الأربعاء، 12 يونيو 2013

الفلسطينيون في سوريا بين الحاضر واحتمالات المستقبل*





===== أنيس محسن

ذكّرت المستشارة السياسة والإعلامية الدكتورة بثينة شعبان في مقابلة أجرتها معها في 7 حزيران، قناة "الميادين" التي تبث من بيروت، بأن وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول اقترح على بشار الأسد في سنة 2003، ترحيل فلسطينيي سوريا وأن بشار الاسد رفض ذلك[i].
قد يبدو الأمر للبعض أن ما جاء على لسان المستشارة هو في سياق تأكيد نظام الأسد على محورية القضية الفلسطينية، لكن ما قرأه البعض الآخر، وهي قراءة تستوجب التوقف عندها، أن بثينة شعبان إنما أرادت من خلال التذكير بأن الغرب لطالما سعى إلى اقناع سوريا بالتخلي عن الفلسطينيين؛ قضية وديموغرافيا، بأن الملف هذا يبقى مفتوحاً على مصراعيه، وللفت انتباه الفصائل الفلسطينية بضرورة التنبه لمواقفهم وللاجئين الفلسطينيين في سوريا بأنهم قد يدفعون ثمن تأييد معظمهم للثورة السورية، عبر استجابة النظام لمقترح باول؛ والمثل على ذلك، ابعاد حركة "حماس"، التي كانت جزءاً من "محور الممانعة"، من دمشق في اللحظة التي فكرت فيها بعدم الولاء لنظام الأسد، ولمجرد اعتذارها عن أخذ موقف علني مناهض للثورة الشعبية.

حقوق الفلسطينيين بين عهدين
يعتقد بعض جمهور "الممانعة" وحتى جمهور "الاعتدال" العربي، أن نظام آل الأسد هو من أعطى الفلسطينيين حقوقاً مدنية واقتصادية قلمّا تمتعوا بها في مواقع لجوئهم في الدول العربية. صحيح أن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مميزون عن غيرهم من إخوانهم اللاجئين، لكن الصحيح أيضا أن هذه الحقوق ليست هبّة من نظام آل الأسد، إنما نالوها قبل استيلاء حزب البعث على السلطة في سوريا، وقد نُظّمت شؤون اللاجئين الفلسطينيين في القانون 60 لسنة 1956 الذي ساوى بين الفلسطيني والسوري في جميع المجالات الوظيفية والمهنية والعلمية باستثناء أمور تخصّ الانتخابات والترشيح لعضوية مجلس الشعب مع الاحتفاظ بالجنسية الفلسطينية[ii].
لم يغير استيلاء البعث على السلطة في سوريا في آذار 1963 كثيراً من أمور الفلسطينيين، بل في سنوات ما قبل استيلاء حافظ الأسد على السطلة، كانت سوريا ممراً ومستقراً للفلسطينيين، مدنيين وعسكريين وسياسيين. إذ ازدهرت، وبتسهيل من الحكومات البعثية المتعاقبة، قواعد الفدائيين، وفُتحت مراكز التدريب العسكري لمختلف الفصائل من دون تدخل مباشر من السلطات السورية، التي استقبلت أعداداً كبيرة من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين، كما سهّلت السلطات للفدائيين القيام بعمليات عبر الحدود السورية ـــ الفلسطينية، وبالعبور من سوريا باتجاه لبنان والأردن.
هذه السنوات الذهبية للفلسطينيين التي بدأت مع وصولهم إلى سوريا بعد النكبة، كانت قد شارفت على نهايتها مع انقلاب حافظ الأسد ـــ مصطفى طلاس في 16 تشرين الثاني 1970 الذي أطلقت عليه تسمية "الحركة التصحيحية" وتولي الأسد (الأب) الرئاسة في 1971، والتي كان أول معالمها فلسطينياً؛ سحب القوات السورية التي دخلت إلى الأردن لمؤازرة الفدائيين وكشف ظهرهم مما سهل على الجيش الأردني كسب ما يعرف بمعارك أحرلش جرش وعجلون. ومن ثم الانقلاب على التحالف القائم بين النظام السوري وبين منظمة التحرير والحركة الوطنية في لبنان في 1976 والدخول الى لبنان تحت لافتة الدفاع عن المسيحيين فيه بموافقة أميركية ـــ إسرائيلية ـــ عربية، واستكمال مشروع الهيمنة على الفصائل الفلسطينية من خلال إحداث انشقاق في حركة "فتح" في سنة 1983 في خضم خوض حرب عصابات ضد الاحتلال الاسرائيلي في الجبل والجنوب، وصولاً إلى مساعي إضعاف التمثيل الشرعي لمنظمة التحرير للشعب الفلسطيني، ودعم "حماس" ضد "فتح" في زمن الأسد الإبن.
أما على صعيد الحقوق المدنية والاقتصادية، فإنه وفيما كان يحق للفلسطينيين ولوج مختلف مجالات العمل والتعلم في مختلف الكليات في الجامعات السورية الرسمية قبل بدء حكم آل الأسد، فإن قيوداً بمراسيم حكومية، أو بأوامر تنفيذية غير معلنة، وضعت أمامهم بعد ذلك، فلم يعد بإمكان الفلسطيني العمل في الوزارات بعدما كان عدد منهم وصلوا إلى منصب وكيل وزارة، كما أنه لم يعد بإمكان الضباط الفلسطينيين من الرتب العالية الخدمة في الجيش السوري فيما كانوا قبل ذلك يتولون مناصب مهمة وحساسة في الجيش السوري، ولم يعد بإمكان الفلسطينيين، في عهد بشار الأسد، العمل في التعليم الرسمي كما حظر على التلاميذ التسجيل في بعض الكليات، خصوصاً التطبيقية منها.

الفلسطينيون والثورة السورية
إذا كانت تلك هي حالة الفلسطينيين في سوريا منذ اللجوء ما بعد النكبة حتى ما قبل اندلاع الثورة الشعبية، فما هو وضعهم خلال الثورة، وما هي احتمالات المستقبل: إذا تمكن النظام من البقاء وفشلت الثورة؛ وإذا سقط النظام ونجحت الثورة؟
من نافل القول، أنه ما عدا وجود مجموعة لا بأس بها في مخيم حندرات في ريف حلب، وقفت إلى جانب النظام السوري، فإن معظم الفلسطينيين، في دمشق ودرعا وحمص واللاذقية؛ إما انخرطت إلى جانب الثوار أو أنها أيدت الثورة من دون الانخراط مباشرة فيها.
ديموغرافياً، تستأثر دمشق بـ 67% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين البالغ تعدادهم 528,711 نسمة حتى 1 كانون ثاني 2013[iii]، يقطن أغلبهم في مخيم اليرموك، أما في باقي المحافظات فيتوزعون على النحو التالي: درعا8%؛ حلب 5%؛ حمص 5%؛ حماة 2%؛  اللاذقية 2%[iv]. أما النسبة الباقية (11%) فهي موزعة خارج المخيمات وخصوصا في دمشق وريفها.
يسكن معظم اللاجئين الفلسطينيين، وفق التوزع السكاني أعلاه، في مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية، وهم يعتبرون جزءاً من النسيج الاجتماعي السوري، وبالتالي هم منخرطون في الثورة أو مؤيدون لها، تبعاً لتوزعهم الجغرافي واندماجهم الاجتماعي.

