الأربعاء، 6 أبريل 2011

صدمة فلسطينية لاغتيال الممثل والمخرج جوليانو خميس
المستقبل - الاربعاء 6 نيسان 2011 - العدد 3961 - الصفحة الأولى - صفحة 1





رام الله ـ أحمد رمضان
خرج مئات المثقفين الفلسطينيين في تظاهرة حاشدة أمس جابت شوارع رام الله وانتهت امام وزارة الثقافة تعبيراً عن صدمتهم، واحتجاجاً على جريمة هي الاولى من نوعها في الاراضي الفلسطينية وقعت اول من امس في مخيم جنين عندما اقدم خمسة ملثمين على اغتيال الفنان الممثل والمخرج جوليانو مير خميس ابن القيادي الفلسطيني المعروف الراحل صليبا خميس من قادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي، والذي يقيم هو وزوجته وابنه في مخيم جنين منذ عام 2000 ويدير فيه مسرح الحرية الذي اسسته والدته ايرينا خميس ابان الانتفاضة الاولى.
وبحسب مصادر متعددة ومتطابقة، فقد اقدم خمسة ملثمين كانوا في سيارة توقفت بالقرب من القتيل ونزلوا منها واخذوا باطلاق النار عليه من مسافة قريبة جدا، مفرغين تسع رصاصات في رأسه.
واثر وقوع جريمة الاغتيال، باشرت الاجهزة الامنية في التحقيق واوقفت عددا من المشتبه بهم بينهم احد نشطاء حركة "حماس".
وقد أثارت جريمة اغتيال المخرج خميس، موجة من ردود الفعل المنددة والمستنكرة من المثقفين وأهالي مخيم جنين، ومن أعلى المستويات الرسمية في السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية التي اعتبرت هذه الحادثة خرقا للاستقرار الأمني في المخيم.
وأعرب القائد السابق للجناح العسكري لحركة فتح "كتائب الاقصى" في جنين زكريا الزبيدي عن اعتقاده بأن مير خميس وقع ضحية صراع القوى على الساحة الفلسطينية، وان قاتله هو فلسطيني تلقى الدعم من منظمة فلسطينية قوية، او من دولة. واستبعد الزبيدي، الذي كان صديقا للمغدور، ان تكون جريمة القتل قد ارتكبت على خلفية نزاع شخصي.
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، سارع ليل الإثنين الثلاثاء، إلى شجب وإدانة عملية الاغتيال بشدة، وقال، في تصريح: "إن هذه الجريمة البشعة لا يمكن السكوت عنها إطلاقاً، وهي تشكل انتهاكاً خطيراً يتجاوز كل المبادئ والقيم الإنسانية، وتتناقض مع عادات شعبنا وأخلاقه في التعايش".
وقالت وزيرة الثقافة سهام البرغوثي: "إن حادث اغتيال خميس أمر مؤسف جدا، وجريمة ضد الحركة الثقافية في فلسطين، خصوصا أنه استهدف ابن مناضل عريق، وأمه قدمت عطاءً كبيرا لمخيم جنين".
وندد محافظ جنين قدورة موسى "بهذا العمل العدواني الجبان والآثم الذي استهدف مخرجا، ناضل بثقافته وبمسرحه وفنه من خلال فضح ممارسات الاحتلال".
وأدان رئيس اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين عدنان الهندي عملية القتل وقال: "هذا أسلوب مرفوض وسنقوم بالتحقيق ومحاسبة مرتكبي هذه الجريمة خاصة أنه لا يجوز لأحد إثارة الفوضى وارتكاب الجرائم".
وقال مدير عام الإدارة العامة للفنون في وزارة الثقافة الفنان وليد عبد السلام: "لقد صعقنا في وزارة الثقافة بخبر اغتيال المخرج خميس، مخرج وممثل مسرح الحرية في مخيم جنين وابن المناضل والقائد الكاتب صليبا خميس".
وعبر مدير مكتب وزارة الثقافة في جنين عزت أبو الرب عن استهجانه وشجبه "لهذه الجريمة النكراء، بحق مناضل عاش وترعرع في المخيم ونقل معاناة شعبنا جراء سياسة الاحتلال من خلال تعريته بفنه وأدبه".
وأعربت "الحركة الثقافية الفلسطينية" عن بالغ صدمتها وأساها الكبير بنبأ "استشهاد الفنان الفلسطيني جوليانو مير خميس، شهيد فلسطين، شهيد الحرية الذي اغتالته أيادٍ آثمة ومشبوهة وحاقدة أمام مسرح الحرية في جنين وهو برفقة ابنه الرضيع".
وقال مسرح الحرية في جنين، في بيان صحافي، "إن جنين والثقافة الفلسطينية وأطفال حرية فقدوا شهيدهم وشهيد الإنسانية جوليانو خميس الذي قضى برصاصات غادرة سوداء أطلقت من قاتل مجهول".
وقالت الأمينة العامة لـ"الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني" (فدا) زهيرة كمال "إن الرصاصات التي استهدفت المخرج والممثل جوليانو خميس تعبر عن الحقد والكراهية وهي رصاصات غادرة لا تعبر إلا عن الظلام والظلاميين".
وتعتبر جريمة اغتيال خميس الاولى من نوعها، وتنطوي على خطورة بالغة، بما هي اغتيال فنان على خلفية نشاطه الفني والابداعي، أي تجاوز لعمليات الاغتيال التي سبق ان وقعت وخاصة في قطاع غزة قبيل انقلاب حركة "حماس" على السلطة واثناء الانقلاب حيث قامت باغتيال عدد كبير من نشطاء حركة "فتح" وقيادات وضباط الاجهزة الامنية، الى اغتيال مثقفين، وهي ممارسة شبيهة بتلك التي نفذتها حركة "طالبان" الافغانية والحركات التكفيرية التي اغتالت المفكر المصري فرج فودة، وحاولت اغتيال الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ.
وبحسب مصادر مقربة من المغدور فقد تعرض لتهديدات علنية بالقتل من خلال بيانات وزعت سابقاً في مخيم جنين من قبل بعض الفصائل، وخصوصا "حركة الجهاد الاسلامي"، كما تعرض مسرحه للحرق في نيسان (أبريل) 2009.
وسبق ان وجهت جماعات ظلامية له تهم التطبيع من خلال دورة نظمت في المسرح، لتعليم الموسيقى، وتنظيم رحلات ودورات لاطفال المخيم لمناطق الـ1948 لتعليم الموسيقى. بالإضافة إلى تقديمه عروضاً أكثر تحررا مما اعتاد عليه الأهالي".
وهذا ما كان أكده هو نفسه في لقاء صحافي العام الفائت مع صحيفة عبرية عندما قال انه يخشى على حياته بعد كم التهديدات التي تلقاها من قبل مجهولين في المخيم.
وقد استغلت اسرائيل الحادث، فاقتحمت قوات الاحتلال امس مدينة جنين ودهمت مسرح الحرية في المخيم، وأجرت عملية تصوير واسعة فيه، كما اقتحمت منزل المواطن عدنان نغنغية المحاذي للمسرح واستجوبته.
وفي السياق ذاته كثفت قوات الاحتلال من وجودها في محيط مديرية الداخلية ومقر المقاطعة في مدينة جنين من دون أن يبلغ عن أي اعتقالات.
ونصبت قوات الاحتلال حاجزا عسكريا على مدخل بلدة يعبد وشرع الجنود بتوقيف المركبات وتفتيشها والتدقيق في هويات راكبيها.

