المستقبل - السبت 8 تشرين الثاني 2003 - العدد 1447 - شؤون عربية و دولية - صفحة 15
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=37735
أنيس محسن
لا يحتاج المرء الى كثير من الجهد لتفكيك الفكر السياسي والاقتصادي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، بل تكاد تكون بداية اختباراتهم عن "اصلاح العالم غير الديموقراطي" حاملة بذور فشلها السريع. ان محور فكر هذه الفئة من السياسيين الاميركيين هو نشر النموذج الاميركي في العالم انطلاقا من الشرق الاوسط وتحديدا الدول العربية، اما داخليا فضرب كل المكتسبات الاقتصادية للمواطنين العاديين من خلال تقليص الضمانات الاجتماعية وتخفيف العبء الضريبي عن الفئة فاحشة الثراء.
على الصعيد الخارجي، تبدو بذور التروتسكية "للآباء المؤسسين" ظاهرة من خلال تحويل شعار الثورة البروليتارية المستمرة الى شعار "الثورة الديموقراطية العالمية" (ذكرها الرئيس الاميركي جورج بوش في كلمته اول من امس خلال الاحتفال بعشرينية الصندوق القومي للديموقراطية في واشنطن). ان اول غيث هذة "الثورة الديموقراطية العالمية" كان غزو العراق، فيما غزو افغانستان يُعد مجرد "بروفة" للمرحلة الابتدائية الاساسية من ثورتهم تلك. وكل شيء جاء وفق المنطلقات التي بشر بها "الآباء المؤسسون" لحركة المحافظين الجدد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وطورها الابناء في الثمانينيات والتسعينيات ومطلع القرن الحالي. فمؤسسات المجتمع الدولي تم تجاهلها عندما فشلت الادارة الاميركية في احتوائها وشُنت الحرب على العراق بأُحادية اميركية مطلقة. اما الحلقة الاخرى من سلسلة الفعل فتتمثل بالقضية الفلسطينية، حيث التأييد المطلق لإسرائيل (الليكودية بالطبع) والاستخفاف المطلق بالفلسطينيين والعرب هو محور تلك الحلقة، فالامن لإسرائيل حصرا و"التغيير الديموقراطي" واجب فلسطيني اساسه "تدمير البنى التحتية للمنظمات الارهابية".
قد يكون من السابق لأوانه اعطاء حكم نهائي على نهاية سلسلة نشاط المحافظين الجدد من البداية، اي المقاومة في العراق والممانعة الفلسطينية. لكن قد يكون تعبير "المكتوب يُقرأ من عنوانه" صحيحا في هذه الحالة، حيث ان مقاومة العراقيين تبدو تصاعدية وليست فقط من صنع اتباع النظام السابق ومتسللي "القاعدة" عبر الحدود الى بلاد الرافدين، وهي تأخذ بعدا وطنيا، ورفد المقاومة يأتي من جزء لا يُستهان به من الشعب العراقي، وقد يتبلور الامر اكثر مع مرور الوقت وسقوط المزيد من الخسائر في صفوف الاميركيين. اما مسعى عزل رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات والبحث "المجهري" عن بديل منه استحال التفافا شعبيا اكبر حوله فيما رفض اكثر السياسيين الفلسطينيين قربا من واشنطن ان يكونوا بدلاء. والامر هنا ابعد من مجرد التفاف فلسطيني قد يبدو معزولا لو اقتصرت المسألة على هذه الحدود فقط. فالبعد العربي للقضية الفلسطينية لم ينضب وقد مثله نبض الشارع الذي ملأه المتظاهرون الداعمون للقضية الفلسطينية اكثر مما مثلته براغماتية الانظمة. وابعد من ذلك، فإن الاستفتاء الاوروبي الاخير الذي اعتبر اسرائيل الدولة الاكثر خطرا على الامن العالمي يُعد ناقوس خطر يتهدد بعزل اسرائيل التي سارع حتى البعض في حزب الليكود الى الدعوة لضرورة التنبه له والالتفات مجددا الى اوروبا "التي تجاهلها الاسرائيليون في العقود الثلاثة الاخيرة" وفق وزير الخارجية سيلفان شالوم، بل ان الممانعة العالمية لمسار السياسة الخارجية الاميركية ازاء هاتين الحلقتين قد تعيد الولايات المتحدة الى الانعزال قصرا فيما المحافظون الجدد يبنون سياستهم الخارجية على اساس التفاعل الاميركي مع الخارج بخلاف المحافظين التقليديين الميالون اكثر الى الانعزال الاميركي.
ويُقدم ايمانيول تود في كتابه "ما بعد الامبراطورية .. دراسة في تفكك الامبراطورية الاميركية" تحليلا منطقيا لفكر المحافظين الجدد حيث يشير الى تجاهل الولايات المتحدة للمكونات التاريخية والاقتصادية والديموغرافية والاجتماعية للبلدان المعنية بالتغيير اميركيا، وهذا يقود بالتالي الى اخطاء تكتيكية واستراتيجية تنقلب في نهاية المطاف على الولايات المتحدة التي باتت قوة تكنولوجية عسكرية تفتقد الى قاعدة اقتصادية وبشرية تدعم مغامراتها الحربية الواسعة.
اما على الصعيد الداخلي، فالامر اقل تعقيدا، حيث يتقارب المحافظون الجدد والتقليديون ممارسة وفكرا. واساس طرحهم الاقتصادي المزيد من الليبرالية التي تأتي لصالح الاثرياء على حساب الفقراء وقد عبر عنها برنامج الرئيس بوش لخفض الضرائب عن كاهل الاغنياء، ووفق حسابات الاقتصادي الاميركي والمعلق في صحيفة "نيويورك تايمز" بول كروغمان فإن السياسة الاقتصادية لإدارة بوش (وهي اكثر الادارات تمثيلا للمحافظين الجدد) وُضعت لمصلحة 0.01% من الاميركيين. واذا كان الاقتصاد محرك العملية السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لنا ان نتوقع كيف ستحتسب الاصوات في الانتخابات المقبلة، ولا يقلل من هذا الشأن الارتفاع غير المسبوق للناتج القومي الاميركي في الفصل الثالث من العام الحالي، اذ انه جاء نتيجة الانفاق الكبير على المجهود الحربي وليس من خلال انفاق المستهلكين الذي مثل ثلثي الناتج القومي، ما يعني انه ارتفاع آني وليس هيكليا، ومن هذا المنطلق يتوقع كروغمان نفسه ان يشهد الفصل الرابع انخفاضا حادا وقد يمتد الانخفاض الى فصول عدة لاحقة، علما ان الانتخبات الرئاسية تجري في خريف العام المقبل، ما يعني ان العامل الاقتصادي سيلعب دورا كبيرا مجددا في تحديد هوية من سيدخل البيت الابيض، وتجربة بوش الأب حاضرة في هذا السياق، حيث ان الانتصار في حربه على العراق في العام 1991 تجاهله الناخب الاميركي لمصلحة الاقتصاد. فكيف سيكون الوضع اذا اجتمع التراجع الاقتصادي مع الفشل عسكري؟
الثلاثاء، 20 يوليو 2010
الأبورينجو" في وسط بيروت
نفخوا في آلات من صنع النمل الأبيض
المستقبل - الاثنين 12 تموز 2004 - العدد 1642 - الصفحة الأولى - صفحة 1
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=74505
أنيس محسن
رجال سمر نصف عراة يحملون انابيب خشبية ينفخون بها فتصدر اصواتا شجية وقد طليت وجوههم بألوان كأنها أقنعة في لوحة مسرحية قادمة من عمق التاريخ.
إلتف الجمع وتكاثر الناس، فيما الراقص يقفز ويلتف ويصرخ والذهول يتعالى كلما ارتفعت اصوات البوق الغريب.
رواد وسط بيروت كانوا مساء اول من امس على موعد غير متوقع مع فرقة "كوموري" (اهلاً) الاسترالية في حفل اقيم بوسط الشارع، وذلك في اطار جولة على هامش مشاركتها في المهرجان العالمي للمغتربين اللبنانيين الذي يُقام للعام الثاني على التوالي. وكانت الفرقة قدمت عروضا ايضا في كازينو لبنان يوم الثلاثاء الماضي وفي فندق "لو رويال" اول من امس.
اما حفل الشارع وسط بيروت فكان احتفاء بفوز الفرقة بجائزة مهرجان الاغتراب اللبناني لهذه السنة (عبارة عن سفينة فينيقية مصنوعة من شجر الارز) التي عرضت خلال الحفل، وفق ما قال منسق انشطة الجالية اللبنانية في استراليا جمال الريفي لـ"المستقبل"، مضيفاً ان هدف المشاركة في المهرجان الاغترابي والحفلات التي اقيمت على هامشه هو تعريف الشعب اللبناني بتراث السكان الاصليين لاستراليا المعروفون باسم "الابورينجو"، وفتح جسر تواصل بين الاغتراب اللبناني والوطن. وسوف تحتفظ الجالية اللبنانية في استراليا بالجائزة حتى العام المقبل لتعيدها ويحملها فائزون آخرون.
وحكاية الآلة الغريبة التي رافقت الراقصين اغرب من شكلها. ويوضح الريفي ان آلة "فيدجوديرو" من أقدم آلات موسيقى النفخ في العالم، وهي الوحيدة التي لم يصنعها البشر انما يصنعها النمل الابيض الذي يحفر اغصان نوع من الاشجار ويفرغها من لبها فتصبح بعد ذلك آلة موسيقية يستخدمها السكان الاصليون منذ آلاف السنين.
وكانت السفيرة الاسترالية في لبنان ستيفاني شوبسكي حضرت الحفل الذي اقيم في كازينو لبنان، ودعت الوفد الاغترابي الاسترالي من اصل لبناني وفرقة "كوموري" لجلسة خاصة بالسفارة وساهمت بدعم النشاط عبر شراء لوحة فنية وعدت بتعليقها في مبنى السفارة.
وأمس سافر بعض افراد الفرقة الى اليونان حيث من المقرر ان تشارك في النشاطات الفنية التي تقام على هامش الالعاب الاولمبية في اثينا. وكان ساهم في تكلفة حضور الفرقة الى لبنان رعاية من شركة الطيران الماليزية التي نقلت الفرقة والوفد ومدير المهرجان الذي امن السكن لهم.
وقد استقطب المهرجان العالمي للمغتربين اللبنانيين هذا العام وفودا وفرقا فضلا عن استراليا من كل من كندا وجنوب افريقيا والمكسيك والبرازيل التي فازت بالجائزة العام الماضي.
المستقبل - الاثنين 12 تموز 2004 - العدد 1642 - الصفحة الأولى - صفحة 1
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=74505
أنيس محسن
رجال سمر نصف عراة يحملون انابيب خشبية ينفخون بها فتصدر اصواتا شجية وقد طليت وجوههم بألوان كأنها أقنعة في لوحة مسرحية قادمة من عمق التاريخ.
إلتف الجمع وتكاثر الناس، فيما الراقص يقفز ويلتف ويصرخ والذهول يتعالى كلما ارتفعت اصوات البوق الغريب.
رواد وسط بيروت كانوا مساء اول من امس على موعد غير متوقع مع فرقة "كوموري" (اهلاً) الاسترالية في حفل اقيم بوسط الشارع، وذلك في اطار جولة على هامش مشاركتها في المهرجان العالمي للمغتربين اللبنانيين الذي يُقام للعام الثاني على التوالي. وكانت الفرقة قدمت عروضا ايضا في كازينو لبنان يوم الثلاثاء الماضي وفي فندق "لو رويال" اول من امس.
اما حفل الشارع وسط بيروت فكان احتفاء بفوز الفرقة بجائزة مهرجان الاغتراب اللبناني لهذه السنة (عبارة عن سفينة فينيقية مصنوعة من شجر الارز) التي عرضت خلال الحفل، وفق ما قال منسق انشطة الجالية اللبنانية في استراليا جمال الريفي لـ"المستقبل"، مضيفاً ان هدف المشاركة في المهرجان الاغترابي والحفلات التي اقيمت على هامشه هو تعريف الشعب اللبناني بتراث السكان الاصليين لاستراليا المعروفون باسم "الابورينجو"، وفتح جسر تواصل بين الاغتراب اللبناني والوطن. وسوف تحتفظ الجالية اللبنانية في استراليا بالجائزة حتى العام المقبل لتعيدها ويحملها فائزون آخرون.
وحكاية الآلة الغريبة التي رافقت الراقصين اغرب من شكلها. ويوضح الريفي ان آلة "فيدجوديرو" من أقدم آلات موسيقى النفخ في العالم، وهي الوحيدة التي لم يصنعها البشر انما يصنعها النمل الابيض الذي يحفر اغصان نوع من الاشجار ويفرغها من لبها فتصبح بعد ذلك آلة موسيقية يستخدمها السكان الاصليون منذ آلاف السنين.
