حينه انها فكرت بدل ان يذهب الفلسطينيون كأفراد الى الأردن، يمكن تأطيرهم في مجموعات في لبنان، والبدء بنشاطات فدائية عبر الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية. هذا التوجه اوجد النواة الأولى لقواعد العمل الفدائي في اجزاء من جنوب لبنان، وعندما بدأت المجموعات الفدائية تنشط هناك، بدأت تحصل صدامات مع الجيش اللبناني، وكان الموقف الرسمي عدائيا من العمل الفدائي رغم انه لم تكن هناك اي قواعد داخل الأماكن السكنية في القرى او المدن او المخيمات".
وفي مسعى لاحتواء الحماس للالتحاق بالعمل الفدائي، يقول صلاح: "ان مسؤولي الشعبة الثانية والمخبرين التابعين لها كانوا يضغطون على الفلسطينيين في المخيمات لمنعهم من الالتحاق بالعمل الفدائي، وفتحت السلطات اللبنانية مراكز تدريب للفلسطينيين والتحق بها بعض الاساتذة وتلاميذ المدارس، لكن لم يكن تدريبا جديا، بل عملية احتواء لحماسة بدأت بالظهور عند الشباب للانضمام الى قواعد الفدائيين التي تمركزت في مناطق جبلية اولا في جنوب لبنان".
يؤكد صلاح: "استطيع القول انه ليس كل الفلسطينيين كانوا يعرفون ان هناك قواعد للفدائيين في الجنوب، بدأ الناس يعرفون ذلك بعد شيوع اخبار الصدامات بين الجيش اللبناني والفدائيين، وبدأ التعاطف الفلسطيني واللبناني يتصاعد مع الفدائيين، خصوصا ان الفدائيين شكلوا حالة رد عملية على هزيمة العرب في حرب حزيران (يونيو) 1967. لقد كان التعاطف مع العمل الفدائي الفلسطيني كبيرا حتى قبل وصول طلائع الفدائيين الى لبنان، فمثلا الشهيد خليل عزالدين الجمل كان اول شهيد لبناني يسقط في صفوف المقاومة الفلسطينية، كان قد سقط في الأردن، استقبل استقبالا جماهيريا حاشدا اعتبارا من بلدة الكحالة المارونية حيث تجمع المواطنون ورجال الدين المسيحيون وقيادات الاحزاب المسيحية وصولا الى بيروت مسقط رأس الشهيد حيث كان استقبل جثمانه استقبال الابطال وشيع في موكب مهيب قبل دفنه".
لكن عندما انتقل العمل الفدائي الى لبنان، وحتى وهو متمركز في الجبال والأحراش في اطراف الجنوب اللبناني، بدأ الوضع يتغير، وكأن ثمة من يقول "نحن مع العمل الفدائي طالما انه خارج لبنان"، ويضيف صلاح: "وفي المقابل كان هناك رأي عام اخر مؤيد لقدوم الفدائيين الى لبنان وتنفيذ عمليات عبر الحدود ضد العدو الاسرائيلي".
عند هذه النقطة، يتابع صلاح: "بدأ يحصل انقسام في الشارع اللبناني، وقد برز بشكل أساسي في تظاهرة هي الاكبر في لبنان في حينه على ما اعتقد في نيسان (ابريل) 1969 للتضامن مع المقاومة الفلسطينية بعد اشتباك بين الفدائيين والجيش اللبناني سقط فيه عدد من الفدائيين شهداء. وتتالت الاشتباكات وتخللتها عمليات اقتحام وغارات على المخيمات، حيث كان الفدائيون دخلوا اليها بعد اتفاق القاهرة، واستقالت الحكومة اللبنانية تحت ضغط الشارع المعارض لضرب الفدائيين والمخيمات".
[تفاهمات "ملكارت"
كان اتفاق القاهرة قد وقع في العام 1969، لكن الفصائل الفلسطينية خرقت الكثير من بنوده فيما كانت السلطات اللبنانية تتحين الفرص للانقضاض عليه بهدف تعديله على الأقل، فبدأ الجيش اللبناني قمع خروقات الاتفاق بالقوة ما اوجد حالة توتر واشتباك شبه دائم، عمل العقلاء على تهدئته، وفي هذا المجال يقول صلاح: "في 17 ايار (مايو) 1973، وعقب اشتباكات عنيفة عقد اجتماع ضم 3 او 4 ضباط لبنانيين برئاسة الضابط احمد الحاج ووفد فلسطيني برئاستي وعضوية كل من عبدالكريم حمد وأبو الزعيم وتوفيق الصفدي، لكن لم نتمكن من التوصل الى اتفاق، حيث بدا كأن الوفد اللبناني يريد الغاء اتفاق القاهرة، لكن جرى التفاهم على وقف لإطلاق النار، وانسحاب قوات الجيش من الأماكن التي تمركزت فيها في المخيمات ومقرات الفصائل الفلسطينية، مع التأكيد على الالتزام باتفاق القاهرة، وعرف لاحقا التفاهم هذا على انه "اتفاق ملكارت"، لكنه كان تفاهما على تنفيذ بنود اتفاق القاهرة وليس اتفاقا جديدا".
يتابع: "لا أريد أن أقول ان الأجواء كانت ودية أو عدائية خلال الاجتماع، لكن كان كل من الجانبين يتحدث من موقع انه المعتدى عليه: الفلسطيني الذي قصف واستعمل الطيران ضده في وقت كان العدو الاسرائيلي الذي يقوم بذلك، واللبناني الذي كان يشعر بأن المقاومة الفلسطينية تجاوزت اتفاق القاهرة".
ويشرح صلاح ان اجتماع "ملكارت" لم يكن الأول "ولم يأت بلا مقدمات، فقد سبقه أكثر من اجتماع ميداني حيث كانت تحصل اتفاقات على وقف اطلاق النار وعلى انسحابات ميدانية، أو عبر اتصالات هاتفية أو وساطات طرف ثالث، لكن لم يكن يتم الالتزام بما يتم التفاهم عليه، وقد جاء الاجتماع العالي المستوى (اجتماع ملكارت) ليحسم بشكل نهائي موضوع استمرار الصدام وقد خلص الى انه يجب ان نضع حدا للصدام ويجب أن ننهيه ضمن آلية نتفق عليها، فصار الاتفاق على الالتزام باتفاق القاهرة".
[سوريا على الخط
لكن السؤال هو "من سلّح الحركة الوطنية اللبنانية، اليس الفلسطينيون؟" يؤكد صلاح صلاح أن "أطرافا عدة سلّحتها، وليس الفلسطينيون فقط. الكل سلحوها، بعض الدول العربية كانت تسلّح أطرافا لبنانية مباشرة من دون واسطة فلسطينية. الصراع لم يعد فلسطينيا ـ لبنانيا، صار لبنانيا ـ لبنانيا، وعربيا ـ لبنانيا، أطراف عدة دخلت على خط الصراع في لبنان".
وايضا تطرح اسئلة مثل لماذا كان الفلسطيني دائماً في الواجهة؟ ثم ألم يكن القسم الخارج عن سيطرة الأحزاب المسيحية تحت سيطرة مباشرة او غير مباشرة للفصائل الفلسطينية؟ بل أن المنطقة المسيحية كادت أن تسقط بأيدي تحالف الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، لكن التدخل السوري في العام 1976 حال دون ذلك؟
لا يوافق صلاح صلاح على ذلك، يقول: "قبل الـ75 كانت الواجهة فلسطينية لكن بعد ذلك أصبحت المواجهة لبنانية ـ لبنانية. تدخل السوري لم يكن للجم الفلسطيني الذي كانت معركته في الجنوب ضد العدو الإسرائيلي، السوري دخل لأجل ضبط الوضع اللبناني، وبقي السوري مسيطرا على الوضع الداخلي اللبناني حتى العام 1982، هو الذي كان منتشرا من شمال لبنان الى صيدا وقبل ذلك حتى الزهراني وفي البقاع والجبل، في العام 1982 أخذت المعركة وجها آخر، لكن بقيت التدخلات الخارجية قائمة بشدة".
يضيف: "في فترة الـ1978 انهارت الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية، ولم يعد لها تأثير في الشارع، في بعض المناطق كانت السلطة بيد قوى الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وعملياً المناطق التي سيطرت عليها احزاب الحركة الوطنية اللبنانية حكمت من قبلهم والواجهة كانت فلسطينية. أنا أريد أن أفترض انه في الـ1975 كان الفلسطينيون هم المسيطرين على جزء كبير من لبنان، لكن منذ العام 1976 دخل السوريون، وبالتالي لم يعد الفلسطيني هو المتحكم باللعبة، على العكس من ذلك، كان الفلسطيني محكوما بوجود قوات الردع التي كانت دخلت البلد والتي كانت بقيادة سورية، وهذا الواقع استمر حتى العام 1982، ثم لم يعد للفلسطيني أي تأثير".
ويؤكد أن "الكلام عن سيطرة فلسطينية شاملة مبالغ فيه كثيرا، ويراد به اخلاء مسؤولية اي طرف لبناني أو غير لبناني عما أصاب البلد. الصحيح كلّنا خرّبنا البلد، الفلسطيني شريك مع الوطني اللبناني وشريك مع المسيحي، ولكل دوره. النظام اللبناني نفسه أيضاً يتحمل المسؤولية، الكل يتحمل المسؤولية. الأنظمة العربية التي كانت تدعم هذا الطرف أو ذاك أيضاً تتحمل المسؤولية، الاستعانة بإسرائيل أيضاً جزء من تحمل المسؤولية، يعني كل ذلك يجب ان يقرأ بشكل صحيح، وأتمنى أن تجري قراءة هادئة وعقلانية وموضوعية لتلك المرحلة. ما يحدث أن الكل يريد الهروب من المسؤولية وأن يضع العبء على الحلقة الأضعف، وهي الفلسطيني".
[الفلسطيني خارج المعادلة.. وضحية
بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، ازيح الفلسطيني بشكل شبه كامل من الصورة ولم يعد له أي دور مقرر، بل أصبح متلقيا. يقول صلاح صلاح ان ذلك بدا واضحا "من مجزرة صبرا وشاتيلا الى ملاحقة الاجهزة الامنية الفلسطينيين داخل لبنان وحرمانهم من تجديد جوازات سفرهم حيث علق الكثيرون في المطارات بسبب انتهاء مدة صلاحية وثائق سفرهم، الى حرب المخيمات وما جرى خلالها".