السبت، 19 مارس 2011

الحراك الشعبي الفلسطيني
ورهانات سلطتي رام الله وغزة
المستقبل - السبت 19 آذار 2011 - العدد 3944 - شؤون عربية و دولية - صفحة 16



أنيس محسن
أكثر من يناقش هذه الأيام تداعيات الحراك الشعبي الفلسطيني في 15 آذار (مارس) المطالب بإنهاء حالة الإنقسام، هما طرفا السلطة في رام الله وغزة، إنما ليس من باب الخوف من تعاظم كرة ثلج الإعتراض الشعبي على نهج السلطتين، بل من منطق التقليل من أهمية هذا الحراك على الرغم من أن التجمعات من حيث العدد خصوصا في غزة، فاق التوقعات، وإصرار المنظمين على مواصلة النشاطات، يذكر بتجربتي تونس ومصر.
يذهب تقليل طرفي السلطة الفلسطينية من أهمية موقع الشعب في القرار السياسي أبعد من مجرد محاولات اجهاض حالة الإعتراض الواسعة عبر قمعها كما يجري في غزة أو عبر استيعابها واعطائها صبغة الإعتراض على سياسات حركة "حماس" مثلما تريد سلطة رام الله، إلى تسجيل النقاط من خلال تحليل ساذج للثورات الشعبية العربية، السائرة منها نحو النجاح، أو حتى تلك السائرة نحو الإجهاض الذاتي أو الموضوعي.
يقول قيادي فلسطيني رفيع متابع عن كثب لتفكير طرفي السلطة، أي "فتح" و"حماس"، إن الأخيرة ربما اعتقدت أن الرئيس محمود عباس لن يجرؤ على المزايدة على دعوة رئيس الحكومة في غزة إسماعيل هنية للإجتماع وحل مشكلة الإنقسام، وعندما تجرأ عباس إنما من منطلق أن "حماس" لن تذهب أبعد من المزايدة الإعلامية، وعندما تصبح على المحك سوف تتراجع، وهذا ما حصل بالواقع، حين تراجعت عن ترحيب أولي باستعداد عباس لزيارة غزة واعتبارها انه وضع شروطا مرفوضة للزيارة.
يشرح القيادي نفسه، أن الطرفين المعنيين بالإنقسام، إنما يلعبان لعبة انتظار ساذجة للتطورات الإقليمية، فتنتظر "حماس" تراكم نتائج ما حصل في مصر وتونس باعتبار أن المتغيرات في البلدين هذين يقوي من عضدها ويضعف عباس وسلطته بعد سقوط نظامي مبارك وبن علي الحليفين، فيما تنتظر "فتح" حدوث تطورات أخرى مرتقبة في سوريا وإيران عبر قناعة بـ"حتمية" سقوط نظامي الولي الفقية والرئيس الوريث، ما سيقفل على "حماس" رئة التنفس الإعلامي والملجأ المكاني في دمشق والتدفق المالي من طهران.
يؤكد المصدر أن الرهانين هذين عبثيين وغير منطقيين، فلا سقوط نظامي مبارك وبن علي سيأتي بنظامين يؤازران "حماس" على "فتح" ولا سقوط نظامي طهران ودمشق يمكن أن يفتح أبواب العاصمتين لـ"فتح" ويغلقها أمام "حماس"، بينما الواقع أن القاهرة مثلا، وفق ما يؤكد المجلس العسكري والقيادات السياسية والحزبية الفاعلة، لن تتدخل في تفاصيل الواقع الفسطيني ولن تبادر الى وضع أطر حلول، إنما سوف تنتظر أن يبادر الفلسطينيون إلى وضع حد لحالة الإنقسام الداخلي، وهي ستكون الجهة التي تساعد فقط.
وينقل القيادي الفلسطيني عن مصادر الإخوان المسلمين في مصر، أن قيادة التنظيم ترى أن "حماس" بعد الإستيلاء على غزة ودفاعها المستميت عن سلطتها عبر تثبيت حالة الإنقسام، باتت تشكل عبئا على الإخوان، وأن قيادة التنظيم نصحت "حماس" بعدم التدخل مطلقا بما يجري في مصر، كما أن الإخوان ليسوا الطرف الأقوى في الساح السياسي المصري، وهناك قوس قزح حزبي منها قوى نازع الإخوان الحظوة الشعبية والقوة التجييرية، وهي ليست قوى مؤيدة لمنطق "حماس" الإنقسامي، مثلما هي رافضة لمنطق سلطة رام الله الإنهزامي أمام الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفيما طرفي معادلة الإنقسام الفلسطيني ملتهيان بجمع النقاط ولعب سياسة الإنتظار، والإستخفاف بقوة إرادة الشعب وعدم إيلائها أي أهمية، فإن عاملين يلعبان ضدهما:
1 إن حركة الشعب الفلسطيني ستكون ككرة الثلج وسوف تكبر بحيث يستحيل على أي منهما الوقوف أمامها، خصوصا من تنامي الشعور في الضفة برفض ضعف سلطة رام الله أمام إسرائيل وأميركا، ورفض حالة القمع الأمني المتمادية في غزة.
2 هناك لاعب مهم، وربما الأكثر أهمية بين كل اللاعبين، إنها إسرائيل التي تراقب ما يحدث في المنطقة العربية، وتدقق في الحراك الشعبي الفلسطيني وفي مواقف طرفي السلطة وتضع الإستراتيجيات لمواجهة الأخطار المحتملة بحسب نوع المتغيرات الفلسطينية و/أو العربية وشكلها، وهي تسعى إلى عدم السماح لعباس بجمع عناصر قوة، وتشجع على إبقاء حالة الحصار على غزة وعبرها تجذير وضع الإنقسام الجغرافي لتغذية واقع الإنقسام السياسي.
إن لعبة الإنتظار هذه، سوف لن تكون وبالا على طرفي السلطة الفسطينية فقط، بل على الواقع الفسطيني برمّته، وبالتالي يتوجب أخذ المبادرة من الطرفين، وتنمية الحراك الشعبي وحالتي رفض الشعور بالضعف والدونية أمام الأميركيين وإسرائيل من قبل سلطة رام الله، والإستكبار وتعظيم الذات غير الواقعي لدى "حماس" وسلطتها في غزة، بشرط عدم النزوع الى تحزيب الحراك الشعبي وتركه يأخذ مداه، والإيمان ولو لمرة بقدرة الشباب على التغيير، وصلابة الشعب في مواجهة التحديات، الداخلية منها كما الخارجية.