أي مستقبل؟
يشي تذكير بثينة شعبان في مقابلتها مع "الميادين" الوارد في مستهل المقالة، والتجارب السابقة لنظام عائلة الأسد بشأن الفلسطينيين، بأنه فيما لو تمكن هذا النظام من البقاء، فإنهم سوف يكونون أبرز الضحايا الذين سيُقَدّمون، مع قضيتهم، للغرب كقربان في مسعى لإعادة ربط علاقة معه، وكعربون وفاء للموقف الإسرائيلي الداعم ديبلوماسياً من خلال مطالبة تل أبيب لواشنطن والدول الأوروبية، عدم تسليح المعارضة والحفاظ قدر الإمكان على بقاء نظام الأسد، الذي حمى حدود إسرائيل مع الجولان طيلة 4 عقود، وللدعم اللوجستي والعملاني من خلال السماح لدبابات النظام السوري بدخول المنطقة منزوعة السلاح والالتفاف على مقاتلي المعارضة في الجولان خلال المعارك التي دارت مطلع حزيران الجاري قرب خط الهدنة في الهضبة المحتلة، وأولاً وأخيراً عقاباً لفلسطينيي سوريا على تأييدهم الثورة. وجل ما يمكن أن يتبقى من الشأن الفلسطيني في سوريا، ورقة تستخدم هنا وهناك، ولطالما كانت القضية الفلسطينية بنظر النظام مجرد واحدة من أوراق الضغط التي تُشْهر في مقابل السماح ببقاء النظام.
على المقلب الآخر، فإن المعارضة السورية تبدو مربكة إزاء الشأن الفلسطيني وكيفية التعامل معه. وهي فيما تعي ميدانياً الدور الإيجابي الذي لعبه الفلسطينيون لمصلحتها، من خلال فتح مخيم اليرموك أمام النازحين السوريين من جوار المخيم، الهاربين من المقتلة التي باشرها النظام السوري منذ بدء الانتفاضة، وفتح المراكز الطبية في المخيم لعلاج الجرحى المدنيين ومن الثوار، ثم رفض المخيم لـ"اللجان الشعبية" الموالية للنظام التي شكلتها "الجبهة الشعبية ـــ القيادة العامة" بزعامة أحمد جبريل، والانقلاب عليها واستخدام السلاح الذي اعطي لبعض عناصرها الى جانب الثوار، فإن بعض تلك المعارضة المسلحة، قامت بممارسات سلبية ضد سكان اليرموك دفعت بشباب تنسيقية المخيم الى توجيه انتقادات وتحذيرات علنية من مخاطر الاستمرار بتلك الممارسات، وقد كان هؤلاء الشبان من طليعة المشاركين في التظاهرات في المخيم وفي منطقة الميدان قبل ان تستخدم اجهزة النظام القمع الوحشي ضد المتظاهرين، وعشرات منهم دفعوا الثمن شهادة او إصابات وملاحقات واضطرار لمغادرة سوريا بعدما قررت اجهزة النظام ومواليها من الفلسطينيين اغتيالهم. وقد لامس عدد الشهداء الفلسطينيين حتى شهر حزيران الجاري 1400 شهيد وآلاف الجرحى ومئات المعتقلين فضلا عن نحو 80,000 لاجئ إلى خارج سوريا، معظمهم في لبنان، وعشرات الاف النازحين من أمكنة سكنهم داخل سوريا.
إن في ما جرى في مخيم حندرات في حلب، الذي سيطر الثوار عليه، مثالا على ما قد يلاقيه الفلسطينيون من قبل بعض مجموعات المعارضة المسلحة، غير المنضبطة، حيث وبسبب وقوف بعض شبان المخيم الى جانب النظام، سيق كل السكان، حتى المؤيدين منهم للثورة، الى معتقلات أنشأها الثوار.
ويقول ناشطون فلسطينيون منخرطون إلى جانب الثوار، أنهم ورغم وجود بعضهم في الهيئات القيادية للمجالس الثورية كأفراد، إلا أنهم فشلوا في اقناع المعارضة بضرورة أن تنشأ لجان تنسيق رسمية وواضحة ومعلنة، وأن لا يقتصر الأمر على التمثيل الفردي، بما يسمح بتلافي السلبيات في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم او خارجها.
كما أن اللافت، رفض الهيئات السياسية القيادية للمعارضة، الميدانية في الداخل والسياسية في الخارج، إنشاء مكتب خاص بالفلسطينيين، تحت ذريعة أنه ليس الوقت الملائم لذلك، وأن الأمر قد يثير حفيظة بعض "أصدقاء سوريا"، علماً أن هؤلاء، الغربيون منهم تحديداً، لم يقدموا للثورة سوى الوعود بالسلاح من دون سلاح بل وبمنع بعض العرب من المبادرة الى التسليح، والتصريحات العلنية المؤيدة للمعارضة، لكن في الوقت نفسه ممارسة اقسى الضغوط السياسية والديبلوماسية والمالية على المعارضة لقبول التفاوض مع النظام، والقبول بتسوية تبقي النظام ضعيفا ولا تعطي للشعب حق اختيار نظام حكم يقرره بنفسه، في عملية يرفضها السوريون الذين ضحوا بمئات آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين وملايين النازحين واللاجئين، وتدمير مدن وقرى بكاملها، لإسقاط نظام آل الأسد.
أما الفصائل والهيئات الممثلة للفلسطينيين، سواء التابعة لمنظمة التحرير او الفصائل الاسلامية، كـ"حماس" و"الجهاد"، فإنها لم تجد حتى اليوم طريقاً إلى التفكير بمستقبل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وهي تبقى رهينة الحاضر والاصطفافات "الممانعاتية" و"الاعتدالية"، ما قد يترك نحو نصف مليون فلسطيني في سوريا أمام مستقبل مجهول.
إن العنصر الفلسطيني في سوريا، وعلى الرغم من ضآلة حجمه مقارنة مع المحيط الديموغرافي السوري ـــ نصف مليون مقابل 24 مليونا ـــ يبدو قابلاً للاستخدام إيجاباً وسلباً في المستقبل، وبالتالي على الهيئات التمثيلية الفلسطينية والهيئات التمثيلية الثورية السورية، أن تتعاون على الحيلولة دون إمكانية استخدام النظام وجماعة "الممانعة" الوجود الفلسطيني مستقبلاً بشكل سلبي، بعدما حال التفاف الفلسطينيين حول الثورة السورية، حتى الآن، دون تمكن نظام بشار الأسد من امتلاك الورقة الفسطينية في مواجهة ثورة الشعب السوري.