وكانت السفيرة الاسترالية في لبنان ستيفاني شوبسكي حضرت الحفل الذي اقيم في كازينو لبنان، ودعت الوفد الاغترابي الاسترالي من اصل لبناني وفرقة "كوموري" لجلسة خاصة بالسفارة وساهمت بدعم النشاط عبر شراء لوحة فنية وعدت بتعليقها في مبنى السفارة.
وأمس سافر بعض افراد الفرقة الى اليونان حيث من المقرر ان تشارك في النشاطات الفنية التي تقام على هامش الالعاب الاولمبية في اثينا. وكان ساهم في تكلفة حضور الفرقة الى لبنان رعاية من شركة الطيران الماليزية التي نقلت الفرقة والوفد ومدير المهرجان الذي امن السكن لهم.
وقد استقطب المهرجان العالمي للمغتربين اللبنانيين هذا العام وفودا وفرقا فضلا عن استراليا من كل من كندا وجنوب افريقيا والمكسيك والبرازيل التي فازت بالجائزة العام الماضي.
سمير قصير .. الكف على الكف
المستقبل - الاحد 5 حزيران 2005 - العدد 1938 - شؤون لبنانية - صفحة 4
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=124366
انيس محسن
من ساحة البرلمان حيث كنيسة القديس جاوارجيوس الى ساحة الشهداء ومبنى جريدة "النهار"، مجموعات من زملاء ورفاق الصحافي الشهيد سمير قصير تتوافد وتتجمع، يجمعها حال الجهوم.
لا احد يسأل لماذا اغتيل، فالقصة معروفة، الكل يسأل من التالي، خلف من سنسير في اليوم القادم؟...
نحن نسير خلفنا، لكن لا احد منّا يبالي، فحاجز الخوف انكسر منذ اغتيال كبير الشهداء الرئيس رفيق الحريري.
قادة المعارضة ونوابها يتوافدون على جريدة "النهار"، والمشيعون ينتظرون تحت الشمس المحرقة، لا يشعرون بها، فحر الفجيعة اكبر من حمّارة الشمس.
وسط وجوم مستمر، يدوي صوت الاكف تصفيقا، قد وصل العريس، زِفُّوه شهيدا الى مثواه الاخير.. مثواه الذي لن يحبس سوى ما بقي من جسده، لكن دون روحه وقلمه وحريته التي لا تحدها حدود ولا تحبسها لُحود.
الكف على الكف.. تصفيقا، ليس بكاء او عويلاً.
الكف على الكف، لانها ذات الاكف التي تكتب كما كتبت كف الشهيد سمير بلا خوف .. "عسكر على مين".
على الاكف، يرفع النعش عند وصوله.. زملاء قلمه ورفاقه في "اليسار الديموقراطي" والمعارضة يتناوبون حمل الجسد من "النهار" باتجاه كنيسة القديس جاوارجيوس في ساحة البرلمان.
الكف على الكف.. تصفيقا طول الطريق القصيرة.. زِفُّوه فهو عريس الكلمة الحُرَّة الباقية بعد زوال الجسد.
امام البرلمان، يتصاعد نبْض الاكف، والنعش يعلو باتجاه باب المجلس العالي. تصفيقا وتصفيقا لا ينتهي.. لكن الباب العالي كصخرة صماء لا يفتح. من حضر من نواب الامة كان ضمن النبض نفسه، اما الجلمود البرلماني فلا يشعر.. الباب لا يفتح، والنعش يرتفع ويسمو من فيه الى اعلى من السماء.. ونبض الكف يتصاعد.
تصرخ جيزيل: اما من احد.. لا صوت سوى نبض الاكف، لا شيء سوى صوت جيزيل الثكلى تسأل.. هل من يسمع؟
والباب العالي لا يفتح ولا يطل منه احد. ربما لا احد في الداخل، ربما بعض من في الداخل لا احد!
امتار ويدخل الجثمان كنيسة القديس جاوارجيوس حيث تُرفع الصلاة لتَرتفع الروح الى خالقها وكانت قد سمت بكلمته وبلغت اعلى النجوم.
يصدح صوت الكهنة والمصلين:
المسيح قام من بين الاموات ووطئ الموت بالموت
ووهب الحياة للذين في القبور...
نبض الاكف يعلو مجددا.. الكف على الكف تصفيقا وداعا مرة اخرى للجسد بعد الصلاة من الكنيسة الى المدفن.
نبض الاكف التعبير الوحيد الجامع لكل من شارك في التشييع.. والاكف هذه تحمل القلم ولا تعرف كيف يُفَجّر الجسد، انه غير حقد الاكف التي لا تعرف سوى كيف يتم تحضير الـ"سي فور" والضغط على زر التفجير...
انكسر الصمت الذي طالما كسره سمير.. لا محل للصمت بعد الآن، فالاقلام لها صوتها وللايادي التي تحملها نبض.. هو الحرية.
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=124366
انيس محسن
من ساحة البرلمان حيث كنيسة القديس جاوارجيوس الى ساحة الشهداء ومبنى جريدة "النهار"، مجموعات من زملاء ورفاق الصحافي الشهيد سمير قصير تتوافد وتتجمع، يجمعها حال الجهوم.
لا احد يسأل لماذا اغتيل، فالقصة معروفة، الكل يسأل من التالي، خلف من سنسير في اليوم القادم؟...
نحن نسير خلفنا، لكن لا احد منّا يبالي، فحاجز الخوف انكسر منذ اغتيال كبير الشهداء الرئيس رفيق الحريري.
قادة المعارضة ونوابها يتوافدون على جريدة "النهار"، والمشيعون ينتظرون تحت الشمس المحرقة، لا يشعرون بها، فحر الفجيعة اكبر من حمّارة الشمس.
وسط وجوم مستمر، يدوي صوت الاكف تصفيقا، قد وصل العريس، زِفُّوه شهيدا الى مثواه الاخير.. مثواه الذي لن يحبس سوى ما بقي من جسده، لكن دون روحه وقلمه وحريته التي لا تحدها حدود ولا تحبسها لُحود.
الكف على الكف.. تصفيقا، ليس بكاء او عويلاً.
الكف على الكف، لانها ذات الاكف التي تكتب كما كتبت كف الشهيد سمير بلا خوف .. "عسكر على مين".
على الاكف، يرفع النعش عند وصوله.. زملاء قلمه ورفاقه في "اليسار الديموقراطي" والمعارضة يتناوبون حمل الجسد من "النهار" باتجاه كنيسة القديس جاوارجيوس في ساحة البرلمان.
الكف على الكف.. تصفيقا طول الطريق القصيرة.. زِفُّوه فهو عريس الكلمة الحُرَّة الباقية بعد زوال الجسد.
امام البرلمان، يتصاعد نبْض الاكف، والنعش يعلو باتجاه باب المجلس العالي. تصفيقا وتصفيقا لا ينتهي.. لكن الباب العالي كصخرة صماء لا يفتح. من حضر من نواب الامة كان ضمن النبض نفسه، اما الجلمود البرلماني فلا يشعر.. الباب لا يفتح، والنعش يرتفع ويسمو من فيه الى اعلى من السماء.. ونبض الكف يتصاعد.
تصرخ جيزيل: اما من احد.. لا صوت سوى نبض الاكف، لا شيء سوى صوت جيزيل الثكلى تسأل.. هل من يسمع؟
والباب العالي لا يفتح ولا يطل منه احد. ربما لا احد في الداخل، ربما بعض من في الداخل لا احد!
امتار ويدخل الجثمان كنيسة القديس جاوارجيوس حيث تُرفع الصلاة لتَرتفع الروح الى خالقها وكانت قد سمت بكلمته وبلغت اعلى النجوم.
يصدح صوت الكهنة والمصلين:
المسيح قام من بين الاموات ووطئ الموت بالموت
ووهب الحياة للذين في القبور...
نبض الاكف يعلو مجددا.. الكف على الكف تصفيقا وداعا مرة اخرى للجسد بعد الصلاة من الكنيسة الى المدفن.
نبض الاكف التعبير الوحيد الجامع لكل من شارك في التشييع.. والاكف هذه تحمل القلم ولا تعرف كيف يُفَجّر الجسد، انه غير حقد الاكف التي لا تعرف سوى كيف يتم تحضير الـ"سي فور" والضغط على زر التفجير...
انكسر الصمت الذي طالما كسره سمير.. لا محل للصمت بعد الآن، فالاقلام لها صوتها وللايادي التي تحملها نبض.. هو الحرية.
5 سنوات على انتفاضة الأقصى: إسقاط جزء آخر من الحلم الصهيوني
قطاع غزة يعيش اختلالات عدّة أهمها مسألة المعابر وتعدد السلطات والافتقاد الى البنى الاقتصادية
بعض الفلسطينيين لا يقرأون أسباب الهزائم ويبدأون دائماً من نقطة الصفر ولا يبنون على ما سبق
المستقبل - الخميس 29 أيلول 2005 - العدد 2054 - شؤون عربية و دولية - صفحة 14
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=143342
أنيس محسن
تطفئ انتفاضة الأقصى اليوم شمعة عامها الخامس، بإرادة فلسطينية متقدة لم تهن رغم كل الدماء التي سالت والتضحيات التي قدمت، أمناً واقتصاداً وحياة. تضاء الشمعة السادسة وقد حدثت متغيرات تنبئ بمسار آخر للقضية الفلسطينية مختلفة عن السنوات الـ47 التي تلت نكبة العام 1948.
بدءاً من الآخر، حيث خلا قطاع غزة (بحدوده التي رسمت بعد العام 48) من التواجد الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي في عملية يختلف الفلسطينيون على تقييمها، بين متبنٍ لتصور أن التحرير جاء نتيجة عمل سياسي قامت به الحكومة الفلسطينية منذ تولى محمود عباس الرئاسة الفلسطينية خلفاً للرئيس الراحل ياسر عرفات ولتضحيات وصبر الشعب الفلسطيني، وبين مشدد على أن التحرير جاء جراء العمل المسلح الذي تتبناه غالبية، إن لم تكن كل، الفصائل الفلسطينية. فيما يضيف آخرون أن الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة، إنما حدث بسبب إدراك إسرائيل لسلاح آخر يمتلكه الفلسطينيون، هو سلاح الديموغرافيا.
لكن تحرير غزة، وإن اختلفت الآراء حوله، عمل ناقص، يحتاج الى الكثير الكثير قبل أن يكون ناجزاً. فالقطاع الذي يعيش للمرة الأولى في تاريخه واقع عدم وجود أي قوة احتلال أو وصاية (كان تحت الانتداب البريطاني حتى العام 48 ووقع تحت الوصاية المصرية حتى 1967 والاحتلال الإسرائيلي حتى 15 آب/ أغسطس الماضي)، يقع تحت وطأة اختلالات عدة، أهمها: ان الحدود لم تفتح بعد على الخارج وسط إصرار إسرائيلي على مراقبتها بشكل مباشر، وهو يرزح تحت حكم سلطات وليس سلطة واحدة حيث كل فصيل سلطة و"حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) أكبرها فيما "السلطة الفلسطينية" (المسؤولة رسمياً عن القطاع) أضعف من أن تحكم وإن أرادت فإنها ستواجه بسطوة "المليشيات"، وإن واجهت فقد تتسبب بحرب داخلية. كما أن القطاع الذي يعتبر أكثر مكان مكتظ بالسكان في العالم يفتقد أي إمكانية للتطوير الاقتصادي وبحاجة، تبعاً للواقع هذا، الى مساعدات دولية في كل القطاعات الاقتصادية والمؤسسية، وهو من دون بنية تحتية، وإعادة بناء اقتصاده مشروط دولياً بالهدوء التام وعدم إزعاج الأمن الإسرائيلي.
ثم ان تحرير غزة وإن اكتمل، فإن المسألة لن تتوقف عنده، حيث ان تحرير الأرض المحتلة منذ العام 67 في الضفة والقدس لإقامة الدولة الفلسطينية فوق تلك المساحة أمر لا مجال للتخلي عنه. علماً أن الأمر ليس سهلاً بسبب التعنت الإسرائيلي والإصرار على تغيير المعالم الجغرافية في الضفة والقدس على حد سواء، عبر بناء جدار الفصل العنصري الذي يجعلها معازل أين منها معازل جنوب افريقيا ابان حكم الفصل العنصري، وكذلك من خلال مخطط لخفض عدد الفلسطينيين في القدس المحتلة، حيث حذرت الأمم المتحدة أخيراً من أن إسرائيل تسرع في إنجازه.