ويشير الى ان "الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 نتج عنه اتفاق فيليب حبيب الذي أنهى وجود المقاومة الفلسطينية تماماً في لبنان. بعد خروج قوات منظمة التحرير والفصائل تشكلت لجنة لمتابعة الاهتمام بعوائل المقاتلين الذين غادروا بالبواخر وعوائل الشهداء وباتفاق مع السلطات اللبنانية برئاسة شفيق الحوت وعضوية توفيق الصفدي، وضابط اسمه يوسف رجب، من ثم أضيف إليها عبد الكريم حمد وعلي عزيز، هذه اللجنة كانت معنية بالاهتمام بأوضاع الفلسطينيين بعد الـ82، لكن للأسف العلاقة التي حددت لهذه اللجنة كانت مع جهاز أمن الدولة الذي شكل حديثاً، ولم تستمر بعدما طلب هذا الجهاز من اللجنة وقف العلاقات واقترح ان يغادر اعضاؤها أو ان يختفوا لأنه بحسب تقدير أمن الدولة هناك مخاطر على أعضاء اللجنة من عملاء تركتهم اسرائيل بعد انسحابها".
لكن صلاح يوضح ان "هذه المرجعية المؤقتة انتهت ولم تعد موجودة وبعدها تعرض الفلسطينيون الى حملة انتقام على الرغم من اتفاق فيليب حبيب الذي ابقى وجودا انسانيا واجتماعيا وسياسيا، فكانت مجزرة صبرا وشاتيلا ومحاولة اقتحام مخيم الميّة وميّة وقصف مخيم عين الحلوة وملاحقة الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون في شرق صيدا. كذلك اقتحم الجيش اللبناني المخيمات واعتقل عددا كبيرا من أبناء المخيمات خصوصاً مخيمات بيروت بذريعة ان ابا اياد صرح بأن منظمة التحرير تركت في لبنان ألفي مقاتل، لم يكن احد منهم موجودا، وهذا تعرفه تماما الاجهزة الامنية اللبنانية، ولو كانوا سمحوا بحدوث مجزرة صبرا وشاتيلا".
ويعتبر صلاح ان "الأخطر كانت حرب المخيمات، رد فعل "القوات اللبنانية" كان مفهوما بالماضي، وربما مبررا من قبل الجيش اللبناني، أما مع حركة "أمل" فلم يكن هناك اي مبرر لحرب المخيمات، "أمل" التي ولدت في أحضان وبدعم وبرعاية حركة "فتح" وقيل ان مخازن الأسلحة التي بقيت في لبنان سلّمها أبو جهاد رحمه الله قبل مغادرته بيروت الى "أمل" فحورب الفلسطينيون بالسلاح هذا نفسه. لكن لم يكن مفهوما ان تنتقل "أمل" من موقع الحليف الى موقع الخصم في حرب دموية استمرت سنتين وتركت آلاف القتلى والجرحى".
ولا ينفي ان المشاكل مع "أمل" كانت بدأت قبل ذلك: "بالطبع بدأ التدهور مع الدور المميز الذي احتلته "أمل" في الجنوب في العام 1982 عندما قيل ان هناك اتفاقا بين "أمل" وبين إسرائيل عن طريق وسطاء بأن تكون "أمل" معنية بحماية الحدود في جنوب لبنان لتمنع الفلسطينيين من القيام بعمل عسكري يؤدي الى ردود فعل اسرائيلية ضد قرى الجنوب، وربما حرصاً على أبناء الجنوب أخذت "أمل" على عاتقها مسؤولية الأمن هناك. وفي هذا السياق حدثت احتكاكات بين "أمل"والفصائل الفلسطينية وبينها وبين احزاب الحركة الوطنية اللبنانية".
[الفلسطينيون بعد اتفاق الطائف
بعد اتفاق الطائف الذي اريد منه ان ينهي تركة الحرب الأهلية، توجهت السلطة اللبنانية نحو حل موضوع السلاح الفلسطيني في شرق صيدا والجبل حيث بدأ حوار مع الفلسطينيين تولاه الوزير محسن دلول ومعه رئيس جهاز أمن الدولة اللواء نبيه فرحات، واتفق على عقد لقاءات لهذه الغاية.
يقول صلاح: "عقد أول لقاء في القاهرة على هامش اجتماعات جامعة الدول العربية في العام 1990، وكان رئيس الوفد اللبناني فارس بويز، وزير الخارجية، وكان رئيس الوفد الفلسطيني رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير (فاروق القدومي) ابو اللطف، وكنت أنا ضمن الوفد الفلسطيني، واتفقنا على فتح صفحة جديدة. وحددنا جدول أعمال يضم العناوين الأساسية التي يجب أن تناقش وهي موضوع الوجود العسكري في لبنان، وأمن المخيمات والحقوق المدنية والاجتماعية، واتفقنا أن يتم الحوار حول هذه القضايا في لبنان أو تونس". يضيف: "طبعاً استمر الحوار حول هذه القضايا في لبنان وبناء عليه كلفت أنا، وكنت مبعدا من لبنان خلال عهد الرئيس أمين الجميل، فعدت الى لبنان وكانت اللقاءات تتم مع الوزير دلول ومعه اللواء فرحات. وأبلغنا دلول أن الدولة اللبنانية توافق على اعطاء الفلسطينيين كل حقوقهم المدنية والاجتماعية باستثناء الجنسية، فأكدت موافقة الطرف الفلسطيني على هذا التوجه، وبناء عليه طلب مني اعداد ورقة توضح وجهة نظرنا حول ما هي الحقوق المدنية والاجتماعية التي نريدها".
ويتابع: "اجريت اتصالات مع الفصائل الفلسطينية بمن فيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والاخرى المختلفة معها المنضوية في "جبهة الإنقاذ" الموالية لسوريا وعقد اجتماع بين كل الفصائل في مخيم مار الياس واتفقنا على ورقة واحدة وشكلنا وفدا واحدا للحوار الذي كنت فيه أنا عن منظمة التحرير الفلسطينية وفضل شرورو عن "جبهة الانقاذ" وبدأ الحوار فعلاً مع الوزير دلول واللواء فرحات، وبحثنا موضوع السلاح وموضوع الأمن وجرى الاتفاق على تسليم السلاح الثقيل والمتوسط وتخزينه ووضعه تحت حماية من نريد. نحن قلنا لا، لا نريد أن نخزنه ولا ان نضعه تحت حماية أحد ولا تحت كفالة أحد. فجمعنا السلاح الثقيل والمتوسط من كل المخيمات بناء على كشوف وقدمناه للجيش اللبناني خلال اجتماع ضم ضباطا فلسطينيين وضباطا لبنانيين. بقي موضوع أمن المخيمات الذي قيل لنا أننا سنتركه لكم، وأن موضوع السلاح الخفيف ينطبق عليه ما ينطبق على السلاح الخفيف للبنانيين، نحن لم نسحب السلاح الخفيف من أيدي اللبنانيين، اذن لن نسحبه من أيدي الفلسطينيين، لكن نحن كفلسطينيين اتخذنا في حينها قرارا بتنظيم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، ضمن قاعدة ممنوع حمل السلاح الا لعناصر الكفاح المسلح، وان الحراسات التي تتولاها الفصائل على مكاتبها، والمرافقين. وسارت الأمور تماما على هذا النحو الى ان برز موضوع ظاهرة القوى الاسلامية التي تسلحت وتمركزت في المخيمات".
في موضوع الحقوق المدنية والاجتماعية، يقول صلاح صلاح: "شكلت لجنة أخرى ضمت عن الجانب اللبناني الوزير الراحل شوقي فاخوري والوزير عبدالله الأمين، وعن الجانب الفلسطيني أنا وفضل شرورو وناقشنا الموضوع على القاعدة التي أبلغنا إياها الوزير دلول، أي اعطاء كل الحقوق للفلسطينيين ما عدا الجنسية. اعددنا الورقة التي طلبت منا حول مختلف القضايا وقدمنا وجهة نظرنا، ثم عقدنا اجتماعا وأبلغنا المفاوضان اللبنانيان القبول الأولي بالورقة مع وجود قضايا تحتاج الى مزيد من الحوار وتحتاج الى تشكيل لجان خاصة من طرفهم لمناقشتها، وحدد موعد بعد اسبوعين كي نتلقى الجواب على القضايا لكن عبدالله الأمين اتصل بي وقال ان اللجان التي شكلت من الطرف اللبناني لم تنهِ دراسة المواضيع المدرجة في الورقة، وطلب تأجيل الاجتماع وابلغنا انه سيتصل بنا لاحقا لتحديده.. ولم يتم هذا الاتصال حتى الآن. ولأن الموعد الموعود لم يتحدد، بدأنا نجري اتصالات مع رؤساء الحكومات المتعددين لنستفسر عن الموضوع. كما قدمنا لمختلف الحكومات مذكرات تفصيلية حول العناوين التي كانت مطروحة".
ويتحدث صلاح عن مساع في هذا المجال مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 1992: "طلبت مباشرة لقاء مع الرئيس الحريري لأكثر من سبب: أولاً لأهنئه باعتبار ان هناك معرفة سابقة معه من أيام حركة "القوميين العرب"، ولأشكره على اهتمامه في الفترة التي كنت معتقلا فيها لدى السلطات في سوريا في العام 1988 حيث ارسل شخصا اتصل بعائلتي ليطمئن على أوضاعها ويسألها إذا كانت بحاجة الى أي شيء. ولأبحث معه في الوضع الفلسطيني في لبنان. كان برفقتي القيادي في "الجبهة الشعبية" في حينه الرفيق أبو فادي راجي وتحدثنا تفصيلاً في موضوع الحوار الذي جرى منذ المرحلة الأولى في لقاء القاهرة بكل الخطوات اللي تلت بعد ذلك والمذكرات التي قدمت، فأبدى اهتماما معتبراً ان في موضوع الوجود الفلسطيني في لبنان والحقوق المدنية والاجتماعية هي من اولويات اهتماماته، وطلب من مستشاره (النائب الحالي) نهاد المشنوق ان يتابع الموضوع وترتيب أي لقاءات أخرى، لكن بعد ذلك حصلت تطورات يبدو انها غلّبت الملفات اللبنانية على الملف الفلسطيني، خصوصا أن الرئيس نبيه بري، اعتبر أنه المعني بالتعاطي مع هذا الموضوع، وتوقفت الأمور هنا".
على ان المعالجة الأبرز للمسألة الفسطينية في لبنان بدأتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2005، عندما تقرر تشكيل لجنة وزارية للإطلاع على وضع المخيمات الفلسطينية. يقول صلاح صلاح: "وبالفعل زار الوفد مخيم عين الحلوة واعلن الوزراء تعاطفهم مع سكان المخيمات وألمهم لما رأوه من مآسٍ، واعلن الرئيس السنيورة ووزراء آخرون أنه لا يجوز استمرار التعامل مع الفلسطينيين كحالة أمنية. لكن تطورات اخرى خصوصا العدوان الاسرائيلي في 2006 وما تلا ذلك من مشاكل داخلية، وضعت الملف الفلسطيني في الأدراج مجددا".