* نشرت المقالة في جريدة المستقبل يوم الخميس 13 حزيران / يونيو، 2013، وموجودة على الرابط الألكتروني:
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=574870

[i] مقابلة بثينة شعبان متاحة بالصوت في الموقع الالكتروني لقناة الميادين على الرابط:

http://www.almayadeen.net/ar/Programs/Episode/wwRxJFSxWEe_G6HWATRzpg/2013-06-07-%D8%A8%D8%AB%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D9%86---%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9


[ii] أنظر الموقع الالكتروني لموسوعة ويكيبيديا على الرابط:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A6%D9%88%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86_%D9%81%D9%8A_%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7.


[iii] أنظر الموقع الإلكتروني لوكالة غوث وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) على الرابط

http://www.unrwa.org/atemplate.php?id=100


[iv] أنظر موسوعة ويكيبيديا، مصدر سابق.

الاثنين، 3 يونيو 2013

احتجاجات "تقسيم في تركيا: الحرية قبل الخبز




======== أنيس محسن

من المبكر جداً التحدث عن "ربيع تركي" انطلق من ساحة "تقسيم" في الجزء الأوروبي من اسطنبول، لكن من المقنع التحدث عن "كرت أحمر" شعبي إلى الجزء الإردوغاني من حزب "العدالة والتنمية"، بأن لـ"الحرية الحمراء" في تركيا حدوداً لا يمكن تجاوزها حتى ولو كانت النجاحات الاقتصادية لإردوغان وحزبه. أما الرئيس عبدالله غول، الأقرب إلى العلمانيين في "العدالة والتنمية" فله آراء تتعارض مع الأردوغانية.
في انتخابات حزيران 2011 اكتسحت الإردوغانية البرلمان التركي بنسبة تجاوزت 50%، وكان حزب "العدالة" قد بدأ عهده في السلطة في تشرين الثاني 2002 بتأييد 34% من الأتراك، ثم رفع نسبة التأييد له في الانتخابات العامة التي جرت في تموز 2007 لتصل إلى 39,1%، مسجلاً فوزاً تصاعدياً قلما تحقق لأي حزب في نظام حكم ديموقراطي على الطريقة الغربية.
السبب الرئيسي للفوز الباهر والمتكرر والصعودي لـ"العدالة" التركي، هو  نجاحه في نقل اقتصاد تركيا من هاوية الانهيار في 2001 إلى رحاب الازدهار في 2007، ومن ثم تثبيت تركيا كمارد اقتصادي في 2011، فيما طموح الحزب الحاكم حتى الآن هو الوصول بالاقتصاد التركي في سنة 2025 إلى واحد من أهم 4 اقتصادات كبرى في العالم.
تقنياً، بإمكان تركيا أن تكون هذا المارد الاقتصادي، وأن تمثل نموذجاً آخراً مثل الصين وقبلها "النمور الآسيوية" وقبلهما يابان وألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، فكل الطرق ممهدة لذلك.
لكن ليس بالازدهار وحده يحيا الناس، الشعوب المزدهرة تتنفس الحرية أيضاً... بل لا تملك رئتها سوى هواء الحرية وبغيره تختنق.
خطأ إردوغان، الذي يخالفه به عبدالله غول، أنه يحاول فرض رؤاه الاجتماعية "الإسلاموية" على المجتمع التركي "المسلم" إنما "العلماني" و"المحافظ" إنما غير المتطرف اجتماعياً، وذلك عبر استخدام النجاحات الاقتصادية... وهنا كان مكمن الخطأ الذي، إذا لم يتراجع عنه إردوغان فسوف يكون خطأه القاتل.

بعد احتجاجات انطلقت شرارتها في 31 أيار 2013 وتفاقمت في 1 حزيران في ساحة تقسيم التاريخية في اسطنبول، خرج إردوغان يوم الاحد في 2 حزيران متحدياً ومتوعداً وأمرا الشرطة بالبقاء في الساحة ومواصلة قمع المتظاهرين متهماً، وقد يكون على حق، خصومه السياسيين (العلمانيين) باستغلال الوضع وتحويل الاحتجاجات الى احتجاجات سياسية، فيما بدأت أساساً رفضاً لتدمير رمز من رموز تاريخ المدينة، بذريعة التنمية السياحية.
بخلاف توعدات إردوغان، اعترف غول بتجاوزات كبيرة حصلت من قبل الشرطة، وأصر على أن المسألة تحل فقط بالحوار مع المتظاهرين، وعبر تفهم أسباب احتجاجهم.
إردوغان مزهواً بفتوحاته الاقتصادية ونجاحاته الانتخابية منذ 2002، يشعر بفائض قوة، وبالتالي يهدد ويتوعد ويهدد بملايين في الشارع في مقابل بضع مئات أو آلاف نزلوا امس أيضا الى الشارع، تماماً كما سعى إلى فرض الحظر التدريجي للخمور بعدما تمكن من تعديل الدستور الذي كان يمنع ارتداء الحجاب في الجامعات، والأخطر من ذلك تقييده الحريات العامة عبر زج الصحافيين المعارضين في السجون، وقد سجلت حكومته واحداً من اسؤء السجلات السوداء في تقييمات الحريات الصحافية لسنة  .2012
عبدالله غول، الأكثر تفهماً لنبض الشارع التركي والأهدأ، فهم أنه حتى وإن كانت نجاحات "العدالة والتنمية" فاقت التوقعات، فإنه في الديموقراطيات الحديثة، الجمهور يسأم من رؤية الحكام أنفسهم، ويلجأ الى التغيير، فكيف إن شعر هذا الجمهور أنه يفرض عليه المفاضلة بين الازدهار والحرية.
فيما كان أردوغان والبعض من طاقمه يراهن على أن الساحات سوف تفرغ من المعتصمين في أول يوم عمل، في يوم الإثنين 3 حزيران، بعدما قضوا عطلة نهاية الاسبوع في التظاهر والاعتصام، في اسطنبول وفي انقرة وغيرها من المدن الكبرى، فإن تكرار المشهد، مبدئياً، يوحي بأن الأمور قد تفلت من عقالها وتتسع إلى انتفاضة "حرية" تركية.
إن لم يتواضع إردوغان فإن عنجهيته قد تحيل كل نجاحاته الى هاوية فشل قد لا ينهض منها حزب "العدالة والتنمية". ويبقى بالتالي الرهان في تركيا، لمواصلة مسيرة من النجاح الاقتصادي واستثماره بتوسيع ساحات الحرية وليس خنق الساحات التي تحمل عبق ذاكرة شعبية مثل ساحة "تقسيم"، على أشخاص مثل عبدالله غول، وهم ليسوا أقلية في "العدالة والتنمية" على الرغم من شخصية إردوغان الطاغية والكريزمائية.