تكراراً، بغض النظر عمّن حرر القطاع، السلطة أم المقاومة المسلحة أم خوف إسرائيل من خطر الديموغرافيا، فإن الخشية الكبرى هي أن تكمل إسرائيل مخطط رئيس وزرائها ارييل شارون (فك الارتباط الاحادي) وتجعل غزة أولاً وأخيراً بعدما تكون أكملت مخططها الرئيسي لقضم الضفة وإنهاء التواجد الفلسطيني في القدس، وتضع بذلك الفلسطينيين والعالم أمام واقع أن يقبلوا بما هو متاح.. فشيء "غزة" أفضل من لا شيء، طبعاً وفق المنطق الذي تسعى إسرائيل الى زرعه في العقل الفلسطيني. والمخطط الإسرائيلي هذا، قابل للتنفيذ. فإسرائيل تمتلك القدرة المادية والميدانية لإحداث التعديلات التي تراها مناسبة، وتعتمد على تقديرات "العدو" غير المناسبة لتنفيذ ما تريد. و"العدو"، وهو هنا الطرف الفلسطيني الذي يمتهن اقتراف الأخطاء، كما حدث بعد الانسحاب الذي جرى من غزة، ويعطي هدايا مجانية لإسرائيل كي تنفذ مآربها مع "تفهم دولي".
قد يصيب هنا ما نقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي ابان حرب حزيران 1967 موشي ديان الذي قال رداً عن استفسار حول السبب الذي يجعل إسرائيل تكسب كل حروبها مع العرب، وأي استراتيجية تتبعها في تحقيق نجاحاتها؟: ان إسرائيل اتبعت في كل حروبها الخطط ذاتها لأن العرب لا يقرأون أسباب هزائمهم.
انطلاقاً مما سبق، بعض الفلسطينيين لا يبدو أنهم يقرأون أسباب الهزائم، وهم يبدأون دائماً من نقطة الصفر ولا يبنون على ما سبق. هذا ليس تجنياً، إنما واقع يمكن الاستدلال عليه في ما يلي:
نجح الفلسطينيون في فرض واقع عربي جديد منذ اطلاق النضال المسلح في العام 1965، وتمكنوا من احتلال ساح الصراع مع إسرائيل بعد هزيمة 67. وفرضوا على العالم أن يعترف بوجودهم. لكن عدم وجود سند استراتيجي رسمي عربي، بشكل عملي (طبعاً الأنظمة العربية كانت تطلق الخطب الرنانة عن فلسطين والثورة وتطعن الثورة بالظهر من خلال استخدام فلسطين للحفاظ على مواقع السلطة)، وميزان القوى العسكري والسياسي الدولي الراجح كثيراً لإسرائيل، أوصل الكفاح في لحظة ما الى أن يصبح قليل الفاعلية، خصوصاً مع تداخل الوضعين الفلسطيني والعربي وتدخل الواحد بالآخر كما جرى في الأردن ثم لبنان.
ومن دون خوض غمار السبب والمسبب في ما جرى في الأردن ولبنان، كان من المنطقي أن يتنبه بعض المتنورين الفلسطينيين الى أن الكفاح ليس مسلحاً فقط، بل ممكن أن يكون أجدى سياسياً وديبلوماسياً، وهنا كانت فكرة البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الذي تبناه الرئيس الراحل ياسر عرفات في العام 1973، ورفضته غالبية الفصائل الأخرى، بل ذهب بعضها في مراحل لاحقة الى تخوين عرفات وقيادة منظمة التحرير "الفتحاوية"، لتعود في مراحل أخرى الى تبني هذا البرنامج والعودة عن منطق التخوين.
مع بلوغ عقد ثمانينيات القرن الماضي، كان الكفاح الفلسطيني المسلح بلغ ذروة الضعف، لا سيما وأن الفصائل كلها، أسست تشكيلات عسكرية أشبه بالجيوش النظامية وتركت العمل العصابي جانباً وانخرطت في حرب لبنان طرفاً أساسياً فيها، ليأتي الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 سهلاً تبعاً للضعف هذا وبلا مقاومة تذكر إلا في بيروت، التي رحل المقاتلون عنها بتسوية سياسية دولية.
هزيمة العام 1982، وإن شاء الكثيرون إعطائها صفة النصر تيمناً بمعركة بيروت، دفعت بعض القيادات، لا سيما الشهيد خليل الوزير (ابو جهاد) الى تبني استراتيجية نقل زخم الثورة المتداعي الى الداخل الفلسطيني، ونجح بأن ساهم في إطلاق أول انتفاضة ضد إسرائيل في الأراضي المحتلة في العام 1987، والتي مهدت بدورها الى مفاوضات أوسلو، ومن ثم الى ما عرف بتفاهمات أوسلو في العام 1993 ودخول منظمة التحرير في مصالحة مع إسرائيل عبر الاعتراف بالأخيرة والتخلي عن الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يدعو لإزالة إسرائيل.
أقامت فصائل الرفض الفلسطينية الأرض ولم تقعدها على تفاهمات أوسلو، واتهمت قيادة منظمة التحرير بالتفريط بتضحيات الشعب الفلسطيني واستخدامها في تقديم التنازلات لإسرائيل، علماً أن كل الفصائل التحقت بعرفات في الدخول الى الأراضي الفلسطينية بعد العام 1996، محافظة في الوقت ذاته على رفض تفاهمات أوسلو، وما تزال على موقفها الى اليوم، أقله كلامياً.
بغض النظر عمّا إذا كان بإمكان مفاوضي اوسلو الفلسطينيين جمع مكاسب أخرى لو اتبعت استراتيجية تفاوض صحيحة، كما كان يقول المفكر الراحل ادوار سعيد الذي عاداه الرئيس الراحل عرفات على مواقفه المنتقدة بشدة لنتائج أوسلو، فإن هذه التفاهمات أحدثت اختلالاً ليس في الصف الفلسطيني فقط، بل وفي عمق الفكر الصهيوني لإسرائيل.
إذاً، على المقلب الآخر، أحدثت تفاهمات أوسلو شرخاً في الداخل الإسرائيلي، بلغ ذروته في اغتيال رئيس الحكومة السابق اسحق رابين، ليكون أول مسؤول إسرائيلي بهذا المستوى يقتل بيد يهودية. ونمت التيارات الأكثر تشدداً في إسرائيل وتمكنت من إشغال الساحة التي شغرت بعد غياب رابين، لا سيما وأن خلفه في حزب العمل والحكومة ايهود باراك فشل في إقناع الإسرائيليين بتقديم تنازلات للفلسطينيين، وفشل في فرض أمر واقع على الفلسطينيين، خلال اجتماعات كامب ديفيد وواي بلانتيشن بمشاركة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، عبر محاولة إجبار عرفات القبول بدولة فلسطينية من دون القدس عاصمة لها وبسلخ أجزاء كبيرة من الضفة (تلك التي تتضمن المستوطنات الكبرى) وضمها الى إسرائيل.
كانت الساح السياسية الإسرائيلية باشرت استدارة كبرى بعد مقتل رابين، واقتربت الاستدارة من الاكتمال مع فشل كامب ديفيد وواي بلانتيشن، وتعززت بوصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ثم اكتملت بوصول ارييل شارون الى كرسي الحكم في إسرائيل.
ولم يكن الفشل هذا وقفاً على تطور في إسرائيل، إذ أن الطرف الفلسطيني كان يدخل مرحلة جديدة من الحياة السياسية، ليستبدل الاسترخاء الذي أعقب السنوات الأولى لإقامة السلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية بجملة من المشاكل الداخلية متمثلة بتفشي الفساد في السلطة وعدم القدرة على التطور اقتصادياً. والخارجية من خلال تخلي الولايات المتحدة عن عرفات شيئاً فشيئاً وصولاً الى عزله سياسياً أولاً، قبل أن توافق بعدما وصل جورج بوش الى الرئاسة في العام 2000 على سجنه في المقاطعة عقب عملية "السور الواقي" التي شنها شارون وأعاد من خلالها احتلال الضفة الغربية.
قبل ذلك، كانت زيارة شارون في 28 أيلول (سبتمبر) 2000 الى الحرم القدسي الشريف، الشرارة التي أطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) اعتباراً من اليوم التالي للزيارة، واتخذت هذه الانتفاضة في أشهرها الأولى مساراً احتجاجياً عبر التظاهرات ومواجهة الرصاص الإسرائيلي بالحجارة، قبل أن تتحول بقرار من "حماس" الى مواجهة مسلحة، ويكون ما كان ويسيل الكثير من الدماء، وصولاً الى وفاة الزعيم التاريخي للفلسطينيين ياسر عرفات واغتيال مؤسس "حماس" احمد ياسين وخلفه عبد العزيز الرنتيسي وقبلهما أمين عام الجبهة الشعبية ابو علي مصطفى وبعدهم وقبلهم قادة ميدانيون من الحركة والفصائل الأخرى.
غيرت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن في شكل ومضمون السياسة العالمية، وأطلقت يد الولايات المتحدة تفعل ما تريد في أي مكان تريده، فاحتلت أفغانستان بذريعة ضرب تنظيم "القاعدة"، ثم احتلت العراق في نيسان 2003، لتخلط الخارطة الجيو سياسية في المنطقة بهدف إعادة تركيبها مجدداً على الرغم من الرفض العالمي لهذه المغامرة. وفي حين تمكنت بسهولة غير مفاجئة من احتلال العراق، لم تتمكن من قيادة مرحلة ما بعد الحرب بالنجاح نفسه.
بدت الولايات المتحدة في الولاية الثانية لبوش أكثر تفهماً للمواقف الدولية الرافضة للتغيير بالقوة، وشرعت في تعديل سياستها الخارجية متبعة أسلوب التغيير من الداخل وبأدوات داخلية مع دعم خارجي، وفق المنطق الأوروبي.
وفق هذه الاستراتيجية الجديدة، بدأت أيضاً تتفهم ضرورة معالجة بعض مسببات الإرهاب الذي أصابها في الصميم في 2001. وكانت قضية فلسطين واحدة من تلك الملفات التي عدلت النظرة الأميركية اتجاهها، فأطلقت مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة "اللجنة الرباعية" الدولية التي تسلمت مسؤولية معالجة هذا الملف الشائك.
وقد ساهم وصول عباس الى سدة الرئاسة الفلسطينية في كانون الثاني/ يناير الماضي خلفاً لعرفات الذي وافته المنية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، في وضع تصور جديد، بات يعرف بـ"رؤية بوش" لدولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنباً الى جنب بسلام.
وعباس، هو من أهم مهندسي تفاهمات أوسلو، ومن الداعين الى الأخذ بالاعتبار اختلالات موازين القوى السياسية والعسكرية لمصلحة إسرائيل، والتعامل مع الواقع لتغييره. ومنذ فوزه بانتخابات الرئاسة بناء على برنامج شامل، أساسه وقف عسكرة الانتفاضة في هذه الفترة، حورب بشدة، لا سيما من قبل "حماس" التي استفادت من حمام الدم الإسرائيلي ضد الفلسطينيين لتبني لنفسها قاعدة جماهيرية واسعة، حاسمة في غزة ومعقولة في الضفة.
تنبه شارون للمخاطر التي تحيق بإسرائيل من خلال "رؤية بوش" واستراتيجية عباس، فعمد الى إطلاق خطة "فك الارتباط" احادية الجانب، ونفذها فعلاً منتصف آب (تموز) الماضي، متمنياً أن تحدث الخطة حرباً داخلية فلسطينية.
لم تحدث الحرب الأهلية الفلسطينية، لكن الفوضى التي تستشري كانت كفيلة بالحد من خطورة استراتيجية عباس الهادفة الى تهدئة الساحة الفلسطينية ورمي الكرة الى الملعب الإسرائيلي، وساهمت "حماس" على وجه الخصوص وباقي الفصائل عامة، في الحد منها من خلال إصرارها على إطلاق صواريخ قتلت ودمرت في الجانب الفلسطيني أكثر مما أحدثت من قتل ودمار في الجانب الإسرائيلي، وهذا أمر تظهره الاحصاءات، التي تظهر أيضاً أن حجم الخسائر البشرية الفلسطينية بعد عسكرة الانتفاضة أكبر كثيراً من حجمه قبل تسليحها.
وكانت نقطة الذروة بالانفجار الذي حدث في مسيرة "حماس" في مخيم جباليا للاحتفال بالانسحاب الإسرائيلي من غزة أخيراً، وراح ضحيته 20 شهيداً وعشرات الجرحى وتحميل إسرائيل مسؤولية والمبادرة الى رمي تلك الصواريخ مجدداً، في وقت كان شارون يخوض معركة مع نتنياهو على رئاسة الليكود تخص مستقبله السياسي كله، فيحدث ما حدث وتطلق إسرائيل عمليتها الأخيرة المسماة "أول الغيث". ثم مجدداً تتراجع "حماس" وتقبل الهدنة، معترفة ضمناً بأن انفجار مخيم جباليا كان داخلياً.