السبت، 3 مارس 2012

ازمة "اليسار الممانع"



"اليسار الممانع" يبرر موقفه السلبي من الحراك العربي بأنه جرى اختطاف الثورات..
السؤال الموجه لـ"اليسار الممانع" هل شكلتم البديل عندما وصل مشروع "فتح" الليبرالية في فلسطين الى آزمة.. هل شكلتم البديل عندما سقط نظام مبارك وبن علي الفاسد في مصر وتونس.. هل كنتم البديل لعلي عبدالله صالح في اليمن، هل مثلتم اي حالة متقدمة في مرحلة ما بعد الممانع الاول القذافي في ليبيا..
وقبل ذلك عندما اطاح الاميركيون بصدام في العراق.. هل كان "اليسار الممانع" البديل الشعبي والمقاوم.. ام ان البديل كان، وبسبب غياب اليسار هذا، التحول الى مجتمع تحكمه الغرائزية الطائفية من قبل الثنائية الشيعية والسنية..
ان السؤال هو: هل راجع اليسار مسيرته اصلا ليحدد مساره.. لقد اجرى الاسلاميون رغم اقصائهم منذ خمسينيات القرن الماضي، مراجعة مكنتهم من اكتشاف ان قوتهم بالعمل مع الجماهير وخصوصا الاكثر تهميشا.. فجاءت النتائج التي فاجأت "اليسار الممانع" وفجعته.. بأن الإقصاء جاء عبر صناديق الاقتراع وليس عبر السلطات الأمنية في الأنظمة البائدة..
وقبل ان يصبح الإقصاء هذا قدرا لليسار ونهاية مسيرة فيها الكثير من التضحية كما فيها الكثير من الاخطاء والخطايا، على اليسار ان يسارع الى قراءة نفسه ثم التطورات فتجربة الخصم الفكري، واكتشاف عناصر ازمته، البنيوية اصلا، وربما كان المستقبل حليفا له، والا فعلى اليسار السلام، وسيكون مستقبل الصراع السياسي الداخلي بين الاسلاميين والليبراليين العلمانيين فقط