الاثنين، 14 مارس 2011

رهان على إضعاف الإستقطابين الثنائيين الجغرافي والفصائلي
15 آذار الفلسطيني: الشعب يريد إنهاء الإنقسام

============== أنيس محسن

المستقبل - الثلاثاء 15 اذار 2011

تنطلق اليوم في الأراضي الفلسطينية وفي الخارج تحركات شعبية، شبابية مدعومة من اليسار الفلسطيني، تحت شعار "الشعب يريد انهاء الإنقسام"، وسط مراهنة من قبل مثقفين وفاعليات سياسية مستقلة، وفصائل اليسار، على التأسيس لتيار ثالث بقاعدة جماهيرية يضعف الإستقطاب الثنائي الجغرافي المتمثل بغزة والضفة الغربية، والفصائلي المتمثل بثنائية "فتح" و"حماس"، لكن من دون نسج آمال كبار بتغيير فوري لصورة الواقع الفلسطيني المنقسم والضعيف والمربك، جراء الفشل التاريخي لمسار التسوية "الفتحاوية" وفشل "الممانعة" التي تقودها فلسطينيا "حماس" والتي باتت دفاعا عن إمارة في غزة، ونزوع سلطوي لوراثة منظمة التحرير الفلسطينية، الخاوية من الحيوية، والتي تعيش فراغا يحيطه هيكل هش معترف به عربيا ودوليا.

الداخل والخارج
تيمنا بنجاح تجربة شباب مصر في إطلاق ثورة "25 يناير"، سادت اوساطا شبابية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حماسة نحو إطلاق دعوة عبر "الفياسبوك" لإنهاء الإنقسام، ولاقت قبولا واسعا في أوساط الشباب الذين يشكلون غالبية الفئات العمرية الفلسطينية، ودعمت مباشرة من العديد من الشخصيات المستقلة وكبار المثقفين غير المنتمين فصائليا، واليسار الفسطيني الذي دعم من دون حدود لكن من دون تدخل مباشر في التنظيم والدعوة بل عبر التعميم على الاعضاء والأنصار إلى الإنخراط في التحرك كأفراد كي لا تحدث نقزة لدى الشباب.
واللافت أن تلك الدعوة لاقت تأييدا وتحركا شبابيا واسعا مدعوما ايضا من مثقفين وسياسيين وتجمعات سياسية فلسطينية في داخل مناطق العام 1948، حيث سيشهد اليوم الثلاثاء تحركا في فلسطين التاريخية كلها يدعو الى انهاء الإنقسام.
أما في الشتات، فقد لوحظ ارباك في التعامل مع الدعوة الى الانخراط في التحرك، فانقسم الى شباب اليسار والشباب غير المنتمي حزبيا، وشكل كل منهما لجنة، وفي لبنان على وجه الخصوص، تضاربت حتى مواعيد التحرك بين 15 آذار (مارس) و27 منه، قبل ان تصحح التواريخ وتتوحد مع الداخل الفلسطيني عند 15 آذار (مارس)، ومكانه قبالة سفارة فلسطين في بيروت، لكن مع بقاء الإنقسام التنظيمي بين فريقين، سيتلاقيا معا في الزمان والمكان المحددين.
ومسألة فوضى الخارج، خصوصا في لبنان، انما ناجم عن عدم ثقة المستقلين والفصائل احدهما بالآخر، وإن بدا في التحرك المحدد هذا، عدم ثقة من قبل المستقلين بالمنتمين حزبيا بشكل اكبر، وميل الفئة الثانية الى مصالحة ما مع الأولى.

حيوية الداخل
كان قصب السبق في الدعوة الى تنظيم التحرك، اذا، في الداخل، وبالتوازي في رام الله وغزة، ومن قبل مجموعات شبابية تنتمي الى المجتمع المدني، واليسار الفلسطيني، وتمظهر في شكل تحركات أولية دعما لثورتي الشباب التونسي والمصري، قمعت او حوصرت، بل ان بعض الداعين والمشاركين اوقفوا من قبل شرطة حكومة "حماس" في غزة، او تم التضييق عليهم من قبل حكومة السلطة الفلسطينية في رام الله.
لكن، الثبات والإصرار الذي امتاز بهما شباب تونس ومصر، ونجاحهم في تلافي محاولات احتواء مطالبهم عبر التمسك بمطلب اسقاط سلطتي البلدين قبل أي حوار، زاد من اصرار الشباب الفسطيني في الضفة وغزة، الذي لم يكتف بالدعوة الى التظاهر والاعتصام اليوم في ارجاء الضفة والقطاع ومناطق الـ48، انما وضعوا اهدافا محددة ومفصلة احيانا لتحركهم:
ومن المطالب التي سترفع، فضلا عن الشعار الرئيس: "انهاء الإنقسام"، الدعوة الى اعادة النظر بالعملية السياسية القائمة، عبر الية ديموقراطية تبدأ في الداخل وتنتقل الى الخارج، ومن خلال تشكيل هيئة واحدة للإشراف على عملية انهاء الانقسام، مشكلة من قادة ومسؤولين سابقين وحاليين لهم مكانة شعبية ويتميزون بالنزاهة، وممثلين عن الشباب، لاجراء انتخابات المجلس التشريعي ورئاسة السلطة الفلسطينية، ومن ثم وفي الاسلوب ذاته للمجلس الوطني الفسطيني، بما ينتج ممثلين حقيقيين للداخل والخارج، ويمكن منظمة التحرير من الخروج من حالة الترهل، والسلطة الفسطينية من الانقسام الجغرافي والسياسي.
أما في مسألة مقاومة الإحتلال، فيدعو الشباب إلى ان تكف الفصائل عن محاولات احتواء التحركات الشعبية في ما يتعلق بمناهضة جدار الفصل العنصري، وتكثيف المشاركة الشعبية، بحيث تصبح المشاركة في التظاهرات تعد بعشرات الآلاف وليس بعشرات الأفراد الذين غالبيتهم تكون احيانا من المتضامنين من اليسار الإسرائيلي والدولي. مع الإدراك مسبقا ان حجم القمع الإسرائيلي سيكون أكبر، خصوصا وأن الجهات الأمنية الإسرائيلية تضع الخطط لمواجهة احتمال تحرك شعبي كبير بعد الثورات الشبابية العربية.