القصة ذاتها، الانطلاق من الصفر من دون البناء على ما سبق. وكأن "حماس" تكرر كل ما دأبت عليه فصائل اليسار الفلسطيني الرافضة منذ 1973، تاريخ إعلان البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير، وصولاً الى مرحلة أوسلو، وتداعيات ما بعدها حتى الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
فإذا كان الفلسطينيون ضيعوا منذ إطلاق البرنامج المرحلي حتى أوسلو عشرين سنة ليعتمدوه مجدداً بإجماع فصائل منظمة التحرير، موالاة ومعارضة، فإن من الخطأ أن تتكرر التجربة مجدداً وتهدر عشرين سنة أخرى بين إطلاق رؤية الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدولة فلسطينية مستقلة بالاعتماد على المتغيرات الدولية التي قد تكون اللحظة المناسبة لتحقيقها، وبين إدراك "الرفضاويين" الجدد خطأ عدم تقديرهم لتلك اللحظة.
إن اللحظة الدولية هي التي ضغطت على شارون لتنفيذ الانسحاب من غزة بعدما كان يرى "نتساريم" كأنها تل ابيب، ذلك أن العدو هذا أدرك تلك اللحظة ويعمل على الإفلات منها بأقل ضرر ممكن، فينسحب من غزة طمعاً بضم بعض الضفة وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية.
في المقابل، هناك في الساحة الفلسطينية من لا يزال يخلط بين الحق والحقيقة. فإذا كانت فلسطين حق فلسطيني فإن الحقيقة أن إسرائيل موجودة ومعترف بها وتملك ناصية القوة في المنطقة كلها. وهم ذاتهم "الرافضون" لونوا ثوبهم الأحمر القديم بلون أخضر فطالبوا بالحق متجاهلين الحقيقة، ثم اعترفوا مجانبة بالحقيقة، وانساقوا وراء ثقل شعبي موقت ليعلنوا النصر لهم فقط دون الآخرين، لأنهم يعتقدون أنهم يمتلكون كل الحقيقة.
المفارقة التي لا بد من النظر اليها، مثلاً أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (الماركسية) كانت سيدة الموقف في غزة في سبعينيات القرن الماضي، ثم تلاشى تواجدها هناك وفي باقي المناطق الى درجة أن حجم تأييدها فلسطينياً وفق استطلاعات الرأي الأخيرة لا يتعدى 3 في المئة. الآن "حماس" (الخضراء) سيدة الموقف في القطاع نفسه، فهل تتمكن من الحفاظ على هذا الواقع. الواقع يقول إن مجمل التصرفات من العراضات المسلحة وتكرار الأخطاء وتكبير حجم الذات أكثر مما هو، قد يجعل "الأخضر" يلحق بـ"الأحمر"، ويضيع سنوات جديدة هباء.
ما يجب التأكيد عليه، أن النظر بعين واحدة وتوهم امتلاك كل الحقيقة أمر ليس جديداً. ومن هذا المنطلق كان النظر ينشد الى اعتبار أن الفلسطيني هو الخاسر من أي مساومة وأن إسرائيل هي الرابح الوحيد. لكن اتفاق أوسلو وبكل علاته، أنهى وهماً صهيونياً امتد لأكثر من مئة سنة بأن حقها التوراتي دولة من النيل الى الفرات، بحيث رفضت وضع أي حدود لهذه الدولة، والآن وبعد "فك الارتباط" بكل علاته أيضاً، أعلنت إسرائيل حدودها مع غزة حدوداً دولية. وإذا وعى البعض "الرافض" هذا الأمر، من الممكن الانطلاق مجدداً نحو الضفة الغربية بسلاح الوحدة والتنوع، واقتطاع جزء آخر من الحلم الصهيوني.. والتاريخ كفيل بما تبقى.
بعض الفلسطينيين لا يقرأون أسباب الهزائم ويبدأون دائماً من نقطة الصفر ولا يبنون على ما سبق
المستقبل - الخميس 29 أيلول 2005 - العدد 2054 - شؤون عربية و دولية - صفحة 14
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=143342
أنيس محسن
تطفئ انتفاضة الأقصى اليوم شمعة عامها الخامس، بإرادة فلسطينية متقدة لم تهن رغم كل الدماء التي سالت والتضحيات التي قدمت، أمناً واقتصاداً وحياة. تضاء الشمعة السادسة وقد حدثت متغيرات تنبئ بمسار آخر للقضية الفلسطينية مختلفة عن السنوات الـ47 التي تلت نكبة العام 1948.
بدءاً من الآخر، حيث خلا قطاع غزة (بحدوده التي رسمت بعد العام 48) من التواجد الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي في عملية يختلف الفلسطينيون على تقييمها، بين متبنٍ لتصور أن التحرير جاء نتيجة عمل سياسي قامت به الحكومة الفلسطينية منذ تولى محمود عباس الرئاسة الفلسطينية خلفاً للرئيس الراحل ياسر عرفات ولتضحيات وصبر الشعب الفلسطيني، وبين مشدد على أن التحرير جاء جراء العمل المسلح الذي تتبناه غالبية، إن لم تكن كل، الفصائل الفلسطينية. فيما يضيف آخرون أن الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة، إنما حدث بسبب إدراك إسرائيل لسلاح آخر يمتلكه الفلسطينيون، هو سلاح الديموغرافيا.
لكن تحرير غزة، وإن اختلفت الآراء حوله، عمل ناقص، يحتاج الى الكثير الكثير قبل أن يكون ناجزاً. فالقطاع الذي يعيش للمرة الأولى في تاريخه واقع عدم وجود أي قوة احتلال أو وصاية (كان تحت الانتداب البريطاني حتى العام 48 ووقع تحت الوصاية المصرية حتى 1967 والاحتلال الإسرائيلي حتى 15 آب/ أغسطس الماضي)، يقع تحت وطأة اختلالات عدة، أهمها: ان الحدود لم تفتح بعد على الخارج وسط إصرار إسرائيلي على مراقبتها بشكل مباشر، وهو يرزح تحت حكم سلطات وليس سلطة واحدة حيث كل فصيل سلطة و"حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) أكبرها فيما "السلطة الفلسطينية" (المسؤولة رسمياً عن القطاع) أضعف من أن تحكم وإن أرادت فإنها ستواجه بسطوة "المليشيات"، وإن واجهت فقد تتسبب بحرب داخلية. كما أن القطاع الذي يعتبر أكثر مكان مكتظ بالسكان في العالم يفتقد أي إمكانية للتطوير الاقتصادي وبحاجة، تبعاً للواقع هذا، الى مساعدات دولية في كل القطاعات الاقتصادية والمؤسسية، وهو من دون بنية تحتية، وإعادة بناء اقتصاده مشروط دولياً بالهدوء التام وعدم إزعاج الأمن الإسرائيلي.
ثم ان تحرير غزة وإن اكتمل، فإن المسألة لن تتوقف عنده، حيث ان تحرير الأرض المحتلة منذ العام 67 في الضفة والقدس لإقامة الدولة الفلسطينية فوق تلك المساحة أمر لا مجال للتخلي عنه. علماً أن الأمر ليس سهلاً بسبب التعنت الإسرائيلي والإصرار على تغيير المعالم الجغرافية في الضفة والقدس على حد سواء، عبر بناء جدار الفصل العنصري الذي يجعلها معازل أين منها معازل جنوب افريقيا ابان حكم الفصل العنصري، وكذلك من خلال مخطط لخفض عدد الفلسطينيين في القدس المحتلة، حيث حذرت الأمم المتحدة أخيراً من أن إسرائيل تسرع في إنجازه.
تكراراً، بغض النظر عمّن حرر القطاع، السلطة أم المقاومة المسلحة أم خوف إسرائيل من خطر الديموغرافيا، فإن الخشية الكبرى هي أن تكمل إسرائيل مخطط رئيس وزرائها ارييل شارون (فك الارتباط الاحادي) وتجعل غزة أولاً وأخيراً بعدما تكون أكملت مخططها الرئيسي لقضم الضفة وإنهاء التواجد الفلسطيني في القدس، وتضع بذلك الفلسطينيين والعالم أمام واقع أن يقبلوا بما هو متاح.. فشيء "غزة" أفضل من لا شيء، طبعاً وفق المنطق الذي تسعى إسرائيل الى زرعه في العقل الفلسطيني. والمخطط الإسرائيلي هذا، قابل للتنفيذ. فإسرائيل تمتلك القدرة المادية والميدانية لإحداث التعديلات التي تراها مناسبة، وتعتمد على تقديرات "العدو" غير المناسبة لتنفيذ ما تريد. و"العدو"، وهو هنا الطرف الفلسطيني الذي يمتهن اقتراف الأخطاء، كما حدث بعد الانسحاب الذي جرى من غزة، ويعطي هدايا مجانية لإسرائيل كي تنفذ مآربها مع "تفهم دولي".
قد يصيب هنا ما نقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي ابان حرب حزيران 1967 موشي ديان الذي قال رداً عن استفسار حول السبب الذي يجعل إسرائيل تكسب كل حروبها مع العرب، وأي استراتيجية تتبعها في تحقيق نجاحاتها؟: ان إسرائيل اتبعت في كل حروبها الخطط ذاتها لأن العرب لا يقرأون أسباب هزائمهم.
انطلاقاً مما سبق، بعض الفلسطينيين لا يبدو أنهم يقرأون أسباب الهزائم، وهم يبدأون دائماً من نقطة الصفر ولا يبنون على ما سبق. هذا ليس تجنياً، إنما واقع يمكن الاستدلال عليه في ما يلي:
نجح الفلسطينيون في فرض واقع عربي جديد منذ اطلاق النضال المسلح في العام 1965، وتمكنوا من احتلال ساح الصراع مع إسرائيل بعد هزيمة 67. وفرضوا على العالم أن يعترف بوجودهم. لكن عدم وجود سند استراتيجي رسمي عربي، بشكل عملي (طبعاً الأنظمة العربية كانت تطلق الخطب الرنانة عن فلسطين والثورة وتطعن الثورة بالظهر من خلال استخدام فلسطين للحفاظ على مواقع السلطة)، وميزان القوى العسكري والسياسي الدولي الراجح كثيراً لإسرائيل، أوصل الكفاح في لحظة ما الى أن يصبح قليل الفاعلية، خصوصاً مع تداخل الوضعين الفلسطيني والعربي وتدخل الواحد بالآخر كما جرى في الأردن ثم لبنان.
ومن دون خوض غمار السبب والمسبب في ما جرى في الأردن ولبنان، كان من المنطقي أن يتنبه بعض المتنورين الفلسطينيين الى أن الكفاح ليس مسلحاً فقط، بل ممكن أن يكون أجدى سياسياً وديبلوماسياً، وهنا كانت فكرة البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الذي تبناه الرئيس الراحل ياسر عرفات في العام 1973، ورفضته غالبية الفصائل الأخرى، بل ذهب بعضها في مراحل لاحقة الى تخوين عرفات وقيادة منظمة التحرير "الفتحاوية"، لتعود في مراحل أخرى الى تبني هذا البرنامج والعودة عن منطق التخوين.
مع بلوغ عقد ثمانينيات القرن الماضي، كان الكفاح الفلسطيني المسلح بلغ ذروة الضعف، لا سيما وأن الفصائل كلها، أسست تشكيلات عسكرية أشبه بالجيوش النظامية وتركت العمل العصابي جانباً وانخرطت في حرب لبنان طرفاً أساسياً فيها، ليأتي الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 سهلاً تبعاً للضعف هذا وبلا مقاومة تذكر إلا في بيروت، التي رحل المقاتلون عنها بتسوية سياسية دولية.
هزيمة العام 1982، وإن شاء الكثيرون إعطائها صفة النصر تيمناً بمعركة بيروت، دفعت بعض القيادات، لا سيما الشهيد خليل الوزير (ابو جهاد) الى تبني استراتيجية نقل زخم الثورة المتداعي الى الداخل الفلسطيني، ونجح بأن ساهم في إطلاق أول انتفاضة ضد إسرائيل في الأراضي المحتلة في العام 1987، والتي مهدت بدورها الى مفاوضات أوسلو، ومن ثم الى ما عرف بتفاهمات أوسلو في العام 1993 ودخول منظمة التحرير في مصالحة مع إسرائيل عبر الاعتراف بالأخيرة والتخلي عن الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يدعو لإزالة إسرائيل.
أقامت فصائل الرفض الفلسطينية الأرض ولم تقعدها على تفاهمات أوسلو، واتهمت قيادة منظمة التحرير بالتفريط بتضحيات الشعب الفلسطيني واستخدامها في تقديم التنازلات لإسرائيل، علماً أن كل الفصائل التحقت بعرفات في الدخول الى الأراضي الفلسطينية بعد العام 1996، محافظة في الوقت ذاته على رفض تفاهمات أوسلو، وما تزال على موقفها الى اليوم، أقله كلامياً.
بغض النظر عمّا إذا كان بإمكان مفاوضي اوسلو الفلسطينيين جمع مكاسب أخرى لو اتبعت استراتيجية تفاوض صحيحة، كما كان يقول المفكر الراحل ادوار سعيد الذي عاداه الرئيس الراحل عرفات على مواقفه المنتقدة بشدة لنتائج أوسلو، فإن هذه التفاهمات أحدثت اختلالاً ليس في الصف الفلسطيني فقط، بل وفي عمق الفكر الصهيوني لإسرائيل.