السبت، 21 يناير 2012

مخيم البداوي ينتفض على فوضى السلاح


المستقبل - السبت 21 كانون الثاني 2012 - العدد 4233 - شؤون لبنانية - صفحة 7
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=504666
أنيس محسن
حدث هذا الأسبوع ما يشبه "انتفاضة شعبية" في مخيم البداوي في شمال لبنان على فوضى السلاح، التي باتت تقلق السكان وتوقع القتلى والجرحى في مناسبة وفي غير مناسبة.
يقول أحد الشبان الذين أطلقوا الصرخة الاخيرة:" قبل 3 ايام، تحول عرس في المخيم الى مأساة، حيث حدث اطلاق نار قتل خلاله الشاب احمد المعماري (18 عاما) ولم يعرف من اطلق النار.
وفي الوقت ذاته حدث مشكل فردي بين شخصين من "القيادة العامة" و"فتح"، وحدث استنفار في المخيم واطلاق نار باتجاه مكتبي "الكفاح المسلح" و"القيادة العامة"، ثمة من يقول:هناك طابور خامس".
ويشير الشاب الفلسطيني الى انها "ليست المرة الأولى التي يقتل فيها أناس برصاص مجهول: هناك حالات سابقة مثل ابو وسام غنيم ومحمد ذيب وماهر عبد الهادي، فضلا عن وقوع جرحى في حوادث اخرى".
ويتابع: "الحادث أوجد حالة استياء واسعة بين الناس، وبرزت دعوات لوضع حد لانفلات السلاح وعدم استخدامه في الأفراح التي تصبح أتراحا او في المشاكل الشخصية التي تصبح اشتباكات بين تنظيمات او استنفارات".
في ظل الاستياء كانت حاجة الى وجود تحرك. وعملت مجموعة شبابية على تنظيمه بهدف وضع حد للانفلات وتنظيم السلاح في المخيم.
تمت الدعوة للتحرك الاربعاء مساء خلال لقاء لعدد قليل من الشبان، على ان يكون التحرك عند السابعة من مساء الخميس الماضي، على شاكلة وقفة سلمية احتجاجا على فوضى السلاح.
الدعوة تركت صدى كبيرا ايجابيا لدى سكان المخيم وسلبيا لدى الفصائل التي تراوحت آراء مسؤوليها بين داع الى "عدم التحرك لأن الرسالة وصلت" وبالتالي ضرورة عدم الاعتصام بذريعة "التنبه لامكانية دخول طابور خامس"، وآخر رافض تماما للتحرك من اساسه.
وبهدف منع التحرك استدعت الفصائل بعض الشبان وحققت معهم على أساس ان التحرك مدفوع من الخارج، على الرغم من ان مسؤولي الفصائل كانوا أكدوا تبرمهم من فوضى السلاح.
خلال النهار حدثت اجتماعات بين الشبان ومسؤولي الكفاح والفصائل وتم توصيل الفكرة التي تقول ان المطلوب تنظيم السلاح وليس سحبه، وان الجميع يجب ان يكونوا يدا واحدة لتنظيم السلاح وعدم السماح للطابور الخامس بالتحرك.
اقتنعت الفصائل بالتحرك وشاركت فيه حيث كان قد تم الاتفاق على ميثاق شرف لوقف فوضى السلاح، والانتخابات الشعبية للجان الاحياء والاتفاق على آلية للتنفيذ وردع المخالفين وملاحقة قضية انتشار المخدرات.
واللافت ان الفصائل اكدت التزامها هذا امام المعتصمين مباشرة ايضا، علما انه تم الاتفاق على عقد اجتماع شبابي الإثنين المقبل لرفع توصياتهم الى الفصائل التي تجتمع اسبوعيا كل يوم ثلاثاء لتبني تلك المطالب، "واتفقنا انه اذا تم تنفيذ الاتفاق سوف يدعم الشباب الفصائل اما اذا لم تنفذ وبقيت الفوضى فإن الشباب سيعاودون تحركهم"، كما يقول الشاب الفلسطيني.
التحرك كان عبارة عن إضاءة شموع ورفع صور القتلى ولافتات وقراءة الفاتحة، وألقيت كلمة الفصائل التي التزمت امام الناس بتنفيذ كل المطالب ثم كلمة للشباب أكدت متابعة ومراقبة تنفيذ الاتفاقات. وكانت الدعوة وضعت على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وتم الاتصال بمجموعة من الشباب داخل المخيم لتنظيم التحرك. يذكر ان الفصائل كانت شكلت لجنة تحقيق في حادث مقتل المعماري، وأوقفت شخصين، قالت انها سلمتهم الى الاحهزة الأمنية اللبنانية المختصة.
تحرك مخيم البداوي ترك صدى ايضا لدى شبان من مخيمات اخرى، حيث شارك شبان من مخيمات صور وصيدا في اجتماعات شبابية، على اساس محاولة نقل التجربة الى المخيمات الاخرى التي تعاني بدورها فوضى سلاح، او انفلاتا أمنيا كما يحدث بين حين وآخر في مخيم عين الحلوة.
تجربة البداوي اذا سنحت لها فرصة النجاح، وسحبت التجربة على المخيمات الاخرى سوف تكون بمثابة "ربيع مخيمات لبنان" لفرض تنظيم السلاح داخل المخيمات سواء باتفاق مع السلطات اللبنانية أو بعدمه.

الاثنين، 9 يناير 2012

السلطات العربية الجديدة والبداية الخاطئة فلسطينياً

المستقبل - الثلاثاء 10 كانون الثاني 2012 - العدد 4222 - شؤون عربية و دولية - صفحة १५