محاولات احتواء
بعدما فشلت محاولات قمع التحرك الشبابي في غزة والضفة على السواء، سعت سلطتي الوصاية: "فتح" و"حماس" الى احتواء التحرك، وتفريغه من مضمونه. في الضفة الغربية اكدت "فتح" انها ستنزل مع الشباب وترفع العلم الفسطيني وحده، وفي غزة، عمدت "حماس" الى دعوة الفصائل لاجتماع والى تظاهرة يرفع فيها العلم الفلسطيني وحده لدعم الثورات العربية وانهاء الانقسام، وقد خرجت التظاهرة لكن من قبل "حماس" وحدها وبالفعل رفع فيها العلم الفلسطيني.
لكن في الحالتين، فإن قطبي الإستقطاب، سعيا الى جر التحرك نحوهما، وكأن الإنقسام سببه الوجه الآخر للعملة، وليس الوجهين، وهو ما تنبهت اليه حركة الشباب والداعين والمنظمين للتحركات، فتم رفض التوجهين، والإصرار على رفع الصوت عاليا بوجههما ان كان في رام الله او في غزة، يؤازرهما فلسطينيو الـ48 الناشطون في الدعوة الى انهاء الانقسام، لإن هذا الإنقسام اثر على الجمهور الفلسطيني في مناطق الـ48 وتركه فريسة لإجراءات عنصرية إسرائيلية، ولا من يرفع الصوت معهم غيرهم. وكذلك في خارج فلسطين على الرغم من الإرباك الذي تم حصره في المرحلة الحالية، على ان يعالج بشكل جذري اذا نجح التحرك اليوم.

تيار ثالث "شعبي"
تحرك اليوم، مثقل بالرهانات، وربما اكبرها واهمها التأسيس لتيار ثالث شعبي وليس حزبيا. فخيار التيار الثالث الذي اطلقه اليسار الفسطيني حتى قبل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مطلع العام 2006، لم يكن مؤثرا، لأسباب عدة، أولها أن الإستقطاب بين "فتح" و"حماس" كان يستند إلى قاعدة شعبية عريضة، اكبر كثيرا من قاعدة اليسار الفسطيني، وثانيها كون اليسار الفسطيني نفسه لم يكن موحدا ونزعة السلطوية لديه طغت على التلاقي في المبادئ العامة والشعارات، فجاءت النتائج مخيبة للآمال، وتبادلت حركتا "فتح" و"حماس" المواقع في السلطة، وجاء اليسار ثالثا لكن بفارق كبير عن حزبي السلطة. وحتى عندما اضعفت النزاعات والحروب العبثية فصيلي السلطة في رام الله وغزة، فشل اليسار في احداث فرقا كبيرا واحتلال موقع متقدم في العملية السياسية، للسبب الذاتي نفسه الذي يعاني اليسار منه: أي النزعة السلطوية لدى مكوناته، بمعنى أن كل طرف كان يرى بنفسه الجهة القادرة على القيادة.
بعض اليسار الآن، يدرك أن التيار الثالث لا بد أن يكون شعبيا، وان ينضوي هو تحت قيادته، حتى ولو خرجت التحركات بقيادات شابة بديلة. والشباب الفلسطيني، خصوصا في فلسطين التاريخية (الضفة وغزة والـ48) بات جاهزا لقيادة المرحلة، ونجاحه سيعلن ولادة تيار ثالث حقيقي، سينعكس ايجابا على الشتات الفسطيني ويخرجه من إرباكه.
المراهنات على ما سيحدث اليوم كبيرة، لكن التحديات كبيرة: منها الداخلي المتمثل بخشية فصيلي السلطة الفلسطينية من خبوهما، والخارجي المتمثل داخليا برعب اسرائيلي من حركة شعبية مماثلة لثورة الحجارة لن يكون باستطاعتها قمعها، وخارجية تتمثل بالحكومات العربية التي لا تريد ان ينجح تحرك فلسطيني شعبي مستقل، يثقل عليها مخاوفها الناجمة من الثورات الشبابية العربية القائمة في غير مكان.

الاثنين، 21 فبراير 2011

أنا والحجاب وحزب الله

وائل ح.
أيام الدراسة الثانوية، حصلت لي قصة مع حزب الله. أرويها.
كنت في السابعة عشر من العمر، وقد توليت إصدار وتحرير نشرة "ثورية جماهيرية" أطبعها على الآلة الكاتبة (!)، وألصق صفحات الآي 4، على صفحات الآي 3، وأنسخ نحو اربعين عدداً منها على آلة تصوير عادية في مكتبة تقع في الشارع الموازي لبربور، أخبئها في شنطتي المدرسية، وأعبر بها حواجز حرّاس بيت الأستاذ، الذين يرمقونني بنظرة لا مبالية أو استهزاء في أغلب الأحيان، لأقوم بتوزيعها في الأيام التي تلي، على زملاء صفي، وأصدقائي.
كان اسم هذه النشرة .."النفير".
حرّرت ونشرت وطبعت خمسة أعداد من هذه المجلة – النشرة (وأنا أؤكد أنها كانت تشبه المجلة، بالأبيض والأسود، أكثر من شبهها للنشرات).
المهم، كان لدي في ذلك الوقت صديق، من عائلة متوسطة، يسكن في منطقة مار الياس، وهو أساساً من إحدى قرى إقليم التفاح.. فنحن أبناء القرى كنا لا نزال نعرّف عن أنفسنا في ذلك الوقت، بصفتنا القروية.
هذا الصديق، كان يحضر بعض الحلقات الإذاعية لحزب علماني قومي في منطقة رأس بيروت، قبل أن تنقلب أحواله، ويصبح مناصراً لحزب الله.. وقيل، والرواية على لسان صديق مشترك، إن اخته، تلك الفتاة الجذّابة، والجميلة، تزوجت فجأة أحدهم، ولبست التشادور، وربما أكون لمحتها يوماً، لا يظهر منها إلا وجه طفولي ناصع البياض، وقيل، نقلا عن الصديق المشترك إياه، إن هذا قد يكون دافع الصديق الأول للاقتراب من حزب الله، حتى أصبح من أشدّ مناصريه، ولا أعرف عنه اليوم شيئاً.
المهم، كنت كناشر لمجلة النفير – صوت الجماهير الطلابية (!)، أبحث عن جمهور قرّاء، وكان هذا الصديق من بينهم، فأعطيه المجلة، ونتحاور بشأن تلك المساحة الواسعة التي تجمعنا، في العداء لإسرائيل..