إذاً، على المقلب الآخر، أحدثت تفاهمات أوسلو شرخاً في الداخل الإسرائيلي، بلغ ذروته في اغتيال رئيس الحكومة السابق اسحق رابين، ليكون أول مسؤول إسرائيلي بهذا المستوى يقتل بيد يهودية. ونمت التيارات الأكثر تشدداً في إسرائيل وتمكنت من إشغال الساحة التي شغرت بعد غياب رابين، لا سيما وأن خلفه في حزب العمل والحكومة ايهود باراك فشل في إقناع الإسرائيليين بتقديم تنازلات للفلسطينيين، وفشل في فرض أمر واقع على الفلسطينيين، خلال اجتماعات كامب ديفيد وواي بلانتيشن بمشاركة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، عبر محاولة إجبار عرفات القبول بدولة فلسطينية من دون القدس عاصمة لها وبسلخ أجزاء كبيرة من الضفة (تلك التي تتضمن المستوطنات الكبرى) وضمها الى إسرائيل.
كانت الساح السياسية الإسرائيلية باشرت استدارة كبرى بعد مقتل رابين، واقتربت الاستدارة من الاكتمال مع فشل كامب ديفيد وواي بلانتيشن، وتعززت بوصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ثم اكتملت بوصول ارييل شارون الى كرسي الحكم في إسرائيل.
ولم يكن الفشل هذا وقفاً على تطور في إسرائيل، إذ أن الطرف الفلسطيني كان يدخل مرحلة جديدة من الحياة السياسية، ليستبدل الاسترخاء الذي أعقب السنوات الأولى لإقامة السلطة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية بجملة من المشاكل الداخلية متمثلة بتفشي الفساد في السلطة وعدم القدرة على التطور اقتصادياً. والخارجية من خلال تخلي الولايات المتحدة عن عرفات شيئاً فشيئاً وصولاً الى عزله سياسياً أولاً، قبل أن توافق بعدما وصل جورج بوش الى الرئاسة في العام 2000 على سجنه في المقاطعة عقب عملية "السور الواقي" التي شنها شارون وأعاد من خلالها احتلال الضفة الغربية.
قبل ذلك، كانت زيارة شارون في 28 أيلول (سبتمبر) 2000 الى الحرم القدسي الشريف، الشرارة التي أطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) اعتباراً من اليوم التالي للزيارة، واتخذت هذه الانتفاضة في أشهرها الأولى مساراً احتجاجياً عبر التظاهرات ومواجهة الرصاص الإسرائيلي بالحجارة، قبل أن تتحول بقرار من "حماس" الى مواجهة مسلحة، ويكون ما كان ويسيل الكثير من الدماء، وصولاً الى وفاة الزعيم التاريخي للفلسطينيين ياسر عرفات واغتيال مؤسس "حماس" احمد ياسين وخلفه عبد العزيز الرنتيسي وقبلهما أمين عام الجبهة الشعبية ابو علي مصطفى وبعدهم وقبلهم قادة ميدانيون من الحركة والفصائل الأخرى.
غيرت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن في شكل ومضمون السياسة العالمية، وأطلقت يد الولايات المتحدة تفعل ما تريد في أي مكان تريده، فاحتلت أفغانستان بذريعة ضرب تنظيم "القاعدة"، ثم احتلت العراق في نيسان 2003، لتخلط الخارطة الجيو سياسية في المنطقة بهدف إعادة تركيبها مجدداً على الرغم من الرفض العالمي لهذه المغامرة. وفي حين تمكنت بسهولة غير مفاجئة من احتلال العراق، لم تتمكن من قيادة مرحلة ما بعد الحرب بالنجاح نفسه.
بدت الولايات المتحدة في الولاية الثانية لبوش أكثر تفهماً للمواقف الدولية الرافضة للتغيير بالقوة، وشرعت في تعديل سياستها الخارجية متبعة أسلوب التغيير من الداخل وبأدوات داخلية مع دعم خارجي، وفق المنطق الأوروبي.
وفق هذه الاستراتيجية الجديدة، بدأت أيضاً تتفهم ضرورة معالجة بعض مسببات الإرهاب الذي أصابها في الصميم في 2001. وكانت قضية فلسطين واحدة من تلك الملفات التي عدلت النظرة الأميركية اتجاهها، فأطلقت مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة "اللجنة الرباعية" الدولية التي تسلمت مسؤولية معالجة هذا الملف الشائك.
وقد ساهم وصول عباس الى سدة الرئاسة الفلسطينية في كانون الثاني/ يناير الماضي خلفاً لعرفات الذي وافته المنية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، في وضع تصور جديد، بات يعرف بـ"رؤية بوش" لدولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنباً الى جنب بسلام.
وعباس، هو من أهم مهندسي تفاهمات أوسلو، ومن الداعين الى الأخذ بالاعتبار اختلالات موازين القوى السياسية والعسكرية لمصلحة إسرائيل، والتعامل مع الواقع لتغييره. ومنذ فوزه بانتخابات الرئاسة بناء على برنامج شامل، أساسه وقف عسكرة الانتفاضة في هذه الفترة، حورب بشدة، لا سيما من قبل "حماس" التي استفادت من حمام الدم الإسرائيلي ضد الفلسطينيين لتبني لنفسها قاعدة جماهيرية واسعة، حاسمة في غزة ومعقولة في الضفة.
تنبه شارون للمخاطر التي تحيق بإسرائيل من خلال "رؤية بوش" واستراتيجية عباس، فعمد الى إطلاق خطة "فك الارتباط" احادية الجانب، ونفذها فعلاً منتصف آب (تموز) الماضي، متمنياً أن تحدث الخطة حرباً داخلية فلسطينية.
لم تحدث الحرب الأهلية الفلسطينية، لكن الفوضى التي تستشري كانت كفيلة بالحد من خطورة استراتيجية عباس الهادفة الى تهدئة الساحة الفلسطينية ورمي الكرة الى الملعب الإسرائيلي، وساهمت "حماس" على وجه الخصوص وباقي الفصائل عامة، في الحد منها من خلال إصرارها على إطلاق صواريخ قتلت ودمرت في الجانب الفلسطيني أكثر مما أحدثت من قتل ودمار في الجانب الإسرائيلي، وهذا أمر تظهره الاحصاءات، التي تظهر أيضاً أن حجم الخسائر البشرية الفلسطينية بعد عسكرة الانتفاضة أكبر كثيراً من حجمه قبل تسليحها.
وكانت نقطة الذروة بالانفجار الذي حدث في مسيرة "حماس" في مخيم جباليا للاحتفال بالانسحاب الإسرائيلي من غزة أخيراً، وراح ضحيته 20 شهيداً وعشرات الجرحى وتحميل إسرائيل مسؤولية والمبادرة الى رمي تلك الصواريخ مجدداً، في وقت كان شارون يخوض معركة مع نتنياهو على رئاسة الليكود تخص مستقبله السياسي كله، فيحدث ما حدث وتطلق إسرائيل عمليتها الأخيرة المسماة "أول الغيث". ثم مجدداً تتراجع "حماس" وتقبل الهدنة، معترفة ضمناً بأن انفجار مخيم جباليا كان داخلياً.
القصة ذاتها، الانطلاق من الصفر من دون البناء على ما سبق. وكأن "حماس" تكرر كل ما دأبت عليه فصائل اليسار الفلسطيني الرافضة منذ 1973، تاريخ إعلان البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير، وصولاً الى مرحلة أوسلو، وتداعيات ما بعدها حتى الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
فإذا كان الفلسطينيون ضيعوا منذ إطلاق البرنامج المرحلي حتى أوسلو عشرين سنة ليعتمدوه مجدداً بإجماع فصائل منظمة التحرير، موالاة ومعارضة، فإن من الخطأ أن تتكرر التجربة مجدداً وتهدر عشرين سنة أخرى بين إطلاق رؤية الرئيس الفلسطيني محمود عباس لدولة فلسطينية مستقلة بالاعتماد على المتغيرات الدولية التي قد تكون اللحظة المناسبة لتحقيقها، وبين إدراك "الرفضاويين" الجدد خطأ عدم تقديرهم لتلك اللحظة.
إن اللحظة الدولية هي التي ضغطت على شارون لتنفيذ الانسحاب من غزة بعدما كان يرى "نتساريم" كأنها تل ابيب، ذلك أن العدو هذا أدرك تلك اللحظة ويعمل على الإفلات منها بأقل ضرر ممكن، فينسحب من غزة طمعاً بضم بعض الضفة وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية.
في المقابل، هناك في الساحة الفلسطينية من لا يزال يخلط بين الحق والحقيقة. فإذا كانت فلسطين حق فلسطيني فإن الحقيقة أن إسرائيل موجودة ومعترف بها وتملك ناصية القوة في المنطقة كلها. وهم ذاتهم "الرافضون" لونوا ثوبهم الأحمر القديم بلون أخضر فطالبوا بالحق متجاهلين الحقيقة، ثم اعترفوا مجانبة بالحقيقة، وانساقوا وراء ثقل شعبي موقت ليعلنوا النصر لهم فقط دون الآخرين، لأنهم يعتقدون أنهم يمتلكون كل الحقيقة.
المفارقة التي لا بد من النظر اليها، مثلاً أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (الماركسية) كانت سيدة الموقف في غزة في سبعينيات القرن الماضي، ثم تلاشى تواجدها هناك وفي باقي المناطق الى درجة أن حجم تأييدها فلسطينياً وفق استطلاعات الرأي الأخيرة لا يتعدى 3 في المئة. الآن "حماس" (الخضراء) سيدة الموقف في القطاع نفسه، فهل تتمكن من الحفاظ على هذا الواقع. الواقع يقول إن مجمل التصرفات من العراضات المسلحة وتكرار الأخطاء وتكبير حجم الذات أكثر مما هو، قد يجعل "الأخضر" يلحق بـ"الأحمر"، ويضيع سنوات جديدة هباء.
ما يجب التأكيد عليه، أن النظر بعين واحدة وتوهم امتلاك كل الحقيقة أمر ليس جديداً. ومن هذا المنطلق كان النظر ينشد الى اعتبار أن الفلسطيني هو الخاسر من أي مساومة وأن إسرائيل هي الرابح الوحيد. لكن اتفاق أوسلو وبكل علاته، أنهى وهماً صهيونياً امتد لأكثر من مئة سنة بأن حقها التوراتي دولة من النيل الى الفرات، بحيث رفضت وضع أي حدود لهذه الدولة، والآن وبعد "فك الارتباط" بكل علاته أيضاً، أعلنت إسرائيل حدودها مع غزة حدوداً دولية. وإذا وعى البعض "الرافض" هذا الأمر، من الممكن الانطلاق مجدداً نحو الضفة الغربية بسلاح الوحدة والتنوع، واقتطاع جزء آخر من الحلم الصهيوني.. والتاريخ كفيل بما تبقى.
عامان على استشهاد عرفات:
رجل التسويات المتمسك بالثوابت
المستقبل - السبت 11 تشرين الثاني 2006 - العدد 2442 - الصفحة الأولى - صفحة 1
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=204521
انيس محسن
العدوان نفسه والتناقضات نفسها لكن القائد القادر على مواجهة العدوان وتقريب المسافات غاب، فتباعد اهل البيت حتى باتوا قاب قوسين من حرب داخلية لا تبقي ولا تذر.
اليوم يكون قد مر عامان على استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات في ظروف لم تتوضح بعد، فيما زادت الايام من حنين الفلسطينيين لزعيمهم التاريخي الذي كان قادراً بحسه وحدسه على استقراء المخاطر واستيعاب التناقضات وتجنب الوصول الى الحائط المسدود مهما قست الظروف.
قلما تمكن قائد من جمع هذا القدر من التناقضات الإيجابية، فهو كان صاحب التسويات والوسطية التي لا تقف امامها عقد، والمتمسك بالثوابت التي لم يحد عنها رغم عشرات محاولات الاغتيال والضغوط التي لاحقته منذ تأسيسه حركة "فتح" في العام 1965 ورغم 3 سنوات من الحصار الاسرائيلي له داخل مكتبه في المقاطعة في رام الله، حث لم يتخلَ ولو لحظة عن حلم الدولة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
وعرفات الذي توفي في 11 تشرين الأول العام 2004 اثر مرض غامض المّ به بعد نحو ثلاثة اعوام على محاصرته بالمقاطعة، كان على الرغم من الخلافات مع "حركة المقاومة الاسلامية" (حماس) ممسكا بزمام المبادرة وقادراً على استخدام هذه الخلافات لتقليل الضغط الخارجي على سلطته، وهو ما ليس قائما اليوم، حيث الخلاف بين "فتح" و"حماس" وضع الحزبين الاكبر في الساحة السياسية الفلسطينية في مهب المحاور الاقليمية والدولية.