الجمعة، 10 مايو 2013

المستقبل - السبت 11 أيار 2013 - العدد 4684 - شؤون عربية و دولية - صفحة 14


"ستاتيكو الموت" في سوريا وإعادة إنتاج "الحلول"



أنيس محسن
     باتفاق القطبين الدوليين، الولايات المتحدة والإتحاد الروسي، ليل 7 ـ 8 أيار 2013، على إعادة تفعيل اتفاق جنيف الذي رعياه ووضع بنوده المبعوث الدولي السابق كوفي أنان على رأس مجموعة العمل حول سوريا في 30 حزيران 2012، تكون الدولتان الراعيتان للاتفاق والأكثر تأثيراً، عملياً في مسار الأزمة السورية، قد كرستا "ستاتيكو الموت" القائم في سوريا منذ نحو عام ونصف، لبلوغ تسوية سياسية تحول دون إعادة بناء دولة قوية متماسكة.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم وبعد مرور نحو عام على اتفاق جنيف، ما الذي تغير على أرض الواقع كي يتفق القطبان على ما كانا قد اختلفا عليه؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من عودة سريعة إلى اتفاق جنيف لتبيان هدفه الحقيقي، ومحاولة تقدير الموقف القائم حالياً بغية استشراف احتمالات المستقبل.

                                      "الستاتيكو" السياسي
     إن جوهر ما اتفق عليه واضعو ورعاة اتفاق جنيف في حزيران 2012، هو حل الأزمة السورية سياسياً، عبر تشكيل حكومة من المعارضة والنظام بصلاحيات كاملة وواسعة بعد تخلي بشار الأسد عن صلاحيات حصرية يمتلكها وفق النظام الشمولي الذي يجلس على عرشه، لكن مع بقائه في سدة الحكم، بل حقه في الترشح مجدداً في سنة 2014 ووفق القراءة الروسية / الإيرانية، فيما القراءة الأميركية / الغربية كانت تذهب إلى أن مضمون الإتفاق يعني تنحّي الأسد وتكليف نائبه بمهام قيادة الدولة، على غرار النموذج اليمني الذي تبنّته دول الخليج العربي وفرضته على القوى المتصارعة في صنعاء، بموافقة دولية.
     مجدداً، لم يخرج اجتماع موسكو ليل 7 ـ 8 أيار 2013، بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري وكل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، بجديد: فلقد توافق الطرفان على أن الحل سياسي ومبني على أسس اتفاق جنيف، وعلى وضع آليات لتنفيذ الإتفاق والسعي إلى إقناع طرفي الصراع بالجلوس على طاولة المفاوضات، لكن من دون الإشارة إلى اتفاق بشأن مصير بشار الأسد مع تكرار اللازمة الروسية بأن موسكو لا تحمي أشخاصاً أنما تريد الحفاظ على وحدة سوريا، وكذلك العودة إلى الحديث عن تشرذم المعارضة وضرورة توحيد صفوفها قبل عقد مؤتمر دولي، توافَق عليه المحاور الأميركي مع محاورَيه الروسييَن من دون تحديد تاريخ له، والاكتفاء باستخدام عبارة "قريباً".
     إذاً، في السياسة لم يتغير أي شيء وعاد الجميع إلى نقطة الصفر، التي لم يبارحها أي من أطراف المعادلة الدولية المؤثرة في الأزمة السورية: كمثل الدجاجة والبيضة وأيهما وجد قبل الآخر، تتكرر لازمة هل يتنحّى الأسد بعد تشكيل الحكومة أم يبقى الستاتيكو السياسي حتى موعد الانتخابات الرئاسية في سنة 2014 في سوريا، وعندها يتقرر الأمر وفق المعادلة الموجودة في الميدان ووفق التوازنات السياسية / الأمنية، الإقليمية والدولية، فيبقى الأسد في حينه أو يغادر.

                                  "الستاتيكو" العسكري
     ولا يختلف أمر الميدان العسكري عمّا هو حال الميدان السياسي. صحيح أنه منذ أن أشهر النظام سلاحه على التظاهرات السلمية بعد نحو ستة أشهر من بدء الانتفاضة الشعبية في آذار 2011، وانشقاق عدد من الضباط عن جيش النظام والشروع بتشكيل مجموعات مسلحة لحماية المتظاهرين، حدثت متغيرات كبيرة؛ فتضخم عدد "الجيش السوري الحر" وتنامت المجموعات المسلحة "الإسلامية" المتطرفة وكبرت وتوالدت كالفطر ووجدت من يدعمها تسليحاً وتمويلاً، ليس فقط من قبل تنظيم "القاعدة" إنما من جهات إقليمية وربما دولية؛ وغيّر النظام من تكتيكه العسكري فلجأ الى تجميع قواته في مراكز المدن الرئيسية تاركاً الأرياف للمعارضة المسلحة، ثم انسحب من مراكز مدن على أطراف البلاد وتمركز خصوصاً في دمشق ومدن الساحل، لكن من دون أن يعني ذلك الانسحاب الكامل، اذ أن تقدم المعارضة في محافظات إدلب وحلب والرقة وحوران، وتمكنهم من احتلال مراكز مدن في تلك المحافظات، لم يدفع قوات النظام إلى مغادرة الميدان، بل بقيت متواجدة على تخوم تلك المناطق بشريا، وفي قلبها عبر قوة النيران: الصاروخية والمدفعية بعيدة المدى وسلاح الطيران، وقد تميزت تلك المرحلة بتمدد المعارضة المسلحة وبلوغها محيط قلب العاصمة دمشق وتخوم مدن الساحل في مرتفعات وأرياف اللاذقية، ومن حمص ومدن وبلدات ريفها المحاذية للبنان، حتى حدود الساحل؛ وهنا جاءت المرحلة الجديدة من خلال دخول "حزب الله" الواسع مع مليشيات شيعية عراقية، ميدان المعركة، بزعم الدفاع عن الأماكن المقدسة للشيعة مثل مقام السيدة زينب في ريف دمشق، وعن اللبنانيين القاطنين في قرى في منطقة القصير في ريف حمص، لكن في حقيقة الأمر، تأميناً لطريق إمدادات استراتيجي لقوات النظام بين الساحل ودمشق، ولـ"حزب الله" من أماكن تخزين الصواريخ الإيرانية باتجاه عمق الحزب البشري في البقاع اللبناني، وأبعد من ذلك، منع سقوط نظام الأسد الذي يمثل حلقة الوصل الجغرافية من طهران إلى بغداد وصولاً إلى لبنان، في الجيو ـ استراتيجيا الإقليمية، المسماة "محور الممانعة" والتي تمتد إلى روسيا وبعض حليفاتها في ما يسمى بدول تجمّع "البريكس"، وهذا على الصعيد العالمي.
     تلك المتغيرات أحدثت تبدلاً في السيطرة الميدانية، وفيما حافظت المعارضة على تواجدها القوي في حوران وحلب وإدلب وتوسعت في الرقّة، تراجعت بشكل دراماتيكي على جبهة حمص ـ القصير، فتقلصت البقعة الجغرافية التي تسيطر عليها قوى المعارضة المسلحة إلى جيوب داخل بعض أحياء مدينة حمص، وانكسرت في ريف القصير وتراجعت إلى مركز مدينة القصير فباتت محاصرة من قبل عناصر "حزب الله" ومليشيات النظام التي جرى تدريبها في إيران على حرب الشوارع وبلغ تعدادها نحو 60 ألف عنصر، وبالتالي تم تأمين المنطقة الحدودية بين البقاع وحمص امتداداً إلى ريف دمشق الغربي المحاذي أيضا للحدود اللبنانية، بل وانتقلت قوات النظام من التكتيكات الدفاعية في العاصمة، الى الاستراتيجية الهجومية على أحياء دمشق الجنوبية والشرقية التي كانت تسيطر عليها المعارضة وتهدد عبرها قلب العاصمة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الغوطة الشرقية المحيطة بمطار دمشق الدولي، والمناطق الجنوبية الغربية المحاذية للطريق السريع المعروف بـ"المتحلق الجنوبي"، وخصوصاً مدينتي داريا ومعظمية الشام اللتان تبعدان بضعة كيلومترات عن "قصر الشعب" في منطقة دمَر حيث المقر الرئاسي لنظام آل الأسد.
     على أن لتراجع قوى المعارضة المسلحة وتقدم تحالف الأسد ـ "حزب الله" ـ المليشيات الشيعية العراقية، ميدانياً، أسباباً لوجستية. فقد افتقدت المعارضة المسلحة الدعم المطلوب إقليمياً ودولياً، ولم ينتج عن مؤتمرات أصدقاء الشعب السوري سوى وعود بالتسليح لا تلبث أن تختفي، لتبرز إعلامياً في كل مرة فزاعة "جبهة النصرة" التي تلمع قبل كل اجتماع إقليمي أو أوروبي فيه إمكانية حديث عن تسليح المعارضة، وتخبو مع انتهاء تلك الاجتماعات إلى اللا اتفاق. كما تتكثف الدعوات لتسليح المعارضة بعد كل اندحار ميداني للمعارضة، وتبرز "المخاوف" من انتقال السلاح الى "الإرهابيين الإسلاميين" من مثل "جبهة النصرة" بعد كل نجاح ميداني يتحقق ضد قوات النظام. فيفتح صنبور التسليح على قدر ما تحتاجه المعركة الواحدة المحددة الأهداف، وتقفل إذا ما تجاوزت تلك الإهداف، في "ستاتيكو دموي" أراق دم مئات الألوف من أبناء الشعب السوري، قتلى وجرحى؛ وحوّل عشرات ألوف السوريين، معتقلين ومفقودين؛ وتسبب بدمار رهيب للمساكن والبنى التحتية على اتساع رقعة الحرب الدائرة، وبتشريد ملايين السوريين كنازحين داخل حدود البلاد، ولاجئين إلى دول الجوار، في ظروف إنسانية غاية في السوء.