ولا أنكر، كنت شديد الإعجاب بحزب الله.. ومما كتبته وهو الآن بين يدي، – حمداً لله أن بعض الماكيتات لا تزال بحوزتي وكذلك الآلة الطابعة –، مقال رأي بعنوان "إسلام المقاومة الإسلامية وصهيونية منتحلي الإسلام"، (العدد الأول بعد العدد صفر – تشرين الثاني 1992)، وفيه:
(في لبنان صرخات الله أكبر الكربلائية تسطّر بأحرف من دماء قصّة الانتصار على الجيش الذي لا يقهر.. وفي مصر رجال أخذوا من الإسلام ذقونا مرخية، كتاباً يتزينون به وسجادة صلاة، ويقومون بقتل إخوانهم العرب المسيحيين وبزرع الفتن وباستغباء الشعب الفقير.. ولمن ننتصر؟ للّذي انتصر له عباس الموسوي، وراغب حرب، وعزالدين القسام.. للإسلام الواعي، للإسلام الحرية، للإسلام العدالة الاجتماعية).
كنت قبل ذلك في شباط من العام نفسه، 1992، قد شاركت غاضبا في مسيرة تشييع الشهيد عباس الموسوي، وكلماته لا تزال تتردد في أذني وفي قلبي، "سنخدمكم بأشفار العيون". وكنت في كل ذلك، قد أعلنت أمام الملأ أنني ملحد ملحد ملحد.

ولكن قبل هذا المقال، كنت قد نشرت ما أسميه اليوم محاولة قصة كتبتها بعنوان "الحجاب"، وهي تحكي عن صبي اسمه علي، لديه جارة اسمها فاطمة، من عمره، يسترق النظر إليها.. وكانت محجبة.. وأقتطع (النفير- العدد صفر تشرين الأول1992:)
(قال لها إن وجهها جميل، وعينيها ساحرتان، قال إن وجنتيها عطرتان، وشفتيها رائعتان، وشعرها...وهنا لاحظت فاطمة أن قلمه توقف.. وحاولت أن تفهم السبب، وما أن حدّقت بمرآتها الصغيرة حتى فهمته... ومنذ ذلك اليوم وهي تحاول أن تجيب على هذا السؤال، لماذا نزع الحجاب حرام؟؟؟؟)
المهم، أنني في نهاية هذه القصة القصيرة جعلت فاطمة تنزع حجابها، وباتت الصورة عند علي أكثر اكتمالاً.. وإشراقاً.
(فاطمة شعرها أسود).