http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=५०३०२७

نيس محسن

في جانب من جوانب الصراع "السلطوي" الفلسطيني ـ العربي، منذ ما قبل النكبة، يمكن ملاحظة مسارين: أحدهما عربي يقلل من أهمية و/أو يخشى "الوطنية الفلسطينية" والآخر فلسطيني يعتبر أن الهيمنة السلطوية العربية على القرار الفلسطيني، أسهم في النكبة أولا ثم في إضعاف قدرة الثورة الفسطينية المعاصرة على تحقيق أهدافها.
كان المأمول من السلطات العربية الجديدة التي نشأت بعد "الربيع العربي"، أقله أن تقف محايدة وإن مالت الى طرف فلسطيني معين، لكن يبدو ان تلك السلطات بدأت بداية خاطئة، بأخذها أخيرا موقفا مع طرف ضد آخر، مباشرة أو مداورة، مثلما حصل خلال زيارة رئيس حكومة "حماس" المقالة في غزة، اسماعيل هنية، الى كل من مصر وتونس، وما زامنها من تصريحات في البلدين اللذين باشرا "الربيع العربي" واطلقا سلطات جديدة بدل القديمة المهترئة والفاسدة، واعلان الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي عن وساطة "حمساوية" في الأزمة السورية من على منبر الجامعة وإلى جانبه رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل.
لطالما كانت السلطات العربية وراء انشقاقات كبرى في الساحة الفلسطينية، او عامل ضغط مالي أو سياسي على الفصائل الفلسطينية، بهدف الهيمنة على القرار الفسطيني و/أو النطق باسم الفلسطينيين حفاظا على مصلحة الأنظمة التي كانت قائمة، او التي لم تسقط بعد.
محاولات الهيمنة ومصادرة القرار لم تنشأ في واقع الحال بعد ازدهار الثورة الفلسطينية عقب هزيمة 1967، بل سبقتها إلى مرحلة ما بعد نكبة 1948 مباشرة، حين حوصرت أول محاولة فلسطينية لإنشاء كيان يحفظ الحق الفلسطيني عبر حكومة عموم فلسطين، برئاسة الحاج أمين الحسيني، في قطاع غزة في في 23 أيلول (سبتمبر) 1948، التي اتبعت بضم الأردن للضفة الغربية في العام 1958 إلى المملكة الأردنية رسميا، ثم وضع قطاع غزة تحت الإدارة العسكرية المصرية، ما قوض تلك المحاولة الفلسطينية، على الرغم من كل ما يمكن ان يساق من أخطاء بل خطايا اقترفتها القيادة الفسطينية في مرحلة النكبة، قبل قيام اسرائيل وعقبها مباشرة.
استعيض عن الكيانية الفلسطينية المستقلة بكيان تابع للنظام الرسمي العربي، وذلك بقرار إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر القمة العربي 1964 (القاهرة) الذي دعا إليه الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
وفيما تمكنت حركة "فتح" بقيادة ياسر عرفات من السيطرة على المنظمة، باعتبارها الكيان المعترف به عربيا، ومحاولة تثويرها عبر محاولة إخراجها من نطاق الهيمنة العربية، والاستفادة منها دوليا عبر تكريس الإعتراف الدولي بها كيانا فلسطينيا مستقلا، فإن محاولات الهيمنة على القرار الفلسطيني استمرت، بل تصاعدت، وسط سلسة اخطاء استراتيجية وتكتيكية لقيادة الثورة الفسطينية بكل فصائلها: من الأردن ومحاولة فرض "سلطة فلسطينية ثورية" هناك، الى لبنان والدخول في تفاصيل الخلافات وانشاء سلطة موازية ليس لسلطة الدولة اللبنانية فقط، بل إضعاف القدرات السياسية للأحزاب اللبنانية نفسها، وصولا الى الخطيئة الكبرى بمساندة نظام صدام حسين في العراق خلال احتلاله الكويت، الأمر الذي احدث نكبة ثانية للفلسطينيين بتهجير مئات آلاف الفلسطينيين من الكويت بعد تحريرها.
ربما أحدث التدخلات العربية ماقبل "الربيع" كانت مساهمة نظامي حسني مبارك وبشار الأسد في مصر وسوريا في عدم تمكين الفلسطينيين من إنهاء حالة الإنقسام، بأخذ الأول جانب "فتح" والثاني جانب "حماس" بدل الضغط عليهما لتحقيق الوحدة، في وقت كانت القضية الفلسطينية تنزف بشدة، جراء عمليات الإستيطان الكثيفة في الضفة والقدس، والتأييد الأميركي والدعم المتواصل لكل ما تريده اسرائيل.
في مستهل "الربيع العربي" وقبل انتخابات تونس ومصر، سجلت حالة انتظار وابتعاد عن اخذ القرار لدى الحركتين المهيمنتين فلسطينيا وسبب الإنقسام: "فتح" و"حماس". فالأولى تنتظر ما سيفضي إليه الحراك في سوريا والثانية غير مستعجلة لأن كل الدلائل كانت تشير إلى وصول "الإخوان المسلمون" إلى السلطة في الدولتين.
بالفعل أفضت الإنتخابات الى فوز لا غبار عليه للإسلاميين في الدولتين، وربما في أي دولة عربية اخرى ستجري فيها انتخابات حرة، لأسباب كثيرة هذا المقال غير معني بتحليلها. لكن ما ان اعيد تشكيل السلطة في تونس، واستراح "الاخوان" لوضعهم تماما في مصر، حتى ظهرت إرادة تدخل سافر في الملف الفسطيني.
في مصر، اعتبر المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمين" محمد بديع، خلال استقباله اسماعيل هنية، في نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أن "حماس" انموذج لتنظيم "الإخوان" وتأكيد الثاني ان حركته جزءا لا يتجزأ من "الإخوان" وأنه ذراع التنظيم العسكرية. وكانت تصريحات بديع حول اقتراب الجماعة من إقامة خلافة إسلامية أثارت قبلا سجالاً كبيراً، وخاصة حول طبيعة الدولة التي تنوي الجماعة إشادتَها بعدما حققت أكبر نسبةٍ من المقاعد في مجلس الشعب المصري الجديد.
ويبدو أنه وتبعا للهيمنة "الإسلاموية" على المسار السياسي في مصر، عبر اختيار مباشر من قبل الشعب وغير مشكوك فيها، اعطى الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، من حيث أراد أو لم يرد، شرعية السلطة فلسطينيا لـ"حماس" عبر اعلانه والى جانبه مشعل مطلع الشهر الجاري عن الوساطة "الحمساوية" في الأزمة السورية، بخروج واضح على قرار فلسطيني رسمي وشعبي، بعدم التدخل بما يحصل عربيا، والإكتفاء بتأييد ما تريده الشعوب العربية.
في تونس، كان الوضع اكثر بروزا، حيث استقبل هنية رسميا، من دون ابلاغ الحكومة التونسية ولا وزارة الخارجية ولا حزب النهضة السفارة الفلسطينية في تونس بمواعيد وبرنامج زيارة هنية، ورد وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والناطق الرسمي باسم الحكومة التونسية سمير ديلو، على الانتقادات التونسية والفلسطينية لمراسم استقبال هنية، بقوله: "إننا نعتبر حكومة حماس حكومة شرعية، منتخبة انتخابا شرعياً".
وكأن السلطات العربية الجديدة، تنتهج ذات السياسة لسابقاتها، من دون اخذ رأي الفلسطينيين انفسهم.
ما كان أحد ليعتبر ما جرى في تونس ومصر تدخلا لو أن انتخابات نزيهة جرت اخيرا وعززت "حماس" عبرها سلطتها وتمكنت من قيادة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير.
الى الان منظمة التحرير تعتبر هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وقيادة المنظمة شبه جماعية، وإن كانت "فتح" المهيمنة فيها، ووفق اتفاق القاهرة يجب ان تجري عملية اصلاح في المنظمة تضمن وجود "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في المنظمة قبل اجراء انتخابات حرة، وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة الفلسطينية، التي هي رئاسية الطابع، ومن يقرر فيها الرئيس المنتخب وليس البرلمان، وفي حالتها الراهنة فإن السلطة كاملة لمحمود عباس وليس لـ"حماس" أو أي من قياداتها، وبالتالي لا يحق لأي طرف اعطاء الشرعية لغير المنظمة أو رئاسة السلطة.
كان الأجدى، أن تدفع السطات العربية الجديدة طرفي النزاع الداخلي الفلسطيني الى تحقيق المصالحة وتطبيق اتفاق القاهرة بحذافيره، وإعادة بناء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، ومن ثم التعامل مع اي سلطة تنبثق عن إعادة البناء، وليس اخذ جانب "حماس" كقيادة شرعية ورسمية، وهو تصرف أسفر الى الان عن صب زيت على نار الخلافات ويبدو انه سيطيح باتفاق إنهاء الانقسام الفلسطيني، في وقت تتسارع الخطى الإسرائيلية نحو فرض امر واقع جديد لا يسمح بإنشاء أي كيان فلسطيني مستقل مستقبلا.

ما يجدر بالسلطات العربية الحديثة التنبه الى ان الفلسطينيين ميالون دائما الى الاستقلالية، ويرفضون أي نوع من انواع التطويع والاستخدام، وبالتالي فإن اخذها بيد "حماس" بهذه الطريقة، قد يطيح الحركة "الإخوانية" في الانتخابات الفلسطينية المقبلة.. اذا اتيح لها ان تجري اصلا


الثلاثاء، 3 يناير 2012

"الربيع العربي" ودور العلمانيين في وصول الإسلاميين إلى السلطة

لمستقبل - الاربعاء 4 كانون الثاني 2012 - العدد 4217 - شؤون عربية و دولية - صفحة 14