                                    إسرائيل: دخول موضعي
     كان لافتاً وسط الجمود السياسي للأزمة السورية، وتبادل السيطرة الميدانية عسكرياً ثم تقدم تحالف "حزب الله" ـ المليشيات الشيعية العراقية ـ نظام الأسد خصوصا على جبهتي حمص ودمشق، الدخول الموضعي الإسرائيلي الذي تمثل بجولتين من الغارات الجوية بين ليل الخميس ـ الجمعة 3 ـ 4 أيار الجاري، وفجر الأحد في 5 أيار، قرب جبل قاسيون المشرف على دمشق، وبلدة جمرايا في ريف دمشق الغربي.
     لم تُحدث موجة الغارات تلك أي تغيير ميداني أو سياسي. فسياسياً احتوت اسرائيل المسألة دولياً عبر اتصالات مكثفة مع موسكو وبكين وواشنطن وعواصم القارة الأوروبية، وسكت الجميع عن الأمر بل وأعطوا الحق لإسرائيل بالمبادرة إلى الهجوم لمنع انتقال أي أسلحة استراتيجية إلى "حزب الله"، فيما محور "الممانعة" أطلق سيلاً من التهديدات التي لم تكن سوى صدى في أثير الإذاعات والقنوات التلفزيونية وحبراً على ورق الصحف، من دون فعل ميداني، فيما فتح نظام الأسد حدود الجولان، التي لا يملك السيطرة عليها، لعمليات عسكرية سمح لتنظيمات فلسطينية، لم تعد تمارس المقاومة سوى دفترياً، القيام بها؛ والنتيجة: لم ير أحد رداً صاروخياً من قبل قوات الأسد أو "حزب الله" الحليف، ولا عمليات عسكرية عبر الجولان للتنظيمات الفلسطينية "الممانعة".
     سعت إسرائيل منذ الساعات الأولى للغارات الموضعية، التي قالت إنها استهدفت مستودعات لتخزين صواريخ إيرانية مرسلة إلى "حزب الله"، إلى طمأنة نظام الأسد عبر التصريحات الإعلامية لبعض المسؤولين أو "المصادر"، أو عبر وسطاء تجمعهم علاقة مع إسرائيل ونظام الأسد، مثل روسيا، وأكدت أنها غير معنية في الصراع القائم بين النظام والمعارضة، وأنها لم ولن تتدخل لتغليب طرف على آخر، وتحديداً لن تساعد المعارضة لإسقاط النظام.
     لكن ما تركته الغارات الإسرائيلية من آثار، غير تلك التي تمثلت بأرض محروقة في محيط سقوط الصواريخ من شدة انفجارها، رسالة إلى من يعنيهم الأمر من "الممانعين" أن ثمة خطوطً حمراء لن يستطيعوا تجاوزها، خارج دائرة الصراع في سوريا وعليها، وتحديداً ما يمكن أن يمثل تهديداً مستقبلياً على إسرائيل، كبر أم صغر. وبالتالي فإن ميدان اللعب محصور في الداخل السوري ولن يسمح بأن يتعدى ذلك الميدان.
     كما أكدت الغارات، ما بات معروفاً، من أن المجتمع الدولي غير معني في تغليب طرف على آخر في الصراع الداخلي السوري، طالما أن الأمر يبقى بعيداً عن أي تأثير سلبي على إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة والغرب الأوروبي، وغير العدو لروسيا والصين بل ربما الصديقة. وليس صدفة بالتالي أن تكون المواقف السياسية للدول المفترض أنها على طرفي نقيض إزاء الأزمة السورية، متقاربة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
 