لم يكد العدد الأول بعد الصفر يصدر (عدد تشرين الثاني 1992)، حتى جاءني هذا الصديق الذي حدثتكم عنه، ليخبرني أن الأخوة في التعبئة التربوية يريدون مقابلتي.
طرت فرحاً.. فأنا معجب بهذا الحزب المناضل.. وأنا توّاق الى الالتقاء بهؤلاء الرجال الذين يبعثون الرهبة في نفسي، ويشعرونني بالاعتزاز والفخر في الوقت نفسه.
تحدد الموعد، وذهبت إلى بئر العبد، سألت عناصر حماية حزب الله هناك عن مقرّ التعبئة التربوية، دلّوني على الطابق الأول أو الثاني من مبنى سكني حسبما أذكر. دخلت خجلاً ومتردداً، وألقيت التحية بالسلام عليهم، وأخبرتهم أن موعداً قد تحدّد بيني وبين مسؤول التعبئة التربوية آنذاك.. الدكتور حسين الحاج حسن.
وعلى مدى ساعتين ربما، أو أكثر، او ربما أقل.. حاورني الدكتور الحاج حسن، لم يحاول إقناعي البتة باعتناق المذهب الاثني عشري، ولا بالعودة إلى الإسلام، بل كان حوار حول الحرية، والحرية الشخصية، والتقاء المناضلين، شيوعيين او إسلاميين أو قوميين، على معاداة.. إسرائيل.
وخرجت من الحوار مسروراً، ومتفائلاً، فالإسلامي يحاور علمانياً، والاثنان متفقان على.. محاربة إسرائيل! (هو كان دكتوراً وانا طالب ثانوي، هو أصبح نائباً ووزيراً، وأنا مهاجر).
المهم، أنني سارعت في العدد الثالث من مجلتي – النفير (كانون الثاني شباط 1993)، وفي قسم استحدثته على عجل تحت عنوان الموقف الثقافي، لأسطّر موقفا، وفيه:
(الأخوة في التعبئة التربوية في حزب الله غاضبون.
الأخوة في التعبئة التربوية في حزب الله حانقون. والسبب؟ قصة نشرتها (النفير) في العدد صفر.
الخلاف ليس على القصة، على الحجاب، الخلاف الحقيقي هو على مفهوم الحرية لدينا ومفهوم الحرية لديهم. ما هي الحرية الثقافية والفكرية؟ هذا هو السؤال.
(...)
ولكن إذا كان الحجاب خياراً حراً، فهي الحرية بحد ذاتها.
(...)
ومنطقتنا لا يتم تحريرها الا بتحرير مجتمعنا من كل ظلامة فرضت عليه فرضاً، لأن الأعمى لا يقود شعبا إلى الحرية، ولأن السجين لا يحرر سجناء، نعيد نشر قصة الحجاب، رمزاً لإزاحة كل حجاب داخلي وأجنبي).
هذه قصتي مع حزب الله.. عشت وكبرتُ وأنا أدرك حجم الخلاف الكبير معه، أتغاضى عن الدماء التي سفكها، او سفكتها المخابرات الإيرانية، من مفكّرين ومناضلين يساريين ومقاومين في الثمانينيات، حرصاً على نقاء صورة المقاومة في ذهني.. ولكنني لا أغيّر موقفي الأول من.. الحرية، بل أطوّره.. أقع في تجارب خاطئة، أنتقد الذات، أفكر، ولا أتوقف عن التفكير.
واليوم أقول، بلغة ابن السابعة عشر نفسها، لقد خذلتني يا حزب الله، وطالما أنت توجّه سلاحاً ضد رأي، أو تسكت أقلّه عن العنف السياسي المجرم في البلاد، أو تحاول إبعاد الشبهات عن القاتل، أو تنزل إلى شوارع وزواريب وقرى الوطن لتقاتل بالسلاح دفاعاً عن السلاح، أو تهين حلمي بدولة عادلة وديمقراطية في لبنان، فأنا.. ضدّك.
لستُ معهم، لكنني، وبشكل أوضح، ضدّ الديكتاتورية المذهبية المسلحة، وضد الطائفية المقنّعة بالمقاومة، وضد التصفيق لوليّك الفقيه وهو يقتل نيدا سلطان أغا، ويفتك بأحرار إيران، بأطيافها السياسية المتعددة.
وأتعاطف، كإبن السابعة عشر، مع ابنة الثامنة عشر، المدوّنة الأسيرة طل الملوحي، التي تقبع في سجن حليفك الآخر.
ولو أصدرتُ مجلة النفير في هذه الأيام (!)، لكان عنوان الغلاف:
فلتنصبّ كل جهود القوى السياسية المدنية في مواجهة الفاشية المذهبية.
لا لاصطياد مقاوميها الأبطال الذين نحفظ لهم في ذاكرتنا ما قدّموه للوطن من دماء، بل حفظاً للوطن من كابوس الانهيار.
نحن نحبّ فلسطين حرّة.. ونحب لبنان حرّاً أيضاً.
فارجع إلى عائلتنا.
وابقَ ناصعاً في ذاكرتنا عن مارون الراس وبنت جبيل.
ولا تقسّمنا، فصالحنا معك.
ولا تخونّا، فنحن إخوة.
نحن تعلمنا حبّ فلسطين قبل لبنان، ولكنّ بعض الحبّ وفنونه معدٍ، فنحبّ لبنان أيضاً، بلداً ديمقراطياً متعدداً تعددياً غنيّاً ثرياً عربياً يعيدنا إلى العروبة.
هذا لبنان، إذا كان تحويله لثكنة متقدمة في الحرب الثورية الجهادية ضد الاستكبار (من بوشهر الى غزة الإمارة)، سيفتّته وسيدفعه نحو انهيار مجتمعي وسقوط كلّ أفق وحدة وطنية أو تعايش مدني، فمن أخبرك أننا جاهزون للتضحية باسماعيل؟

الخميس، 17 فبراير 2011

الرهان على عودة مصر
المستقبل - الثلاثاء 15 شباط 2011 - العدد 3913 - الصفحة الأولى - صفحة 1