http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=502152

أنيس محسن

بعيدا عن الشعارات الرنانة والتحليلات الأيديولوجية المملة... الإسلاميون في السلطة للمرة الأولى منذ نكبة 1948، وبإرادة شعبية خالصة، لا ضباط ولا سلاح خلفهم، فقط عبر الانتفاضة السلمية التي قادها مئات آلاف الشبان والشابات في ساحات المدن الكبرى في القاهرة وبنغازي وتونس، وربما لاحقاً في دمشق وصنعاء وغيرها من عواصم العرب التي تشهد حراكاً شعبياً مستمراً.
كثيرة هي التحليلات الساذجة التي تبني على مداميك "المؤامرة"، الأميركية أو الفارسية أو العثمانية وقبلها الصهيونية واليهودية العالمية، بناء هزيلا عن خطط وضعت منذ سنوات لإزالة "عملاء" ما عاد من حاجة إليهم، مثال حسني مبارك وزين العابدين بن علي، أو لدحر "ممانعة" كما هو الأمر في سوريا واليمن وإيران، باتفاق وتنسيق مع "جماعة الإخوان المسلمين" و/أو السلفيين الذين فاجؤوا الجميع بقدرتهم التعبوية خلال الانتخابات في مصر.
الواقع، ان ثورات الربيع العربي، اعجبت نتائجها البعض وأزعجت البعض الآخر، فاجأت دوائر الغرب السياسية والاستخباراتية، كما فاجأت الأنظمة المخلوعةش أو التي تكاد، وكل "المفكرين" القابعين في البروج العاجية التي أمنتها لهم السلطات السابقة وما تبقى منها.
بكل الأحوال النتيجة انفضت على نجاح شعبي منقطع النظير للإسلام السياسي المعتدل، ممثلا بالإخوان المسلمين على وجه الخصوص، وحتى السلفيين الذين يذهلوننا يوميا بإضفاء معايير قبول الغير في تصريحاتهم، فيؤكدون انهم يطبقون على أنفسهم ما يؤمنون به ولن يجبروا آخرين على التزامه.. الأمر الذي يفهم منه، وبغض النظر عن صدق قائله، وعي تيارات الإسلام السياسي على تنوعها لواقعها المحلي ومحيطها الخارجي، وبأن العالم بات قرية كونية، وان لا وجود لاقتصاد اكتفاء ذاتي، ومسألة السيادة الوطنية ليست سوى تطبيقات نسبية، تحكمها القوانين الدولية ومنطق الأقوى اقتصاديا وعسكريا.
وعلى هامش تلك التصريحات المطمئنة للداخل المختلف، فإن اشارات اخرى موجهة الى الخارج، اظهرتها معلومات تداولها مسؤولون أميركيون، تحدثت عن لقاءات مع "الإخوان المسلمين" خلصت إلى تأكيد الجماعة احترامها لاتفاقيات كامب ديفيد، مسنودة الى تصريحات اخرى لزعماء "النهضة" في تونس والسلطة الليبية المؤقتة وللمعارضة السورية عن قبول تسوية مع اسرائيل، لن تكون وفق اي معطيات لمصلحة القضية الفلسطينية، ومؤكدة عبر تصريحات لسلفيي مصر نقلتها الاذاعة الاسرائيلية اولا وفي بيانات رسمية لاحقا، اكدت احترام حزب "النور" السلفي لاتفاقات كمب ديفيد.
لافتة هذه المرونة الإسلامية والقدرة الكبيرة على التعبئة والتأطير، التي ظهرت في انتخابات تونس ومصر حتى الآن.. وبالطبع قبلهما عند الجار العثماني الجديد ـ تركيا "العدالة والتنمية". حيث وبخلاف النظريات التي تعطي نسبا لا تتجاوز في أحسن الحالات 20% لمصلحة الإسلاميين في الانتخابات الأخيرة، فإن الحقيقة تظهر ان نسبة شعبيتهم لا تقل عن 60%، اذ أن بدعة "الأغلبية الصامتة" ليست بالضرورة معارضة للإسلاميين، بل هي في كل المقاييس لا مبالية، وأولا وأخيرا فاقدة الأمل والثقة بالعالمانيين.
السؤال الذي يطرح هنا، وبعيدا عن سخافة "المؤامرة" والترتيبات المسبقة وتدفق أموال خليجية: لماذا تمكن الإسلاميون المقصيون عن السلطة والعمل السياسي طيلة عمر حكومات "العلمانيين" الديكتاتورية المماثلة لأنظمة عصر "السوفيات" أو الليبرالية المدعومة من "الغرب الإمبريالي"، من الإنتشار الأفقي الفائق السرعة هذا، منذ أن أحرق البوعزيزي جسده في تونس واسقط بن علي واندلعت ثورة يناير في مصر واطاحت مبارك، بأقل خسائر ممكنة، ثم ثورتا اليمن وليبيا التي اودت بحيات آلاف المدنيين بسبب تمسك "الممانعين" القذافي وعلي عبدالله صالح بالسلطة، وحاليا ثورة سوريا التي سقط فيها الآلاف حتى الآن لأن نظام "الممانعة الرئاسي الوراثي" هناك متمسك بالسلطة حتى الرمق الأخير؟.. بل أن السؤال الإستدراكي: لماذا فشل "العلمانيون" هذا الفشل الذريع؟
عود على بدء.. وربطا للحاضر بالماضي والماضي بالحاضر.. نشرت اخيرا على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لطلاب في جامعة الاسكندرية في ستينيات القرن الماضي، قبل هزيمة حزيران 1967 تظهر اختلاطا بين الطالبات اللابسات اقصر التنانير والطلاب ذوي الشعر الطويل وبناطيل "الشارلستون"، وصورة اخرى للجامعة نفسها وفي الحيز المكاني نفسه قبل ثورة يناير 2011 تظهر انفصالا بين الطالبات المحجبات والطلاب.
حدثني صديق من فلسطين، ان عائلته تؤجر مبنى لمدرسة اعدادية للإناث في مدينة نابلس منذ سنوات، ولأنها مطلة على البناء الذي تسكنه العائلة فقد كان يشاهد حركة ملعب المدرسة، الذي كان يكاد أن يخلو قبل ثلاثة عقود من المحجبات، فيما الملعب نفسه اليوم يخلو ممن لا يلبسن الحجاب.
نحن جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.. لا زلنا نذكر حيثما وجدنا، في اي بلد من البلدان العربية، غير الخليجية، طبيعة العلاقات الاجتماعية وشكل الملبس، ونحن نرى بأم العين اليوم طبيعة علاقات مختلفة تماما وشكل ملبس اخر.. فلماذا هذا التغير الذي سبق وصول الإسلاميين الى السلطة في الدول العربية؟
يعيد المحلل الإقتصادي وكاتب العامود الشهير في صحيفة "نيويورك تايمز" بول كروغمان في مقالة طويلة كتبها في العام 2001 سبب انهيار الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، الى عوامل مجتمعية، حين تحول المجتمع الأميركي من مجتمع منتج ومحب للعمل وصادق في مقارباته الانتاجية الى مجتمع غير منتج وكاذب ومحب للكسب السريع، منذ سبعينيات القرن الماضي، فأنتج مدراء تنفيذيون على شاكلته: كاذبون ومدعون وسارقون، راشون ومرشيون، فانهار هيكل الشركات وواصل الاقتصاد انهياره ولا زال حتى الآن.
يمكن معالجة التحولات السياسية في العالم العربي، وتحديدا في دول المشرق والمغرب العربيين، بنفس آلية معالجة كروغمان المجتمعية، اذ ان التحول نحو الإسلاميين جاء نتيجة متغيرات مجتمعية، يجب ان يلحظ فيها ايضا تخطيها ليس العلمانيين بل تخليها عمّا يسمى بـ"الإسلام الجهادي" وعنوانه المتمثل بتنظيم "القاعدة"، لكن السؤال هنا: لماذا تخلى المجتمع المشرقي والمغربي العربي عن العلمانية المتمثلة بالقومية والماركسية وكذلك عن "العنف الاسلامي" لمصلحة "الاعتدال الإسلامي"؟.
يمكن عزو المتغيرات الإجتماعية ـ السياسية الى تحولات تتلخص بما يلي: الهزيمة العربية في حزيران 1967 عسكريا امام اسرائيل، ثم الهزيمة العربية في 1979 سياسيا عبر توقيع اتفاق كامب ديفيد بين اسرائيل ونظام انور السادات في مصر، والهدوء المطلق على جبهة سوريا منذ العام 1973، بعد حرب رمضان التي حررت جزءا من الجولان وبعض سيناء، وانغماس منظمة التحرير في الحرب اللبنانية الداخلية كأحد الأطراف الخارجيين الكثر، وهزيمة المنظمة في العام 1982، ولاحقا تحويل انتصارات ثورة الحجارة في العام 1987 ـ 1988 الى عملية سياسية عقيمة بدأت في اتفاق اوسلو وانعكست سلطة هجينة في الضفة الغربية وقطاع غزة اعتبارا من 1996، استحالت الآن سلطتين واحدة معزولة بقيادة حماس في غزة واخرى محتلة بقيادة فتح في الضفة. هذا فضلا عن عامل غاية في الأهمية، وهو سقوط "السلطات العلمانية" العربية في بؤرتين: الفساد والطائفية، كل على حدة او كليهما معا.
[فلسطين: الراية للإسلاميين