واجه عرفات حركة "حماس" في العام 1997، حيث وضع مؤسس الحركة الشيخ احمد ياسين في الاقامة الجبرية ووضع الرجل الثاني في الحركة عبد العزيز الرنتيسي رهن الاعتقال، في حين حافظ المجتمع الفلسطيني على استقراره.
ويأتي احياء الفلسطينيين لذكرى رحيل عرفات في ظل ازمة داخلية خانقة نتجت عن الحصار الدولي الذي فرض على الحكومة الفلسطينية بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة.
وشهدت الاراضي الفلسطينية حالاً من الفلتان الامني كان ابرزها الاشتباكات التي تكررت بين افراد من القوة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية سعيد صيام من حركة "حماس" وافراد من الاجهزة الامنية.
وفي حين واجه عرفات الكثير من الازمات الداخلية، والتي كان اخرها الحصار العسكري الصارم عليه في مكتبه، لم تنقطع رواتب الموظفين الفلسطينيين منذ انتخابه رئيساً للسلطة الفلسطينية في العام 1996، كما يحدث اليوم.
وواجه عرفات منذ العام 2001 حصاراً لا مثيل له في التاريخ، بالمكان داخل جدران مكتبه في المقاطعة، وسياسياً حيث قاطعته الولايات المتحدة بالتوافق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون القابع في غيبوبته منذ قرابة العام، لكن القضية لم تحاصر، وبقيت حاضرة في كل محفل.
رحل عرفات والاحتلال لم يرحل والاستيطان لم يرحل والجدار لم يرحل، رحل عرفات وحلمه لم يتحقق في تحرير مدينة القدس، والأكثر ايلاماً، ان رجل التسويات الذي كان قادراً على اجتراح الحلول لم يعوض بمثيل ولم يتمكن الفلسطينيون من ارساء مؤسسات تحل مكانه، فسادت الفوضى التي تكاد تأكل ابناء الوطن الواحد.
المستقبل - السبت 11 تشرين الثاني 2006 - العدد 2442 - الصفحة الأولى - صفحة 1
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=204521
انيس محسن
العدوان نفسه والتناقضات نفسها لكن القائد القادر على مواجهة العدوان وتقريب المسافات غاب، فتباعد اهل البيت حتى باتوا قاب قوسين من حرب داخلية لا تبقي ولا تذر.
اليوم يكون قد مر عامان على استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات في ظروف لم تتوضح بعد، فيما زادت الايام من حنين الفلسطينيين لزعيمهم التاريخي الذي كان قادراً بحسه وحدسه على استقراء المخاطر واستيعاب التناقضات وتجنب الوصول الى الحائط المسدود مهما قست الظروف.
قلما تمكن قائد من جمع هذا القدر من التناقضات الإيجابية، فهو كان صاحب التسويات والوسطية التي لا تقف امامها عقد، والمتمسك بالثوابت التي لم يحد عنها رغم عشرات محاولات الاغتيال والضغوط التي لاحقته منذ تأسيسه حركة "فتح" في العام 1965 ورغم 3 سنوات من الحصار الاسرائيلي له داخل مكتبه في المقاطعة في رام الله، حث لم يتخلَ ولو لحظة عن حلم الدولة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
وعرفات الذي توفي في 11 تشرين الأول العام 2004 اثر مرض غامض المّ به بعد نحو ثلاثة اعوام على محاصرته بالمقاطعة، كان على الرغم من الخلافات مع "حركة المقاومة الاسلامية" (حماس) ممسكا بزمام المبادرة وقادراً على استخدام هذه الخلافات لتقليل الضغط الخارجي على سلطته، وهو ما ليس قائما اليوم، حيث الخلاف بين "فتح" و"حماس" وضع الحزبين الاكبر في الساحة السياسية الفلسطينية في مهب المحاور الاقليمية والدولية.
واجه عرفات حركة "حماس" في العام 1997، حيث وضع مؤسس الحركة الشيخ احمد ياسين في الاقامة الجبرية ووضع الرجل الثاني في الحركة عبد العزيز الرنتيسي رهن الاعتقال، في حين حافظ المجتمع الفلسطيني على استقراره.
ويأتي احياء الفلسطينيين لذكرى رحيل عرفات في ظل ازمة داخلية خانقة نتجت عن الحصار الدولي الذي فرض على الحكومة الفلسطينية بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة.
وشهدت الاراضي الفلسطينية حالاً من الفلتان الامني كان ابرزها الاشتباكات التي تكررت بين افراد من القوة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية سعيد صيام من حركة "حماس" وافراد من الاجهزة الامنية.
وفي حين واجه عرفات الكثير من الازمات الداخلية، والتي كان اخرها الحصار العسكري الصارم عليه في مكتبه، لم تنقطع رواتب الموظفين الفلسطينيين منذ انتخابه رئيساً للسلطة الفلسطينية في العام 1996، كما يحدث اليوم.
وواجه عرفات منذ العام 2001 حصاراً لا مثيل له في التاريخ، بالمكان داخل جدران مكتبه في المقاطعة، وسياسياً حيث قاطعته الولايات المتحدة بالتوافق مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون القابع في غيبوبته منذ قرابة العام، لكن القضية لم تحاصر، وبقيت حاضرة في كل محفل.
رحل عرفات والاحتلال لم يرحل والاستيطان لم يرحل والجدار لم يرحل، رحل عرفات وحلمه لم يتحقق في تحرير مدينة القدس، والأكثر ايلاماً، ان رجل التسويات الذي كان قادراً على اجتراح الحلول لم يعوض بمثيل ولم يتمكن الفلسطينيون من ارساء مؤسسات تحل مكانه، فسادت الفوضى التي تكاد تأكل ابناء الوطن الواحد.
تركيا والمنطقة: تدخـّل حذر ومتوازن
المستقبل - الجمعة 9 تشرين الثاني 2007 - العدد 2787 - شؤون عربية و دولية - صفحة 15
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=260408
أنقرة ـ أنيس محسن
تركيا المنشغلة هذه الأيام بمشكلة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وبالعمليات التي نفذها أخيراً ضد الجيش التركي، تبدو شديدة الاهتمام أيضاً بمشكلات الشرق الأوسط، حيث تستقبل خلال الأيام المقبلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس، قبل أن يزورها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في إطار جولته الأوروبية الراهنة.
وإذا كانت تلك الأحداث والحركة الديبلوماسية باتجاه أنقرة تظهر اهتماماً متزايداً من قبل تركيا بهموم المنطقة واعترافاً من دول المنطقة بدور محوري لأنقرة، فإن ذلك يخضع لفحص دقيق ونقاش واسع في أوساط المثقفين والسياسيين، حول ما إذا كانت مصلحة تركيا في التورط بمشكلات الشرق الأوسط، أو لجهة مدى وحجم التورط هذا.
يتفق غالبية الأتراك المهتمون بالشأن السياسي على أن وصول حزب "العدالة والتنمية" الى السلطة، ومن ثم تثبيت اقدامه فيها في الانتخابات العامة الأخيرة، وتمكنه من إيصال عبدالله غول الى قصر الرئاسة، أسهم في نسج سياسة خارجية تيمم النظر باتجاه الشرق بالمستوى نفسه لاهتمامها بالعلاقة بالغرب.
ويقول المدير العام لمركز الصحافة والإعلام التابع لمكتب رئيس الوزراء صالح ميليك، إن من الطبيعي أن تلتفت تركيا الى جانبي حدودها الشرقية والغربية، ليس بدافع الترف الديبلوماسي، إنما لأن مصالحها الأمنية والاقتصادية تتطلّب منها ذلك، حيث إن حجم التبادل التجاري (ميزانه مع الدول العربية لمصلحة تركيا) يزداد باضطراد، كما أن الحكومة الحالية تشجع رجال الأعمال الأتراك على توسيع مجال اهتمامهم في أسواق الشرق الأوسط وافريقيا، وتساعدهم في عملهم هذا، وكذلك تهتم بمصالحها الاقتصادية في أوروبا.
وثمة إجماع على أن قدرة الحكومة التركية على السيطرة على الأزمة المالية التي عاشتها في مطلع عام 2001، وتحقيقها نسب نمو عالية، تتطلب منها تعزيز وجودها الاقتصادي في الشرق الأوسط، وبالتالي الانغماس، بشكل أو بآخر، في العملية السياسية على المستوى الإٍقليمي، ويساعدها في ذلك علاقاتها المتوازنة بمختلف الأطراف المتنازعة في الشرق الأوسط.
ويرى المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية لأورواسيا أويتون أورهان أن تركيا تلعب بحذر في منطقة الشرق الأوسط، وهي لا تريد أن تكون طرفاً، إنما أن يكون دورها وسطياً، وأن تحافظ على علاقاتها مع كل الأطراف.
وإذ يشير أورهان الى علاقة متميّزة بين أنقرة ودمشق، فإنه يعيد الأمر الى تخلّي سوريا عام 1999 عن دعم حزب العمال الكردستاني وطردها زعيمه عبدالله أوجلان من أراضيها.
ويلفت الى أن العلاقات بين البلدين تحسّنت بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، حيث أنهما اشتركا في النظرة ذاتها الى المسألة.
وفيما رأت انقرة في تعزيز علاقاتها بسوريا بوابة للعبور الى البلدان العربية، فان دمشق ارادت من علاقتها بتركيا ان تكون بوابة عبور لها باتجاه أوروبا، على ما يشير أورهان.
ويصف أورهان العلاقات بين بلده وسوريا بأنها علاقات ظرفية من قبل الطرفين، لكن في البعد الاستراتيجي فانها تختلف كثيرا. فتركيا ديموقراطية بينما نظام دمشق شمولي وثمة عدم ثقة تاريخية بين الجانبين في قضية لواء اسكندرون، حيث ان السوريين وان تخلوا في هذه المرحلة عن المطالبة به، فان انقرة لا تثق في ان لا يعودون الى المطالبة به في اي وقت.
ويشير الى ان اتفاق البلدين في الموقف من الغزو الاميركي الى العراق لا يعني انسجاماً في الأسباب، حيث ان سوريا تلعب دوراً في العراق مواجها للولايات المتحدة، وتسهم في تعزيز الجماعات العراقية والوافدة الى العراق التي تقاوم الجيش الاميركي، ولا تأبه كثيرا اذا انقسم العراق او بقي موحداً، فيما تريد تركيا عراقاً موحداً ومستقراً لأن في ذلك مصلحة لها، خصوصاً ان عراقاً موحداً ومستقراً يخفف مخاوفها من الخطر الاتي في شمال العراق اذا انفصل وأعلنت فيه دولة كردية.
وفي الشأن اللبناني، يؤكد ان بلاده حريصة على الاتصال بمختلف الأطراف، وهي وان كانت تشعر بقرب اكثر الى الحكومة اللبنانية والاطراف التي تدعمها "14 آذار"، الا انها حريصة على الاتصال بالأطراف الأخرى، لا سيما "حزب الله".
وكذلك الأمر في الشأن الفلسطيني، فانها ترتبط بعلاقات ممتازة بالسلطة الفلسطينية وتقوم بمشاريع تنموية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتنسق بشكل دائم مع السلطة، وفي الوقت نفسه استقبلت رئيس المكتب السياسي لـ"حركة المقاومة الاسلامية" (حماس)، وهو ما يضعه اورهان في اطار الدور المتوازن، وليس من منطلق كون "حماس" حركة اسلامية و"حزب العدالة والتنمية" صاحب اصول اسلامية، اذ ان الأول حريص، الى الآن، على اللعب ضمن الاطار الديموقراطي ومن ضمن السياق العلماني للدولة، فيما "حماس" تحمل ايديولوجيا لا تتفق مع هذا التوجه.
وفي الاطار ذاته، يشير الى العلاقة التاريخية التي تربط تركيا باسرائيل، وهي علاقة استمرت على الرغم وصول "العدالة والتنمية الى السلطة"، والعلاقة المتميزة مع السلطة الفلسطينية، التي سبقت وصول الحزب الى السلطة.
ويشير اورهان الى ان تركيا تريد في الواقع ان يوقع اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل وان تحل دمشق خلافاتها مع الغرب، لتتحول سوريا الى بلد مستقر، وتتلافى، استطراداً، اي مشاكل قد تنشأ عن عدم استقرار في سوريا.
وفي المسألة الايرانية، يعتبر اورهان ان العلاقات بين طهران وأنقرة علاقة تنافس لا صراع، وان بلاده ترفض ان تقف مع الغرب ضد طهران أو مع الأخيرة ضد العرب.
ويرى اورهان ان محور سياسات انقرة في الشرق الأوسط الان هو شمال العراق، ومن خلال ذلك تتحرك وعبره تحدد مواقفها السياسية ازاء المنطقة.