ميشال نوفل
اذا كانت عودة مصر الى ممارسة الدور الاقليمي الذي يفرضه موقعها الجيوسياسي المحوري وقيمتها الاستراتيجية، تعيد الأمور الى نصابها في المنطقة وتقلق بعض "الأشقاء" والأقطاب، فإن أحداً في الأوساط الديبلوماسية الغربية لا يتوقع أن تندفع القاهرة تحت ضغط التغيير الثوري الذي أسقط نظام مبارك الى إلغاء اتفاقية السلام مع اسرائيل أو الدخول في مواجهة دراماتيكية مع الولايات المتحدة. بل يُرجح أن تتجه مصر في سياق "الربيع الديموقراطي" للنسج على المنوال التركي في حقل السياسة الخارجية، أي التمايز في اطار العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لاستعادة المكانة المفقودة.
واستناداً الى التحليلات التي تتداولها الدوائر الديبلوماسية وتشغل أكثر ما تشغل عواصم القرار في الغرب، سيكون على الادارة الأميركية أن تعتاد من الآن وصاعداً على "اعادة تموضع مصرية" تضع حداً لزمن كانت واشنطن تعتبر القاهرة "ورقة في الجيب"، وعلى أن "الشراكة الاستراتيجية"، كما في الحالة التركية الأميركية، تتسع لأن تكون مصر شريكاً بهذا القدر أو ذاك، لا أن يتقرر مصير المعادلة من جانب واحد.
وثمة من يقول ان استعادة مصر بعض التوازن على صعيد المكانة والدور في الوطن العربي والشرق الأوسط، يعيد الأطراف الفاعلين في العلاقة العربية الايرانية والعلاقة العربية التركية والتوازنات الاقليمية، الى احجامهم الطبيعية بحيث لا يعود العالم العربي مجرد ملعب لسياسة المحاور. حتى الحضور التركي الذي افترضنا أنه يقدم الموازن الايجابي لـ"الاختراق الايراني" والبديل من تراجع الدور العربي، فأنه يصبح بلا جدوى ويعمّق حالة اختلال التوازن الاقليمي في غياب مصر تستعيد دور القاطرة العربية لتحدث مع تركيا التوازن المطلوب مع ايران، فضلاً عن التوازن الصحيح بين الأتراك والعرب.
إذاً، لا بأس من استعادة مصر دورها تحت سقف العلاقة الاستراتيجية مع أميركا، إذا كان ذلك لا يمنعها من أن تصبح شريكاً لديه القدرة على ممارسة الضغط والممانعة في مواقف وسياسات أساسية، مثلما هي الحالة التركية ازاء الحليف الأميركي واسرائيل. ولا ننسى أن الدولة التركية منعت الأميركيين في عز الحرب على العراق من عبور مجالها الجوي للوصول الى شمال بلاد الرافدين، كما حرمتهم من استخدام قواعدها العسكرية، علماً أن أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي وتربطها بالولايات المتحدة رابطة مأسسة أكبر وأكثر تعقيداً من علاقة مصر وأميركا. وهذا يعني أن هناك مجالاً للتمايز والاستقلالية، وعلينا أن نخرج من دوامة "عليك أن تكون ملحقاً أو صدامياً" في العلاقات والاصطفافات الدولية، ما يمكن أن يصحح ويصلح أموراً كثيرة في المنطقة، خصوصاً في ادارة الصراع العربي الاسرائيلي وديبلوماسية التسوية السياسية.
حقيقة ساطعة أن مصر تغيرت بعد ثورة 25 يناير، ولم يعد في الامكان العودة الى الوراء، أقله لتبدل مناخات الثقافة السياسية والاجماع على بناء الدولة المدنية الديمقراطية، واذا صحت الفرضية القائلة ان جزءاً من الحراك الشعبي الذي بلغ الذروة في ميدان التحرير، مصدره المطلب الاجتماعي الاقتصادي، فإن الجزء الآخر المتعلق بالكرامة والحرية يقود الى المطلب السياسي بشقيه الداخلي والخارجي. والأمر الأكيد ان قدراً من الشعور بالمهانة عند المصريين مرده الى انتهاء المكانة وان فقدان الدور والمكانة كان من عناصر الغضب الشعبي المصري، وهذه مسألة خطيرة في الجيوبوليتيكا المصرية، يجب التفكير فيها بصورة جدية لكونها ستعود الى طاولة البحث لمجرد التقدم في الورشة الاصلاحية الآيلة الى ارساء شرعية دولة القانون. وبالتالي سيكون على النخب الجديدة في القاهرة استعادة المكانة بمصر من خلال العمل لإخراج البلاد من الفراغ الجيوستراتيجي الذي أحدثه غيابها عن المسرح الجيوسياسي. ولهذا السبب تحديداً نفترض ان الحاكم الجديد في مصر، سواء كان عسكرياً تخلى عن بذلته أو مدنياً يستند الى المؤسسة العسكرية (التي ستضطلع بدور مهم في المرحلة المقبلة بصفة كونها حامية للدولة والنظام)، أمامه النموذج التركي في حقل بناء القوة المحورية، وإن كانت التجربة التركية في التحول الديموقراطي تنطوي على مفارقة هي وجود أحزاب سياسية راسخة في الحياة السياسية واللعبة البرلمانية، استطاعت أن تفرض نفسها موازناً للمؤسسة العسكرية، فضلاً عن التقاليد المؤسساتية للدولة السلطانية التركية.
لقد ارتكبت أخطاء استراتيجية فادحة في عهد مبارك من نوع عدم التنبّه لمخاطر أزمة انفصال جنوب السودان وانعكاساتها على أمن مصر الاقليمي، وتهافت الدور المصري في الموضوع الفلسطيني الى درجة المشاركة في الحصار الاسرائيلي المضروب على قطاع غزة ومحاولة التشويش على المبادرة التركية..
ولأن محرك ثورة الشباب جمع بين الخبز والكرامة، فإن من الصعب أن نتصور أن يقبلوا بالمهانة التي فرضت على "أم الدنيا" وبوابة السلام والحرب. بل ان القيادات الجديدة في مصر لن تجد مفراً في التفكير في الاتجاه الذي يجب أن تسير عليه في المستقبل، وسيكون عليها بالضرورة أن تبدي رأيها في عملية التغيير في المنطقة، وربما تصبح مرشداً للتغيير العربي في المدى القريب أو المتوسط.
كل هذا يختصر بإعادة تموضع مصر على المسرحين العربي والشرق أوسطي، وهي عملية ستكون لها ارتداداتها على صعيد السياسة الاسرائيلية والعلاقة العربية الأميركية، من دون أن تعني الالتحاق بالمحور الايراني ـ السوري الذي استفاد في صعوده من غياب مصر.
ميشال نوفل

الأحد، 13 فبراير 2011

النموذج التركي المفضل لدى الجيش والخيار بين النظامين الرئاسي والبرلماني

عمرو موسى الأوفر حظا بين المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة في مصر