ما قبل الربيع العربي كانت التجربة الأولى لوصول الإسلاميين الى السلطة في المنطقة العربية عبر صناديق الإقتراع، بقيادة حركة "حماس" التي اكتسحت في انتخابات ديموقراطية وشفافة في 25 كانون الثاني (يناير) 2006 مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك عددا لا بأس به من المجالس البلدية، وتمكينها اليسار الفلسطيني عبر التحالف معه من ايصال مرشح يساري الى مجلس بلدية بيت لحم ذات الطابع المسيحي.
قد يزعم البعض ان المجتمع الفلسطيني خصوصا في الاراضي المحتلة، هو مجتمع محافظ ومتدين، لكن الحقيقة تشير الى أن هذا المجتمع هو الذي ازاح بعد نكبة الـ48 جانبا الاحزاب السياسية التقليدية التي تمزج بين الاقطاع والتدين، وثبت الفصائل الفدائية التي تتبنى افكارا علمانية: وطنية على غرار حركة "فتح" وقومية ممزوجة بالماركسية مثال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفصائل يسارية اخرى تولدت عنها او نشأت على هامشها.
لم يكن قبل منتصف ثمانينيات القرن الماضي من وجود للإسلام السياسي في فلسطين، كانت "فتح" تتبوء المنزلة الأولى تليها الشعبية..
في قطاع غزة الغارق حاليا في "الأسلمة"، كانت الجبهة الشعبية (الماركسية المتطرفة في حينه والجانحة نحو الماوية ممزوجة بالقومية العربية) مالكة الأسهم الشعبية الكبرى في قطاع غزة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، خلال تجربة العمل الفدائي الذي قاده مسؤولها في القطاع محمود الأسود المعروف بـ"غيفارا غزة"، بتأثير أيضا من الدعاية الشعبية التي اكتسبتها عبر عمليات خطف الطائرات، والتنسيق مع منظمات يسارية عالمية في عمليات نوعية سواء في اوروبا او في فلسطين، مثل عملية مطار اللد، التي شارك فيها الفدائي الياباني كوزو اوكوموتو.
خلال تجربة لبنان، حدث تغير دراماتيكي في اسلوب العمل الفدائي، افقده فعليا وهجه الذي اكتسبه بعد هزيمة حزيران 67، عبر ما يعرف بسياسة "التفريغ"، او تشغيل الشباب الفلسطيني واللبناني والعربي بوظيفة "فدائي" بعدما كان هذا العنوان رمزا لنكران الذات، وأيقونة يتمناها كل حر، ليس على مساحة العالم العربي، بل على اتساع العالم كله.
شكلت منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها، الموالية لفتح او المعارضة لها، سلطة فعلية في لبنان مع غياب سلطة الدولة وإضعاف قدرة الحلفاء اللبنانيين من احزاب "وطنية" و"قومية" و"يسارية" على تشكيل "سلطة ثورية وطنية".
مع خروج قوات المنظمة من لبنان، ثم تأسيس السلطة الفلسطينية التي تولى مفاصلها قياديون قادمون من تجربة لبنان، اسهم استشراء الفساد المالي في السلطة، الى جانب العمل الاسرائيلي الدؤوب لعدم تنفيذ المرحلة الثانية ثم النهائية من اتفاق اوسلو، في بلورة تحول المجتمع الفلسطيني نحو خيارات اخرى، كان اسلاميو فلسطين حجر اساسها، خصوصا مع تأسيس "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) منتصف ثمانينيات القرن الماضي كحركة مقاومة من رحم التنظيم الفلسطيني لـ"الإخوان المسلمين". فكانت حماس البديل المقاوم، وكذلك في محاربة الفساد المستشري تحت عباءة سلطة فتح. وما زاد الضغط على قوى اليسار وفتح، انهيار الاتحاد السوفياتي وعدم القدرة على تأسيس مسار اخر، حيث اغتربت فصائل اليسار عن قاعدتها الفكرية ولم تتمكن من مد جسور مع قاعدتها الشعبية.. فخسرت فتح لمصلحة حماس، وحل اليسار ثالثا مع فارق كبير بعد حماس وفتح.
[مصر: نهاية "القومية" و"العلمانية"

كانت الناصرية كالنار في الهشيم في ستينيات القرن الماضي. ليس في مصر فحسب، بل على امتداد الوطن العربي. كان تأثير جمال عبد الناصر ماثلا في اقطار الوطن العربي كله: في المشرق والمغرب والخيج على حد سواء.
لعب عبد الناصر عقب انقلاب الضباط الأحرار، أو ثورة 1952، دور رافعة العمل القومي العربي، لكن وفق كل التحليلات اللاحقة، فإن نقطة ضعفه كانت غياب حاضنة حزبية منظمة تؤازره خلال حكمه، وتحمل الراية بعد موت الرمز.
الأهداف التي رفعها عبد الناصر كانت هي ذاتها التي يرفعها المواطن المصري، وكل عربي من المحيط الى الخليج. الاستراتيجيات والشعارات كانت تداعب مخيلة ومشاعر العربي اينما كان. التعبئة كانت تنجح في شحذ الهمم. ثم اهتز الحلم بشدة في هزيمة حزيران 1967، لكن لم ينهار. ثبت المصريون ومعهم العرب عبد الناصر رمزا قائدا رغم الهزيمة برفضهم استقالته. لكن الموت عاجل عبد الناصر الذي كان بدأ يدرك خطأه ويسعى، وفق اكثر من متابع لمسيرته، الى ايجاد الإطار السياسي الناظم.
كان عهد عبد الناصر علمانيا بكل ما لمضمون الكلمة من معنى. كان المجتمع ينحو دائما نحو المدنية والعصرنة، ويميل دائما يسارا في تأييد كل الثورات العالمية، ويساندها، من الجزائر الى فيتنام وكل ثورات افريقيا السمراء، ويتغنى بغيفارا وبكاسترو وكوبا، ويعتز بصداقة الاتحاد السوفياتي، ويقف ضد الاخوان المسلمين في معركتهم مع عبد الناصر.
مات عبد الناصر، فجاء انور السادات، الذي ارسى تحولين رئيسيين: سياسيا مال نحو الغرب في الحرب الباردة وباتجاه التسوية مع اسرائيل، واقتصاديا نحو الليبرالية والكمبرادور بدلا من الاقتصاد الاشتراكي المنتج الذي انجز سد أسوان ومصانع حلوان والاصلاح الزراعي، وكانت مصر مع التجربة الناصرية الرائدة واحدة من القوى الاقتصادية العالمية، التي توفد، وعلى نفقة الحكومة، عشرات الاف المهندسين والاطباء والفنيين الى دول عربية وافريقية واسيوية، للمساعدة في بناء اقتصادات تلك الدول الناشئة.
زار السادات القدس المحتلة والقى خطابا امام الكنيست، فاعترف من حيث اراد او لم يرد بها عاصمة لاسرائيل. واضعف كل المؤسسات الاقتصادية ذات النمط الاشتراكي مقابل اعلاء شأن المؤسسات التي تنتهج اقتصاد السوق، من دون خطة وبغياب الاستراتيجيات الواضحة، فيما قاد هذا التحول رجالات السلطة انفسهم الذين تولوا عبر الاستيلاء على الاملاك العامة، مفاصل الاقتصاد، واستبعد منها الرأسماليون الحقيقيون المستوعبون حقا لاقتصاد السوق واليات عمله.
في السياسة الداخلية، حارب السادات اليسار المصري بخطة مزدوجة، عبر زج قيادات اليسار والناصريين في السجون و/او احتوائهم واحتواء مثقفيهم، وفتح المجال امام بعض الاسلاميين لاحداث مواجهة بين الطرفين، يكون هو المايسترو لها.
لم يغير اغتيال السادات من الامر شيئا، فسار مبارك على المسار الساداتي نفسه، بحيث مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، وحتى مطلع الألفية الثانية، تكثف التمركز الرأسمالي، وبات اقل من ألفي فرد يملكون غالبية الدخل القومي المصري، والقدرة العقارية الأوسع، وباتت مصانع حلوان وكل المؤسسات الانتاجية الصناعية والاقتصادية، وحتى الثروات المائية والنفطية، ملكا لأشخاص من النظام وحوله.
في مصر، حيث المجتمع آزر عبدالناصر ضد الإسلاميين، بدأ مع السادات التحول نحو الأسلمة، ومع غياب هيبة مصر شيئا فشيئا خلال حكم مبارك، افريقيا وعربيا ودوليا، والتهويل المصطنع بالخطر الاسلامي، والقمع المجحف بحق الاحزاب والقوى الاسلامية المعتدلة، واسس كل ذلك لنشوء وتطور "الاسلام الجهادي" استفادة من الحرب في افغانستان ضد الاحتلال السوفياتي، وخصوصا بسبب غياب الهدف الواضح للدولة ازاء فلسطين والحالة العربية والهم الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، كانت عقارب التحول تشير نحو الإسلام السياسي، الذي حقق النتائح الموصوفة في انتخابات ما بعد ثورة 25 يناير، حتى ولو لم يكن هو الواجهة التي قادت تلك الثورة الشبابية، التي باتت انموذجا عابرا لبلد نحو أمكنة اخرى في الاقليم وخارجه.
[سوريا "العلمانية الطائفية"