على ان السؤال الذي يتمهل المهتمون في تركيا بالاجابة عنه، هو: هل تستطيع تركيا ان تكتفي الى ما لا نهاية بدور اللاعب المتوازن والمحايد؟ ثم، اذا ما زادت مصالحها في الشرق الأوسط، واصطدمت تلك المصالح بأطراف معينة، هل يبقى بعد ذلك من مجال للتوازن والحياد؟
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=260408
أنقرة ـ أنيس محسن
تركيا المنشغلة هذه الأيام بمشكلة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وبالعمليات التي نفذها أخيراً ضد الجيش التركي، تبدو شديدة الاهتمام أيضاً بمشكلات الشرق الأوسط، حيث تستقبل خلال الأيام المقبلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس، قبل أن يزورها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في إطار جولته الأوروبية الراهنة.
وإذا كانت تلك الأحداث والحركة الديبلوماسية باتجاه أنقرة تظهر اهتماماً متزايداً من قبل تركيا بهموم المنطقة واعترافاً من دول المنطقة بدور محوري لأنقرة، فإن ذلك يخضع لفحص دقيق ونقاش واسع في أوساط المثقفين والسياسيين، حول ما إذا كانت مصلحة تركيا في التورط بمشكلات الشرق الأوسط، أو لجهة مدى وحجم التورط هذا.
يتفق غالبية الأتراك المهتمون بالشأن السياسي على أن وصول حزب "العدالة والتنمية" الى السلطة، ومن ثم تثبيت اقدامه فيها في الانتخابات العامة الأخيرة، وتمكنه من إيصال عبدالله غول الى قصر الرئاسة، أسهم في نسج سياسة خارجية تيمم النظر باتجاه الشرق بالمستوى نفسه لاهتمامها بالعلاقة بالغرب.
ويقول المدير العام لمركز الصحافة والإعلام التابع لمكتب رئيس الوزراء صالح ميليك، إن من الطبيعي أن تلتفت تركيا الى جانبي حدودها الشرقية والغربية، ليس بدافع الترف الديبلوماسي، إنما لأن مصالحها الأمنية والاقتصادية تتطلّب منها ذلك، حيث إن حجم التبادل التجاري (ميزانه مع الدول العربية لمصلحة تركيا) يزداد باضطراد، كما أن الحكومة الحالية تشجع رجال الأعمال الأتراك على توسيع مجال اهتمامهم في أسواق الشرق الأوسط وافريقيا، وتساعدهم في عملهم هذا، وكذلك تهتم بمصالحها الاقتصادية في أوروبا.
وثمة إجماع على أن قدرة الحكومة التركية على السيطرة على الأزمة المالية التي عاشتها في مطلع عام 2001، وتحقيقها نسب نمو عالية، تتطلب منها تعزيز وجودها الاقتصادي في الشرق الأوسط، وبالتالي الانغماس، بشكل أو بآخر، في العملية السياسية على المستوى الإٍقليمي، ويساعدها في ذلك علاقاتها المتوازنة بمختلف الأطراف المتنازعة في الشرق الأوسط.
ويرى المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية لأورواسيا أويتون أورهان أن تركيا تلعب بحذر في منطقة الشرق الأوسط، وهي لا تريد أن تكون طرفاً، إنما أن يكون دورها وسطياً، وأن تحافظ على علاقاتها مع كل الأطراف.
وإذ يشير أورهان الى علاقة متميّزة بين أنقرة ودمشق، فإنه يعيد الأمر الى تخلّي سوريا عام 1999 عن دعم حزب العمال الكردستاني وطردها زعيمه عبدالله أوجلان من أراضيها.
ويلفت الى أن العلاقات بين البلدين تحسّنت بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، حيث أنهما اشتركا في النظرة ذاتها الى المسألة.
وفيما رأت انقرة في تعزيز علاقاتها بسوريا بوابة للعبور الى البلدان العربية، فان دمشق ارادت من علاقتها بتركيا ان تكون بوابة عبور لها باتجاه أوروبا، على ما يشير أورهان.
ويصف أورهان العلاقات بين بلده وسوريا بأنها علاقات ظرفية من قبل الطرفين، لكن في البعد الاستراتيجي فانها تختلف كثيرا. فتركيا ديموقراطية بينما نظام دمشق شمولي وثمة عدم ثقة تاريخية بين الجانبين في قضية لواء اسكندرون، حيث ان السوريين وان تخلوا في هذه المرحلة عن المطالبة به، فان انقرة لا تثق في ان لا يعودون الى المطالبة به في اي وقت.
ويشير الى ان اتفاق البلدين في الموقف من الغزو الاميركي الى العراق لا يعني انسجاماً في الأسباب، حيث ان سوريا تلعب دوراً في العراق مواجها للولايات المتحدة، وتسهم في تعزيز الجماعات العراقية والوافدة الى العراق التي تقاوم الجيش الاميركي، ولا تأبه كثيرا اذا انقسم العراق او بقي موحداً، فيما تريد تركيا عراقاً موحداً ومستقراً لأن في ذلك مصلحة لها، خصوصاً ان عراقاً موحداً ومستقراً يخفف مخاوفها من الخطر الاتي في شمال العراق اذا انفصل وأعلنت فيه دولة كردية.
وفي الشأن اللبناني، يؤكد ان بلاده حريصة على الاتصال بمختلف الأطراف، وهي وان كانت تشعر بقرب اكثر الى الحكومة اللبنانية والاطراف التي تدعمها "14 آذار"، الا انها حريصة على الاتصال بالأطراف الأخرى، لا سيما "حزب الله".
وكذلك الأمر في الشأن الفلسطيني، فانها ترتبط بعلاقات ممتازة بالسلطة الفلسطينية وتقوم بمشاريع تنموية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتنسق بشكل دائم مع السلطة، وفي الوقت نفسه استقبلت رئيس المكتب السياسي لـ"حركة المقاومة الاسلامية" (حماس)، وهو ما يضعه اورهان في اطار الدور المتوازن، وليس من منطلق كون "حماس" حركة اسلامية و"حزب العدالة والتنمية" صاحب اصول اسلامية، اذ ان الأول حريص، الى الآن، على اللعب ضمن الاطار الديموقراطي ومن ضمن السياق العلماني للدولة، فيما "حماس" تحمل ايديولوجيا لا تتفق مع هذا التوجه.
وفي الاطار ذاته، يشير الى العلاقة التاريخية التي تربط تركيا باسرائيل، وهي علاقة استمرت على الرغم وصول "العدالة والتنمية الى السلطة"، والعلاقة المتميزة مع السلطة الفلسطينية، التي سبقت وصول الحزب الى السلطة.
ويشير اورهان الى ان تركيا تريد في الواقع ان يوقع اتفاق سلام بين سوريا واسرائيل وان تحل دمشق خلافاتها مع الغرب، لتتحول سوريا الى بلد مستقر، وتتلافى، استطراداً، اي مشاكل قد تنشأ عن عدم استقرار في سوريا.
وفي المسألة الايرانية، يعتبر اورهان ان العلاقات بين طهران وأنقرة علاقة تنافس لا صراع، وان بلاده ترفض ان تقف مع الغرب ضد طهران أو مع الأخيرة ضد العرب.
ويرى اورهان ان محور سياسات انقرة في الشرق الأوسط الان هو شمال العراق، ومن خلال ذلك تتحرك وعبره تحدد مواقفها السياسية ازاء المنطقة.
على ان السؤال الذي يتمهل المهتمون في تركيا بالاجابة عنه، هو: هل تستطيع تركيا ان تكتفي الى ما لا نهاية بدور اللاعب المتوازن والمحايد؟ ثم، اذا ما زادت مصالحها في الشرق الأوسط، واصطدمت تلك المصالح بأطراف معينة، هل يبقى بعد ذلك من مجال للتوازن والحياد؟
تركيا.. روح أتاتورك ودينامية "العدالة والتنمية"
المستقبل - الثلاثاء 13 تشرين الثاني 2007 - العدد 2791 - شؤون عربية و دولية - صفحة 15
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=260919
أنقرة ـ أنيس محسن
على إحدى تلال أنقرة الكثيرة الموغلة في قلب الأناضول يطل ضريح مؤسس تركيا كمال أتاتورك وكأن روحه تراقب كل خطوة لعاصمته المحببة.
على التلة تلك، تجتمع الحكاية في لوحات وموسيقى تصويرية تحكي تاريخ أهم المعارك التي خاضها الجيش التركي ضد البريطانيين حين أرادوا تقليص مساحة السلطنة العثمانية الى أدنى مساحة ممكنة، وحشرها في مركز السلطنة في وسط الأناضول، لكن كلمات أتاتورك: "ليس مهماً أن نهزم في معركة ما.. المهم ألاّ نهزم من داخلنا"، تتردد الى الآن، وتجعل أنقرة تتجه نحو المستقبل، أحياناً ببطء، لكن دائماً بتصميم.
العاصمة تكبر جغرافياً وتمتد أكثر، وسكانها يكثرون ويزدادون الى أكثر من 4.5 ملايين، لكن العاصمة الهادئة، تضج بالحركة.
الجمعة الماضي استقبلت خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وأول من أمس الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس، وأمس الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
إنه الانفتاح المحسوب على الخارج، الملتزم علاقات بالجميع، والمنادي بـ"سلام مع الخارج وسلام في الداخل"، وفق أحد مبادئ أتاتورك التي يرددها الجميع عندما تسأل عن الهدف من انفتاح كهذا.
إذاً، هو "الانفتاح غير المنحاز" على الخارج، الساعي، بدعوة يوتوبية، الى أن يحل الشرق الأوسط، حيث تداخل كبير مع تركيا، كل مشكلاته ويحيا باستقرار، فالاستقرار هذا مصلحة مباشرة لتركيا، كما يردد الجميع هنا.
لكن ماذا عن الداخل، أليس ما حدث منذ مجيء حزب "العدالة والتنمية" الى السلطة، هو تطوّر نوعي، وهل يمكن الحديث عن جمهورية ثانية في تركيا؟
يعترف المثقفون الأتراك بأن شيئاً كبيراً حدث، ويرفض بعضهم أن يكون الأمر بمثابة انقلاب على مبادئ جمهورية أتاتورك العلمانية، فيما يتخوّف كثير من العلمانيين (الكماليين) من الأسلمة بطرق شتى.
التغيير حدث، هذا صحيح، لكن من ضمن المبادئ العامة.. العلمانيون رضخوا للعبة الديموقراطية التي جاءت بقادة جدد ذي أصول إسلامية، لكن هؤلاء أيضاً رضخوا لمبادئ الجمهورية وقبلوا الآخر، بل هم انقلبوا على أساتذتهم، فالأسلمة، المرفوضة من العلمانيين، غير مطروحة في أجندة "العدالة والتنمية"، كما يقول الحزب. المعادلة هي: نحن نقبل العلمانية، بل ندعمها، وعلى الآخرين عدم النظر إلينا كأعداء محتملين، وأن يثقوا بأننا جزء من الأمة، ومن العملية السياسية التي تحكمها قواعد باتت بمثابة المنارة للجميع.
لكن ما الذي يحمي تركيا من النزاع بين العلمنة والخوف من الأسلمة؟ إنهم الأتراك أنفسهم، الذين لم يتخلّوا عن مبادئ العلمانية، لكنهم اختاروا ثلاث مرات "العدالة والتنمية"، ليس أخذاً بأصول قادة الحزب، بل لأن مصلحة الشعب والبلاد تقتضي التغيير وإعطاء الثقة لمن استحقها.
الأتراك هؤلاء لم يتخلوا عن علمانيتهم، مثلما لم يتخلوا يوماً عن كونهم شعباً مسلماً. وعندما يعطون الثقة "للإسلاميين السابقين" فإن هاجسهم وطني مدني علماني.
في الفترة الأخيرة عاشت البلاد حدثين خارجيين: العمليات التي نفذها حزب "العمال الكردستاني" انطلاقاً "من شمال العراق"، كما تؤكد أنقرة، وطرح مشروع قانون في إحدى لجان مجلس النواب الأميركي حول "المجزرة بحق الأرمن" التي ينفي الأتراك حدوثها، أو على الأقل الصيغة التي يجري تصويرها بها.
خلال الأزمتين، تحركت الحكومة، وتوحّد الجيش، المدافع عن العلمانية، والشعب مع حكومته. وتحقق نجاح ديبلوماسي كبير. واشنطن تراجعت عن التصويت على مشروع القانون، ودول الجوار التركي ـ العراقي، وحتى كثير من دول العالم تضامنت مع تركيا وحقها في الردّ، مع تمنّي أن يصاغ الرد بواقعية. حدث ذلك في وقت كانت تركيا تستعد للاحتفال بيومها الوطني، فكانت المشاعر في الشارع خير معبّر عن الوحدة.