                                   احتمالات المستقبل
     لن يكون مستقبل الصراع في سوريا مفتوحاً إلى ما لا نهاية، وإذا اتسع المدى الزمني، فإنه سيبقى مؤطراً ضمن ضوابط محسوسة ومحسوبة في الميدانين السياسي والأمني للاعبين الكبار. ولسبر غور الاحتمالات، لا بد من وضع تصور لحالة كل من اللاعبين الأساسيين والفرعيين في ميدان الأزمة السورية:
1 محلياً: اللاعبان المحليان في الأزمة السورية هما النظام المدعوم بقوة نار وبجيش عقائدي شبه طائفي، مدعوم بدوره من مليشيا طائفية جرى تشكيلها في النصف الأخير من العام الثاني للأزمة؛ والمعارضة السورية المهشمة سياسياً في الخارج تبعاً لمصالح اللاعبين الأساسيين دولياً وإقليمياً والمبعثرة عسكرياً في الداخل بين "جيش سوري حر" محروم من التسلح، ومجموعات إسلامية متطرفة تُموّل وتُسلّح لغايات "بعد سورية" ـ خصوصاً إقليمية وعلى صلة بترتيبات ما بعد الحراك العربي الذي أسقط عدداً من أنظمة المرحلة السابقة.
أ : نظام الأسد: تمكن نظام الأسد من الصمود عامين بعد التظاهرات السلمية التي دعت إلى سقوطه، وبذلك فاقت قدرته على التحمل والصمود كل الدول العربية التي شهدت حراكاً في الشارع، كما تفوقت دمويته على نظامي معمر القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن، اللذين خُلعا؛ الأول بقوة تدخل الغرب وقُتل على يد مواطنيه، والثاني تنحى بعد أخذ ورد ومحاولة اغتيال كادت أن تقتله، وبضغط خليجي. لكن في المقابل فإن نظام الأسد فقد السيطرة على أكثر من 60% من سوريا، وبات على بون شاسع عن مواطنيه خصوصاً السنة الذين يمثلون الأغلبية الساحقة طائفياً وقومياً بعدما سفك دم عشرات الألوف منهم. كما أنه لم يكن ليصمد لولا الدعم المباشر، عدة وعتاداً ومالاً وأفراداً من التحالف الشيعي الإيراني ـ العراقي ـ اللبناني ممثلا بـ"حزب الله" و"عصائب أهل الحق"، والسياسي الديبلوماسي الروسي / الصيني، بل وبالضغط الإسرائيلي على الغرب لعدم السماح بسقوطه من دون توفير بديل لا يقل عنه قدرة على تهدئة جبهة الجولان، وبالتالي فإن نظام الأسد يصبح ضعيفاً في مواجهة الشعب السوري الذي كسر جدار الخوف ولن يتراجع حتى ولو لم تتكلل ثورته بنصر ناجز، ومثقلاً بسداد فواتير الدعم الخارجي بشتى صنوفه، وبالتالي فإن صموده واستقراره مرحلياً لا يعني ثباته استراتيجياً، وسوف يكون الحلفاء والخصوم الخارجيون أمام عملية بحث جدّية عن بديل.
ب : المعارضة السورية: بل المعارضات السورية؛ السياسية والعسكرية. إن المعارضة التي نشأت أساساً في الشارع وفي حراك سلمي، قد تحولت بفعل دموية النظام المدعوم خارجياً، إلى معارضة سياسية مشتتة في الخارج مرتبط بعضها المؤثر بأجندات ومصالح دولية وإقليمية، ومعارضات مسلحة في الداخل بعضها (العلماني) يفتقر إلى التمويل والتسليح والتنظم، وبعضها (الإسلامي المتطرف) ممول ومسلح ومنظم لكنه أقلية وغاية حربه ضد النظام لا تتقاطع مع أهداف الشعب السوري بالانعتاق والتحرر وارساء الديموقراطية والتعددية، إنما بخلفية رجعية تريد العودة بالمجتمع الى عهود انقضت وباتت في غياهب التاريخ مثل إعادة الخلافة وخلاف ذلك من أوهام، على أن تلك التنظيمات ممولة من قبل أطراف ودول متعددة الغايات، ما يضفي بعداً تآمرياً أحياناً على مسار الأحداث عندما يكون الإتجاه نحو التغيير الديموقراطي التعددي، الذي يقوض أنظمة غير ديموقراطية ويكشف زيف "الديموقراطية الإسرائيلية" و"همروجة" حقوق الإنسان المستخدمة وفق غايات محددة من قبل الغرب المتقدم. إن المعارضة السورية بشقها الداخلي العسكري باتت منهكة وهي غير قادرة على إدارة مناطق نفوذها التي تسودها الفوضى وتشارك في حكمها أحياناً عصابات إجرامية، وبشقها السياسي الخارجي مكشوفة على ضعف ووهن وارتباطات خارجية، وبالتالي فهي غير مؤهلة لحكم البلاد في مرحلة ما بعد الأسد.
2 ـ خارجياً: ثمة لاعبان أساسيان دولياً، ومثلهما إقليمياً. دولياً اللاعبان الأساسيان هما الولايات المتحدة وتدور بفلكها الدول الأوروبية وحليفات واشنطن في أماكن أخرى، وروسيا ومعها الصين وحليفاتها في تجمع دول "البركس"؛ إقليمياً اللاعبان الأساسيان هما: إيران والتحالف الشيعي اللبناني / العراقي في جانب، وإسرائيل في جانب آخر. أما تركيا فلم تثبت نفسها كلاعب رئيسي رغم انغماسها في الأزمة السورية، لغير سبب متعلق بالفكر السياسي الذي تنطلق منه في علاقاتها الديبلومسية و/ أو بالوضع الداخلي والتعقيدات الإثنية فضلاً عن عدم قدرتها على التصرف من خارج إجماع دول حلف شمال الأطلسي وهي العضو في هذا الحلف، وبالتالي يمكن استثناء أنقرة من اللعب في مساحة الأزمة بشكل مؤثر بإرادتها وليس لعدم قدرتها.