يمكن وصل ما يجري في سوريا هذه الأيام، بما جرى في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين اندلع قتال بين "الاخوان المسلمين" والقوات التابعة للنظام، خصوصا في حماة وادلب، وانتهت بعد مجزرة في مدينة جسر الشغور ثم لاحقا في حماة.
المجتمع السوري مثله مثل باقي المجتمعات العربية، المحافظة والمتدينة، لكن غير المتطرفة، والموصوف بنزعته القومية التي تنحو كثيرا من الاحيان نحو التطرف. فكيف يتحول الى هوى اسلامي، فيه ملامح تطرف؟
من نافل القول أن التنوع الديني في سوريا سمة من سمات دول شرق المتوسط ومصر، فيها كما في فلسطين ولبنان والأردن غالبية المذاهب الإسلامية وكل التنوع المذهبي المسيحي، لكن الغلبة العددية للمسلمين السنة الذين يمثلون اكثر من 90 في المئة.
على الرغم من الغلبة السنية، الا ان احترام التنوع كان دائم الوجود، في مرحلة ما بعد الاستقلال والحقبة الديموقراطية القصيرة، ثم في العقد الأول من حكم حزب البعث، الى حين تولي الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة بانقلاب عسكري، وتمكنه في فترة قياسية من تأمين سلطته والحيلولة دون تعريضها للوثة الإنقلابات التي ميزت حكم البعث في سوريا، مثله طبعا مثل العراق. لكن عبر تمكين الطائفة العلوية التي تنتسب عائلة الأسد إليها.
عمد الأسد الأب إلى تثبيت العلويين في قمة السلطة الفعلية، الأمنية خصوصا، وزاد حجم القمع الموصوف للمعارضة بشكل عام والإسلامية خصوصا، ونفذ مجزرتي جسر الشغور وحماة مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ورافق ذلك هجوم على مظاهر الملبس الاسلامي في الشارع، حيث تعرضت كثير من النساء للتعنيف اذا ارتدين الحجاب، ما دفع المجتمع السني نحو التدين المستتر. لكن هذا التدين لم يأخذ بعدا عنفيا، واقتصر على البعد الإجتماعي، وعبر كثافة التوجه الى المساجد، وبالتالي لم يثر مخاوف السلطة السورية ما دام يقتصر على هذا البعد.
في حرب العراق الثانية، اعتمدت سوريا ممرا لعناصر "القاعدة" الى العراق، ولاحقا تطور الوضع في لبنان في اعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، والانتفاضة ضد الوجود السوري، وخروج الجيش السوري من لبنان، واستخدام بعض المتطرفين الاسلاميين مخابراتيا، ومثالا على ذلك تنظيم "فتح الاسلام"، لكن المجتمع السوري، المتدين، لم يتطرف وبقي على اعتداله الاسلامي.
ظن النظام السوري انه بمنأى عن التحولات العربية، وهو ما اظهرته تصريحات الرئيس بشار الأسد عقب اندلاع ثورتي تونس ومصر، التي اعلن فيها ان "ممانعته" ووقوفه بوجه اميركا واسرائيل، كافيان لمنع وصول التحولات الى بلده، لكن تلك التقديرات ثبت فشلها، فاندلعت تظاهرات شعبية قمعت بالقوة، واستمر قمعها رغم سلميتها، الى حين اتسع نطاق الانشقاقات في الجيش، وهي سنية بغالبيتها، وتم تشكيل "الجيش السوري الحر"، الذي يواجه بعناد قوات النظام خصوصا في محافظتي حمص وادلب.
كل المؤشرات تدل على ان النظام سينهار، او ان تسوية ما سوف تبقيه ضعيفا، وما يمكن قراءته من داخل المجتمع السوري ان اي انتخابات ديموقراطية، سوف تعطي الإسلاميين، كما حدث في مصر وتونس، مرتبة متقدمة.
[المغرب العربي.. واليمن

سبقت الجزائر في تسعينيات القرن الماضي شقيقاتها في المغرب العربي في التحول الإسلامي، وعند اول معبر ديموقراطي قاده في حينه الرئيس الشاذلي بن جديد تمكن اسلاميو "الجبهة الإسلامية للانقاذ" من الفوز في الانتخابات العامة، لكن الجيش ذو النفوذ القوي، قوض التجربة الديموقراطية تلك، وخاض حربا دموية عقب ذلك مع "الأفغان العرب" في الجزائر، خلفت مئات الاف القتلى والجرحى.
واذا كانت هزيمة الاتحاد السوفياتي في افغانستان اعلت مكانة "الافغان العرب" في الجزائر ومكنت "الجبهة الاسلامية" من الفوز، فلا بد من التوقف عند التحولات الاجتماعية في بلد علماني، مشكلته انه حكم بيد حديدية منذ الاستقلال، ودولة منتجة للنفط فيها من الفقر اكثر مما فيها من الرفاهية.
بخلاف الظروف التي مكنت اسلاميي الجزائر، فإن إسلاميي تونس، الأوروبيو المظهر والعقلية، تمكنوا من الفوز بالانتخابات ما بعد بن علي، ردا على الفساد الذي استشرى في مفاصل سلطة بن علي، المدعية العلمانية، وتمكنها من تطويع الكثير من احزاب ومثقفي اليسار، واقصائها الإسلام المعتدل المتمثل بحزب النهضة بزعامة الغنوشي، الذي عاد من منفاه الاوروبي وكثير من قادة الحزب، على صهوة ثورة البوعزيزي.
ولدى جارتها المغرب، فإن الاعتدال الاسلامي ايضا، ممثلا بحزب "العدالة والتنمية" تمكن في الانتخابات الاخيرة من تسجيل فوز غير مسبوق، استنادا ايضا على فشل الاحزاب اليسارية والليبرالية منذ الانفتاح الذي قاده الملك محمد السادس عقب توليه السلطة في العام 1999 خلفا لوالده الحسن الثاني، في قيادة البلاد اقتصاديا واجتماعيا.
أما الدولة الرابعة في منظومة الإتحاد المغاربي، اي ليبيا، التي كانت سببا، فضلا عن النزاع الصحراوي، في عدم فاعلية تلك المنظومة، فقد باتت علتها معروفة، بعدما اصر "ملكها غير المتوج" معمر القذافي على دمارها قبل ان يسلم السلطة، فدمر كثيرا منها قبل أن يسلم الروح برصاص من حكمهم 40 عاما ونيف.
كان القذافي مثله مثل باقي الديكتاتوريين العرب "الممانعين"، يتغنى بالعلمانية ويحذر من الخطر الاسلامي، فيما شعبه يعاني انعدام الحرية وحتى الفقر، رغم كل الثروات النفطية الموجودة في ليبيا.
وانتقالا الى اليمن، برئاسة "العلماني" علي عبد الله صالح، الذي بقي متمسكا بالسلطة حتى بعد تنفيذ محاولة اغتيال ضده، ووافق على تسوية قادتها دول الخليج توفر ضمانات لشبكته العائلية تسهل استيلائها على مواقع اقتصادية مهمة، بعد سقوط الاف الضحايا، فيما كان يمكن التوصل الى هذا الاتفاق في الاسابيع الاولى للانتفاضة في اليمن على سلطانه.
في اليمن، الذي حكم جنوبه الاشتراكيون اليساريون الماركسيون المطعمون بالقوميين العرب، تبدو كفة الاسلاميين هي الراجحة ايضا، لأن من سبق وحكم شقي البلاد وانتج كل الفقر وتلك الحروب، احتسبوا على "العلمانية"، زورا.
بكل الاحوال، فإن من كان من الأحزاب اليسارية والقومية العلمانية منخرطا في السلطة، او متهادنا معها، او معاد لها، لكن من دون تواجد فعلي بين الناس الذين يفترض ان يكون اليسار ممثلا لهمومهم وطموحهم وقضاياهم، دفعوا مجتمعاتهم نحو الخيار الإسلامي بعدما ثبت فشلهم في المحافظة على انجازات كبرى خلال الحقبة الناصرية، ولاحقا في تحقيق اي انجاز، بل خلافا لذلك تحقيق الفشل تلو الفشل.
يقول متابع لما جرى في مصر، انه سأل سائق سيارة الأجرة خلال زيارة من زياراته الكثيرة الى "أم الدنيا": من انتخبت؟، فأجاب "الاخوان المسلمين" فسأله لماذا اخترتهم: فقال السائق: "دول مننا ومنعرفهم ومنشوفهم في الحواري".
أما اليساريون، فإذا أراد أحد البحث عنهم، يمكن ايجادهم في المقاهي، او في التنظير العقيم في البيانات التي اصدروها خلال الانتخابات وكان مستحيل على مجتمع فيه نسبة عالية من الأمية ان يفهم مضمونها، هذا ان فهمه حتى المتعلمون، فيما لم يكن مرشحوهم من الذين وقفوا الى جانب الناس في فقرهم، كما انهم تحالفوا مع احزاب كان بعضها حليفا للسلطة السابقة، وبعضها على طرف نقيض من مفهوم اليسار خصوصا الماركسي والاشتراكي، اي من الليبراليين الجدد الذين افسدوا الاقتصاد المصري ما بعد عبد الناصر.
لهذه الأسباب، جاء الإسلام السياسي على صهوة جواد العلمانيين الذين اثبتوا فشلهم جيلا بعد جيل، ومهدوا بذلك درب "الإخوان" لكي يتولوا زمام الحكم.