العاصمة تغيّرت قبل الاحتفالات وخلالها وبعدها الى اللون الأحمر، فأعلام البلاد الحمراء يتوسطها الهلال والنجمة غطّت الشوارع والمباني، ليس الحكومية فقط، بل الشقق السكنية المزدانة بالأعلام، وواجهات المحال التجارية.. لا أحد طلب من المواطنين أن يقوموا بذلك، هم من قرر ذلك، وعدد الأعلام التي بيعت في تلك الفترة، فاقت كل الأوقات السابقة.
يقول المثقفون هنا، إن حارس الجمهورية ليس الجيش القوي المهاب، بل الشعور الوطني لدى الأتراك، فهم الحاجز الحقيقي أمام انحدار الجمهورية نحو آفاق غير مرغوبة، وهم حراس العلمانية الحقيقيون.
لا يختلف في الرأي هذا مؤيدو حزب "العدالة والتنمية"، بعضهم قال إن الحزب أتى من رحم حزب "الرفاه" لكنه خطى قُدماً، واختار الديموقراطية، بما هي تبادل للسلطة واحترام للمؤسسات، وطرح مبدأ حرية المعتقد لدى الفرد على أساس احترام الدستور والدفاع عنه. لذلك حقق نصراً عندما انتخب أولاً، ثم عندما زاد التأييد له في الانتخابات الثانية، وثالثاً عندما قرر الأتراك أن تَقَدّم البلاد يحتاج استقراراً سياسياً، فأعطوا "العدالة والتنمية" القدرة على تشكيل حكومة لوحده، والرئاسة أيضاً.. وهذا يضع "العدالة والتنمية" أمام مزيد من التحديات، بأن يحقق الازدهار الذي وعد به.
على الأرض، يبدو أن ما تم إنجازه يشبه المعجزة. فقد تولى "العدالة والتنمية" الحكم والبلاد في أزمة مالية اقتصادية عظيمة، أحالت عملة البلاد الى مجرد أوراق بلا قيمة. وبعد 7 سنوات، تقول النتائج إن النمو الاقتصادي في السنوات اللاحقة فاق الـ6% فيما كان عند الأزمة سلبياً. كما نما حجم الاقتصاد 3 أضعاف ما كان عليه قبل الأزمة. والليرة الجديدة أصبحت تصرف بسعر دولار أميركي تقريباً، وأمكن تدبير وظائف لمئات آلاف العاطلين عن العمل، وانفتحت أمام البلاد أسواق جديدة، ودقّت أنقرة أبواب الاتحاد الأوروبي متحدية.
صحيح أن أبواب أوروبا لم تفتح كلها بعد أمام دولة الـ70 مليون مسلم "العلمانية، لكن لا بأس: يقول سياسيون ومثقفون كثراً، فما على أنقرة أن تفعله لاستحقاق عضوية الاتحاد الأوروبي، يجب أن تفعله.. الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المطلوبة لتحقيق المعايير الأوروبية ضرورة وطنية، وليست ذريعة لـ"الأوربة" التي أرادها أتاتورك.. تلك الإصلاحات جاذبة للاستثمارات وتحقق العدالة والتنمية، فلما ترفضها تركيا؟ وفي آخر المطاف، فإن تركيا بوابة الشرق نحو أوروبا، وبوابة الغرب نحو الشرق، وهي حاجة للجهتين، وهي تعي تماماً موقعها، من دون أن يأخذها ذلك الوعي نحو الغرور.
عند غروب يوم، وعلى قمة تلك التلة حيث ضريح أتاتورك، وفي درجة حرارة منخفضة، كانت عائلات وشبان وشابات يجولون الموقع، يشاهدون حكاية الصمود في الحرب العالمية الأولى، ويقرأون سيرة ومبادئ مؤسس الدولة، ويهبطون نحو العاصمة، للراحة قبل يوم عمل آخر، فيما العاصمة تستقبل بعد أيام ضيوفاً كثراً، من الشرق الأوسط المشتعل والحزب الذي اختير من خارج المألوف منذ تأسيس الدولة العلمانية يدير الحركة داخلاً وخارجاً مطمئناً الى أن زائري الضريح، هم أنفسهم من اختاروه، وهم حماة الدستور.
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=260919
أنقرة ـ أنيس محسن
على إحدى تلال أنقرة الكثيرة الموغلة في قلب الأناضول يطل ضريح مؤسس تركيا كمال أتاتورك وكأن روحه تراقب كل خطوة لعاصمته المحببة.
على التلة تلك، تجتمع الحكاية في لوحات وموسيقى تصويرية تحكي تاريخ أهم المعارك التي خاضها الجيش التركي ضد البريطانيين حين أرادوا تقليص مساحة السلطنة العثمانية الى أدنى مساحة ممكنة، وحشرها في مركز السلطنة في وسط الأناضول، لكن كلمات أتاتورك: "ليس مهماً أن نهزم في معركة ما.. المهم ألاّ نهزم من داخلنا"، تتردد الى الآن، وتجعل أنقرة تتجه نحو المستقبل، أحياناً ببطء، لكن دائماً بتصميم.
العاصمة تكبر جغرافياً وتمتد أكثر، وسكانها يكثرون ويزدادون الى أكثر من 4.5 ملايين، لكن العاصمة الهادئة، تضج بالحركة.
الجمعة الماضي استقبلت خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وأول من أمس الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس، وأمس الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
إنه الانفتاح المحسوب على الخارج، الملتزم علاقات بالجميع، والمنادي بـ"سلام مع الخارج وسلام في الداخل"، وفق أحد مبادئ أتاتورك التي يرددها الجميع عندما تسأل عن الهدف من انفتاح كهذا.
إذاً، هو "الانفتاح غير المنحاز" على الخارج، الساعي، بدعوة يوتوبية، الى أن يحل الشرق الأوسط، حيث تداخل كبير مع تركيا، كل مشكلاته ويحيا باستقرار، فالاستقرار هذا مصلحة مباشرة لتركيا، كما يردد الجميع هنا.
لكن ماذا عن الداخل، أليس ما حدث منذ مجيء حزب "العدالة والتنمية" الى السلطة، هو تطوّر نوعي، وهل يمكن الحديث عن جمهورية ثانية في تركيا؟
يعترف المثقفون الأتراك بأن شيئاً كبيراً حدث، ويرفض بعضهم أن يكون الأمر بمثابة انقلاب على مبادئ جمهورية أتاتورك العلمانية، فيما يتخوّف كثير من العلمانيين (الكماليين) من الأسلمة بطرق شتى.
التغيير حدث، هذا صحيح، لكن من ضمن المبادئ العامة.. العلمانيون رضخوا للعبة الديموقراطية التي جاءت بقادة جدد ذي أصول إسلامية، لكن هؤلاء أيضاً رضخوا لمبادئ الجمهورية وقبلوا الآخر، بل هم انقلبوا على أساتذتهم، فالأسلمة، المرفوضة من العلمانيين، غير مطروحة في أجندة "العدالة والتنمية"، كما يقول الحزب. المعادلة هي: نحن نقبل العلمانية، بل ندعمها، وعلى الآخرين عدم النظر إلينا كأعداء محتملين، وأن يثقوا بأننا جزء من الأمة، ومن العملية السياسية التي تحكمها قواعد باتت بمثابة المنارة للجميع.
لكن ما الذي يحمي تركيا من النزاع بين العلمنة والخوف من الأسلمة؟ إنهم الأتراك أنفسهم، الذين لم يتخلّوا عن مبادئ العلمانية، لكنهم اختاروا ثلاث مرات "العدالة والتنمية"، ليس أخذاً بأصول قادة الحزب، بل لأن مصلحة الشعب والبلاد تقتضي التغيير وإعطاء الثقة لمن استحقها.
الأتراك هؤلاء لم يتخلوا عن علمانيتهم، مثلما لم يتخلوا يوماً عن كونهم شعباً مسلماً. وعندما يعطون الثقة "للإسلاميين السابقين" فإن هاجسهم وطني مدني علماني.
في الفترة الأخيرة عاشت البلاد حدثين خارجيين: العمليات التي نفذها حزب "العمال الكردستاني" انطلاقاً "من شمال العراق"، كما تؤكد أنقرة، وطرح مشروع قانون في إحدى لجان مجلس النواب الأميركي حول "المجزرة بحق الأرمن" التي ينفي الأتراك حدوثها، أو على الأقل الصيغة التي يجري تصويرها بها.
خلال الأزمتين، تحركت الحكومة، وتوحّد الجيش، المدافع عن العلمانية، والشعب مع حكومته. وتحقق نجاح ديبلوماسي كبير. واشنطن تراجعت عن التصويت على مشروع القانون، ودول الجوار التركي ـ العراقي، وحتى كثير من دول العالم تضامنت مع تركيا وحقها في الردّ، مع تمنّي أن يصاغ الرد بواقعية. حدث ذلك في وقت كانت تركيا تستعد للاحتفال بيومها الوطني، فكانت المشاعر في الشارع خير معبّر عن الوحدة.
العاصمة تغيّرت قبل الاحتفالات وخلالها وبعدها الى اللون الأحمر، فأعلام البلاد الحمراء يتوسطها الهلال والنجمة غطّت الشوارع والمباني، ليس الحكومية فقط، بل الشقق السكنية المزدانة بالأعلام، وواجهات المحال التجارية.. لا أحد طلب من المواطنين أن يقوموا بذلك، هم من قرر ذلك، وعدد الأعلام التي بيعت في تلك الفترة، فاقت كل الأوقات السابقة.
يقول المثقفون هنا، إن حارس الجمهورية ليس الجيش القوي المهاب، بل الشعور الوطني لدى الأتراك، فهم الحاجز الحقيقي أمام انحدار الجمهورية نحو آفاق غير مرغوبة، وهم حراس العلمانية الحقيقيون.
لا يختلف في الرأي هذا مؤيدو حزب "العدالة والتنمية"، بعضهم قال إن الحزب أتى من رحم حزب "الرفاه" لكنه خطى قُدماً، واختار الديموقراطية، بما هي تبادل للسلطة واحترام للمؤسسات، وطرح مبدأ حرية المعتقد لدى الفرد على أساس احترام الدستور والدفاع عنه. لذلك حقق نصراً عندما انتخب أولاً، ثم عندما زاد التأييد له في الانتخابات الثانية، وثالثاً عندما قرر الأتراك أن تَقَدّم البلاد يحتاج استقراراً سياسياً، فأعطوا "العدالة والتنمية" القدرة على تشكيل حكومة لوحده، والرئاسة أيضاً.. وهذا يضع "العدالة والتنمية" أمام مزيد من التحديات، بأن يحقق الازدهار الذي وعد به.
على الأرض، يبدو أن ما تم إنجازه يشبه المعجزة. فقد تولى "العدالة والتنمية" الحكم والبلاد في أزمة مالية اقتصادية عظيمة، أحالت عملة البلاد الى مجرد أوراق بلا قيمة. وبعد 7 سنوات، تقول النتائج إن النمو الاقتصادي في السنوات اللاحقة فاق الـ6% فيما كان عند الأزمة سلبياً. كما نما حجم الاقتصاد 3 أضعاف ما كان عليه قبل الأزمة. والليرة الجديدة أصبحت تصرف بسعر دولار أميركي تقريباً، وأمكن تدبير وظائف لمئات آلاف العاطلين عن العمل، وانفتحت أمام البلاد أسواق جديدة، ودقّت أنقرة أبواب الاتحاد الأوروبي متحدية.
صحيح أن أبواب أوروبا لم تفتح كلها بعد أمام دولة الـ70 مليون مسلم "العلمانية، لكن لا بأس: يقول سياسيون ومثقفون كثراً، فما على أنقرة أن تفعله لاستحقاق عضوية الاتحاد الأوروبي، يجب أن تفعله.. الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المطلوبة لتحقيق المعايير الأوروبية ضرورة وطنية، وليست ذريعة لـ"الأوربة" التي أرادها أتاتورك.. تلك الإصلاحات جاذبة للاستثمارات وتحقق العدالة والتنمية، فلما ترفضها تركيا؟ وفي آخر المطاف، فإن تركيا بوابة الشرق نحو أوروبا، وبوابة الغرب نحو الشرق، وهي حاجة للجهتين، وهي تعي تماماً موقعها، من دون أن يأخذها ذلك الوعي نحو الغرور.
عند غروب يوم، وعلى قمة تلك التلة حيث ضريح أتاتورك، وفي درجة حرارة منخفضة، كانت عائلات وشبان وشابات يجولون الموقع، يشاهدون حكاية الصمود في الحرب العالمية الأولى، ويقرأون سيرة ومبادئ مؤسس الدولة، ويهبطون نحو العاصمة، للراحة قبل يوم عمل آخر، فيما العاصمة تستقبل بعد أيام ضيوفاً كثراً، من الشرق الأوسط المشتعل والحزب الذي اختير من خارج المألوف منذ تأسيس الدولة العلمانية يدير الحركة داخلاً وخارجاً مطمئناً الى أن زائري الضريح، هم أنفسهم من اختاروه، وهم حماة الدستور.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)