أ : روسيا والولايات المتحدة وحلفاء كل منهما: تبدو روسيا من أكثر الداعمين، بل هي الطرف الدولي الداعم سياسياً وديبلومسياً وأمنيا،ً لنظام بشار الأسد، لكن لروسيا مصالحها في سوريا وفي الإقليم وعلى المستوى الدولي وهي لم تعد تلك الدولة التي تحركها الأيديولوجيا، إنما المصالح بالبعدين الآني والاستراتيجي، وإذا ما بدت مصالحها تقع خارج دعم النظام فإنها لن تتورع عن تركه يسقط وحيداً. وثانياً الولايات المتحدة الحذرة من أي تدخل عسكري فيما هي تجمع عدتها للخروج من أفغانستان بعدما خرجت من العراق التي كلفتها حربها فيه نحو 3 تريليونات دولار وفق تقديرات الاقتصادي الأميركي البارز جوزف ستغليتز. كما أن الولايات المتحدة غير معنية وغير مستفيدة من وجود نظام سوري قوي يقارعها أو يعمل على المشاركة في السيطرة في الشرق الأوسط الصغير، بغض النظر عمّن يحكم سوريا: المعارضة أم آل الأسد، وبالتالي لن تُسقط الأسد لإنشاء نظام قد يكون أكثر عدائية تجاه حليفتها الاستراتيجية إسرائيل، وهي في كل الأحوال تفضل نظاماً ضعيفاً معتمداً في بقائه على قوى خارجية، وبالتالي يمنع بناء أسس لتجمع عربي قوي يمكن أن يستعيد عصر الناصرية في مصر مجدداً، من خلال منع بناء سوريا قوية.
ب : إيران وإسرائيل وتركيا: منذ ما بعد مرحلة حكم الخميني لإيران، وانتقال السلطة إلى يد المرشد علي خامنئي، مدعوماً بالباسيج والباسدران الذين باتا يشكلان محور الدولة العميقة في إيران، أصبحت غاية إيران التحول إلى دولة إقليمية كبرى تلعب دوراً محورياً بل انفرادياً خصوصاً بشأن الخليج العربي وامتداداً إلى منطقة شرق المتوسط مروراً بالعراق عبر تحالفاتها الشيعية، وتقارع الهيمنة الإسرائيلية المبنية على البعد الأمني العسكري فقط. لكن دون الحلم الإيراني ممانعة عربية ببعد قومي لما يعتبره العرب سيطرة "فارسية" وعدم قدرة طهران على نسج علاقات الند مع دول عربية كبرى أو ذات تأثير كبير مثل مصر والعراق وسوريا، بفرضية وجود هذا الضلع العربي للمثلث الإقليمي المتمثل بإيران وتركيا والدول العربية. وكذلك رفض دولي: غربي وروسي، لدور إيراني حاسم في المنطقة، ومنطق إسرائيلي يرفض أي دور إقليمي لأي دولة أخرى ضمن منطقة نفوذها المباشرة في المجال المتوسطي، كما أن الوضع الداخلي الإيراني غير ثابت وإن شهد استقراراً هشاً، خصوصاً بين هيمنة رجال الدين على السياسة والعمل الخفي للدولة العميقة للتحكم بمسار البلاد. وبالنسبة لإسرائيل فإن الطابع الإسبارطي للدولة والنزعة التوسعية والعدوانية في المحيط وباتجاهه والتوجه المتسارع نحو اليمين الديني بعدما أصيبت الدولة الصهيونية العلمانية بالهرم، كل تلك العناصر تجعل منها دولة قوية لكن معزولة ومنطوية على نفسها داخل قوقعة متماسكة لكن لا قدرة لها على التوسع جغرافياً واقتصادياً أكثر من المجال الذي تدور فيه حالياً. أما تركيا الحائرة في سياستها الخارجية بين مبدأ "صفر مشاكل مع الجوار" والجوار الإشكالي في تكوينه ومساره، وبين الغوص في الشرق والبقاء على ارتباط بالغرب، والمشغولة في تسوية الصراع التاريخي التركي ـ الكردي بما يضمن عدم خروج الجغرافيا الكردية / التركية على السيادة التركية كدولة مركزية، فإنها لا تبدو راغبة في أكثر من أن تكون لاعباً مؤثراً في المنطقة لكن ليس أساسياً، وتعتمد على مؤازرة الآخرين وليس على فرض سياساتها عليهم.
     الخلاصة هي أن اللاعبين الداخليين في سوريا غير قادرين على حسم الصراع من دون مساعدة اللاعبين الخارجيين، واللاعبين الخارجيين منقسمون بين من لا يريد لسوريا أن تكون دولة مركزية قوية، وبين من لا يملك القدرة أو الإرادة لـ / وعلى مساعدة السوريين في بناء الدولة المركزية القوية. أما بشأن الصراع فإن التوجه الدولي كان منذ البداية عدم السماح بحسمه لطرف على حساب طرف آخر، وتفضيل إضعاف سوريا لكن من دون السماح بتقسيمها إلى دويلات طائفية، وإطالة عمره لكن ليس إلى ما لا نهاية،. والحل المفترض ضمن الخارطة هذه، هو بناء دولة ضعيفة وغير متماسكة داخلياً ترتبط مصلحياً بعضها بالبعض الآخر لكن تتباعد طائفياً؛ وفي المدى الأوسع، ضمان عدم قيام أي نوع من التعاون العربي ـ العربي، سواء على أسس فدرالية أو كنفدرالية، والإبقاء على الدول ككيانات متناحرة إحداها يخشى الآخر، وهذا هو الحلم الاستعماري الغربي منذ القدم، وقد تبلور بعد الحرب العالمية الأولى بشكله المعروف، وهو لم يتغير لا شكلاً ولا مضموناً في الوقت الحاضر.

الأحد، 20 يناير 2013

لمستقبل - السبت 19 كانون الثاني 2013 - العدد 4579 - شؤون عربية و دولية - صفحة 15


"نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود" لعارف العارف
تدوين دقيق ليوميات حيّة وحفر مباشر في الذاكرة






أنيسمحسن
أعادت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" أخيرا طباعة كتاب عارف العارف "النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 1949"، بعد 56 عاماً من صدوره في العام 1956 عن "المطبعة العصرية في صيدا. 
وليس الصدور الجديد هو الحدث، إنما إعادة إحياء هذا المرجع القيّم عن مرحلة من أهم مراحل التاريخ العربي الحديث، المتمثل بنكبة فلسطين، من بوابة القدس، التي تتعرض اليوم لأقصى هجمة استيطانية شرسة تسعى الى محو كل أثر عربي فيها، إسلامياً كان أم مسيحياً، وتحاول إسرائيل عبر ذلك إعادة كتابة التاريخ وفق مصلحتها كمنتصر في الحرب التي لم تضع اوزارها في العام 1948، رغم سقوط معظم أرض فلسطين بيد الحركة الصهيونية، ولا بعد هزيمة حزيران 1967، التي احتلت اسرائيل فيها ما تبقى من فلسطين.
تكمن أهمية كتاب العارف، من أنه "المرجع الأوثق والأفضل بالعربية لنكبتنا سنة 1948، على الرغم من مر السنين، وعلى الرغم مما يشوبه من فجوات وهفوات ونقائص والكم الضخم الذي كتب في هذا الشأن منذئذ"، كما يكتب المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي في مقدمة الطبعة الجديدة لـ"النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 1949".
ولأن "أحسن التواريخ وأصدقها ما يكتبه المؤرخون بعد مضي ما لا يقل عن ربع قرن من الزمن" كما يقول العارف في مقدمة كتابه حين صدور الجزء السابع والأخير من الطبعة القديمة في العام 1961 والمؤرخة في 15/ 1 من العام نفسه. ولأن ما ينقل يجب أن ينقل عن مصادر موثوقة، يضيف العارف "آليت على نفسي ألا أروي إلاّ ما رأته عيني، وما رواه العدل الثقاة"، خلال عقدين وأكثر من الزمن، "منهم رؤساء بلديات ومجالس محلية قروية وأعيان وتجار ومخاتير وقضاة ومحامون وأطباء ومعلمون ومناضلون وقرويون عاديون"، ( المقدمة صفحة lix). 
ويحرص عارف العارف على أن يدعم بـ"الوقائع والأسماء والأماكن والأرقام"، ويدون مذكراته "في يوميات متتابعة ما انقطعت عنها يوماً واحداً خلال الأعوام الأربعين المنصرمة"، وفق العارف الذي راح يسجل في يومياته، منذ صدور توصية تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 181 في تشرين الثاني (نوفمبر) 1974، واندلاع القتال بين الفلسطينيين والمنظمات الصهيونية، "ما يحدث من أحداث، غير متملق أحداً من الناس: ملكاً كان أو زعيماً، حاكماً أو محكوماً، غنياً أو فقيراً. لا، ولا شايعت فئة من الناس، أو هاجمت أخرى عن قصد. ولقد اعتصمت بالنزاهة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. فذكرت ما حدث كما حدث. ودونت ما كان، كما كان؛ لا كما أردت أنا، أو أراد قومي العرب أن يكون".
آثر عارف العارف أن ينهل المعلومات من مصدرها، ليضيفها إلى ما رأى بأم عينه، ولذلك زار بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة في عامي 1953 و1954. وقد قابل في بيروت وزير الدفاع اللبناني آنذاك الأمير مجيد أرسلان. وفي دمشق؛ رئيس هيئة أركان الجيش السوري اللواء عبدالله عطفة؛ والعقيد عبد الوهاب الحكيم الذي قاد الرتل السوري المدرع في الهجوم الفاشل على مستعمرة داغنيا جنوب بحيرة طبريا، ووزير الدفاع السوري السابق أحمد الشرباتي. وفي بغداد قابل؛ وزير الدفاع السابق صادق البصام؛ ورئيس اللجنة العسكرية التي أشرفت على جيش الإنقاذ اللواء إسماعيل صفوت باشا؛ وقائد الجيش العراقي عند بدء الحرب نور الدين محمود؛ ورئيس أركانه صالح صائب الجبوري؛ والزعيم محمد طاهر الزبيدي وزميله العقيد الركن نجيب الربيعي اللذين قادا أول هجوم على مستعمرة غيشر؛ وغيرهم من الضباط العراقيين الأدنى رتبة. وفي القاهرة قابل آخر قائد للجيش المصري على جبهة القتال اللواء أحمد فؤاد صادق.
وساعد على دقة ما نقله العارف في كتابه، كما يقول الخالدي في مقدمة الطبعة الأخيرة، أنه بقي "في موقعه الإداري في رام الله طوال الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني، وثباته في هذا الموقع حتى انتهائه، ودخول "الجيش العربي" البلد وتثبيته في منصبه هذا من جانب حكومة شرق الأردن" ما أتاح له "إقامة شبكة واسعة من العلاقات مع الطرف البريطاني (المدني والعسكري)، ومع قادة المناضلين الفلسطينيين في "الجهاد المقدس" في آن واحد ثم مع قادة "الجيش العربي" البريطانيين والعرب، فضلا عن علاقته بالملك عبدالله".
وبينما تحتل القدس حيزاً وفيراً في هذا الكتاب، فإنه يتناول أيضاً أخبار سقوط مدن وقرى عديدة مثل "صفد أو عكا أو يافا أو المجدل أو بئر السبع أو هذه القرية أو تلك"، و"يعتبر من أهم المراجع عن مصير هذه الأماكن لما يتضمنه من معلومات وحقائق غير متوفرة إلاّ في كتابه"، كما يقول الخالدي.
إن الأهمية العلمية لكتاب "النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 1949"، تأتي من هذا التنوع الكبير في مصادر المعلومات. فقد قابل عدداّ هائلاّ من المسؤولين والقادة والإداريين والأشخاص العاديين، ودقق بكل تفصيل، وراجع كل وثيقة أو معلومة، وكان محايدا في نقل ما رأى وما سمع على الرغم من أنه واحد من هذا الشعب الذي ابتلي بنكبة العام 1948، وهو أمر لم يفعله قبله أي باحث.
أما الأهمية الوطنية للكتاب فتتجاوز مجرد الحديث عن تاريخ مضى، إلى تخليده "دور مواطنين ومناضلين عاديين من سكان المدن والريف، وحرصه الدؤوب على التعرف إلى ذوي الأسماء غير الرنّانة" على ما يقول الخالدي الذي يضيف أن العارف "يعطيك أسماء أعضاء "فرقة التدمير" الفلسطينية الشباب الذين أبلوا بلاء حسناً في معارك القدس". ويرى الخالدي أن حرص العارف "على الاعتراف بأدوار المواطنين العاديين وتضحياتهم، من فلسطينيين وعرب مدنيين وعسكريين يتجلى أكثر ما يتجلى في الجهود الجبارة التي بذلها صاحبنا (العارف) في تثبيت أسماء من استشهد منهم، وذكر مواقع استشهادهم وتواريخه وبلد الشهيد وما أمكن أن يعرف عنه". وفي هذا السياق "قسم العارف الشهداء الذين استقصى أسماءهم قسمين: أولهما شهداء الجيوش النظامية، وثانيهما الشهداء المجاهدون الذين ينتمون إلى فرق "الجهاد المقدس" الفلسطينية، وسائر المناضلين من أبناء فلسطين، مضافا إليهم المناضلون في "جيش الإنقاذ" الذي ضم متطوعين من أقطار جامعة الدول العربية، والمناضلون المستقلون من دول المشرق والمغرب".
صدرت الطبعة الجديدة لكتاب عارف العارف "النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 1949" عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في تشرين الأول (أكتوبر) 2012. ويوضح الخالدي في شأن إصداره في 3 أجزاء بدلاً من سبعة في الطبعة الأولى: "ضمت الأجزاء الأربعة الأولى (من الطبعة القديمة) المتن الأساسي للكتاب، وخصص الجزء الخامس لوثائق دولية وعربية وإحصاءات مختارة، والسادس لأسماء الشهداء الذين استشهدوا في القتال (1947 1950) من أبناء فلسطين، ومن ضباط جيوش الدول العربية وجنودها الذين اشتركوا فيه، وخصص الجزء السابع لصور الأحداث والأشخاص الذين شاركوا في تلك الأحداث. ولقد رأينا أن نضم الأجزاء الأربعة الأولى (وهي صلب الكتاب) في جزءين في هذه الطبعة الجديدة (...)، وأن نضم الجزءين الخامس والسادس الأصليين في جزء ثالث صارفين النظر عن الجزء السابع ومستعيضين عنه بصور ملائمة اخترناها وجعلناها في متن الجزءين الأولين الحديثين مضيفين إليها خرائط سياسية وعسكرية منتقاة (...)".
إن كتاب "النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود 1947 1949" لعارف العارف، وعلى الرغم من مرور أكثر من خسمة عقود على تأليفه، لا يزال من أهم المراجع العربية الموثوق بها، وأهم مرجع فلسطيني عن نكبة 1948. وذلك لمعاصرة مؤلفه للنكبة ووجوده وسطها وتدوينه اليومي لمجرياتها وتسجيله الدقيق كما لا شبيه له من الروايات عن أحداثها، نقلها عن مسؤولين عرب وفلسطينيين ومناضلين ومواطنين عاديين، حرص على مقابلتهم في فلسطين والعواصم العربية لاستجلاء الحقيقة منهم.