أنيس محسن

أما وقد انزاح نظام حسني مبارك عن كاهل مصر، ونجح شباب مصر في إطلاق أهم ثورات القرن الواحد والعشرين في دول ما يسمى بالعالم الثالث، وفي الدولة الواقعة في القلب منه ومن المنطقة العربية وإفريقيا، فإن السؤال المطروح.. وماذا بعد؟
فالثورة انطلقت ولم تصل إلى غاياتها النهائية بعد.. وقبل ولوج النهايات الكبرى من مثل شكل مسار التنمية ومستقبل علاقات مصر الإقليمية والدولية، فإن الأنظار تتجه إلى المرحلة الأكثر قربا، أي استحقاق تولية قائد مدني جديد للبلاد، وشكل الحكم القادم.
يقول مصدر مصري مطلع ومتابع لمسار التطورات منذ ما قبل الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، عندما انطلقت ثورة شباب مصر، أن البنان تؤشر إلى الأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، الذي سيكون على رأس السلطة المقبلة.
ويضيف المصدر نفسه، أن الشخصيات المطروحة اسماؤها لمنصب الرئاسة، اذا اتفق على نظام رئاسي، او رئاسة الوزراء اذا كان النظام برلمانيا، ليست مقبولة شعبيا أو من قبل المجلس الأعلى للقوات المصرية المسلحة، الحاكم الفعلي حاليا وسلطة الظل في المستقبل.
فأسماء مثل أيمن نور أو محمد البرادعي لا تمتلك ثقلا شعبيا ولا قبولا من الجيش، وجماعة الإخوان المسلمين لا تضم أشخاصا بقدرات كرزمائية على مستوى قيادة البلاد وهي، وفق المصدر، وعلى الرغم من أنها الأكثر تنظيما، إلا أنها لا تمثل أكثر من 7% في أحسن الأحوال من الشارع المصري المائل بمعظمه نحو نموذج مدني: لا عسكري ولا ديني، لقيادة البلاد.
ويؤكد المصدر، أن إبعاد عمرو موسى عن الساحة الداخلية المصرية من قبل نظام حسني مبارك عبر ابعاده عن وزارة الخارجية في العام 2001، وبعد التأييد الشعبي الواسع الذي حظي به جراء مواقفه المناهضة لإسرائيل، وإطلاق المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم اغنيته المشهورة "انا بكره إسرائيل وأحب عمرو موسى"، هذا الإبعاد لم يقض على شعبيته التي احتفظ المصريون له بها رغم عدم وجوده المباشر في الساحة الداخلية، وقد بدا ذلك جليا في الاستقبال اللافت له في ميدان الحرية في الأيام الأولى للثورة، خصوصا وان مواقفه كانت اقرب الى مطالب الشباب.
ويشير المصدر الى ان الجيش قد يكون يفضل مدير المخابرات السابق في نظام مبارك ونائبه لأيام قليلة عمر سليمان، كونه لواء في الجيش المصري وقائدا للمخابرات العسكرية ثم مديرا للمخابرات، لكن شعبية سليمان ضعيفة جدا، والجيش واع لهذا الأمر، وفي أي مفاضلة سوف يختار عمرو موسى، ولا أحد غيره كمرشحه في الإنتخابات المقبلة.
وعن دور الجيش المصري في المرحلة المقبلة، يشير المصدر إلى أن الجيش يدرك تماما أن طرفين حققا الإنتصار في ثورة 25 يناير، الجيش والشعب، وبالتالي فإن السلطة يجب ان تذهب إليهما، وبما أن حصة الشعب ستكون دعم ترشيح عمرو موسى، فإن حصة الجيش ستكون استراتيجية.
ويوضح المصدر، وفقا لما يتم تداوله في أوساط الجيش، أن النظام القادم في مصر سيقتدي بالمثال التركي، حيث أن الجيش هو سلطة الظل والضامن للدستور ولتبادل السلطة ومنع الإستفراد بها، وذلك من خلال منع السياسيين من التأثير في قرارات الجيش، وحصر قرار تسمية وزير الدفاع به، كممثل له في السلطة الإجرائية، وإنهاء حالة أن يكون الرئيس هو القائد الأعلى للجيش، الذي لا قائد له سوى المجلس الأعلى الذي سيرأسه وزير الدفاع المختار من قبل هذا المجلس.
وما يجري تداوله الآن، هو المفاضلة بين نموذجين للسلطة: النموذج الرئاسي غير المفضل تبعا للتجربة المريرة لمبارك، والبرلماني الذي يبدو أن الجيش يسيعى الى إقناع اللاعبين الرئيسيين به بدعم من شباب ثورة 25 يناير، فيكون رئيس السلطة الإجرائية الذي يختاره البرلمان عبر انتخابات عامة تشارك فيها كل الأحزاب، اما رئيس الجمهورية، واقتداءا بالنموذج التركي، فيكون رئيسا بروتوكوليا.
وكان عمرو موسى كرر في الثالث من شباط (فبراير) أنه سيكون مرشحا لرئاسة الجمهورية، ثم أعلنت أوساطه أخيرا أنه سوف يسلم أمانة الجامعة العربية خلال قمة بغداد في نهاية آذار (مارس) المقبل، ليتفرغ بعدها لحملته الإنتخابية، التي انطلقت عمليا، ومن دون تخطيط منه، عبر "الفيس بوك" ومن قبل مجموعة شباب "الفيس بوك" الذين اشعلوا جذو ثورة 25 يناير ونجحوا حيث فشلت كل الأحزاب وبخلاف كل توقعات الداخل والخارج، ويبدو أن مرشحهم للرئاسة هو الأوفر حظا بدعمهم وبدعم الجيش الذي كان إلى جانب ثورتهم.
كما أن موسى، بدأ في تأمين غطائين له: داخلي عبر تأكيده في مقالة نشرت في 13 شباط (فبراير) الجاري، أن موقفه من إسرائيل لم يتغير منذ كان وزيرا لخارجية مصر وخلال توليه أمانة الجامعة العربية، وخارجي عبر تأكيده أنه يحترم كل المعاهدات الدولية التي وقعتها مصر.

النموذج التركي المفضل لدى الجيش والخيار بين النظامين الرئاسي والبرلماني

عمرو موسى الأوفر حظا بين المرشحين لقيادة المرحلة المقبلة مصر

أنيس محسن

أما وقد انزاح نظام حسني مبارك عن كاهل مصر، ونجح شباب مصر في إطلاق أهم ثورات القرن الواحد والعشرين في دول ما يسمى بالعالم الثالث، وفي الدولة الواقعة في القلب منه ومن المنطقة العربية وإفريقيا، فإن السؤال المطروح.. وماذا بعد؟
فالثورة انطلقت ولم تصل إلى غاياتها النهائية بعد.. وقبل ولوج النهايات الكبرى من مثل شكل مسار التنمية ومستقبل علاقات مصر الإقليمية والدولية، فإن الأنظار تتجه إلى المرحلة الأكثر قربا، أي استحقاق تولية قائد مدني جديد للبلاد، وشكل الحكم القادم.
يقول مصدر مصري مطلع ومتابع لمسار التطورات منذ ما قبل الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، عندما انطلقت ثورة شباب مصر، أن البنان تؤشر إلى الأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، الذي سيكون على رأس السلطة المقبلة.
ويضيف المصدر نفسه، أن الشخصيات المطروحة اسماؤها لمنصب الرئاسة، اذا اتفق على نظام رئاسي، او رئاسة الوزراء اذا كان النظام برلمانيا، ليست مقبولة شعبيا أو من قبل المجلس الأعلى للقوات المصرية المسلحة، الحاكم الفعلي حاليا وسلطة الظل في المستقبل.
فأسماء مثل أيمن نور أو محمد البرادعي لا تمتلك ثقلا شعبيا ولا قبولا من الجيش، وجماعة الإخوان المسلمين لا تضم أشخاصا بقدرات كرزمائية على مستوى قيادة البلاد وهي، وفق المصدر، وعلى الرغم من أنها الأكثر تنظيما، إلا أنها لا تمثل أكثر من 7% في أحسن الأحوال من الشارع المصري المائل بمعظمه نحو نموذج مدني: لا عسكري ولا ديني، لقيادة البلاد.
ويؤكد المصدر، أن إبعاد عمرو موسى عن الساحة الداخلية المصرية من قبل نظام حسني مبارك عبر ابعاده عن وزارة الخارجية في العام 2001، وبعد التأييد الشعبي الواسع الذي حظي به جراء مواقفه المناهضة لإسرائيل، وإطلاق المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم اغنيته المشهورة "انا بكره إسرائيل وأحب عمرو موسى"، هذا الإبعاد لم يقض على شعبيته التي احتفظ المصريون له بها رغم عدم وجوده المباشر في الساحة الداخلية، وقد بدا ذلك جليا في الاستقبال اللافت له في ميدان الحرية في الأيام الأولى للثورة، خصوصا وان مواقفه كانت اقرب الى مطالب الشباب.
ويشير المصدر الى ان الجيش قد يكون يفضل مدير المخابرات السابق في نظام مبارك ونائبه لأيام قليلة عمر سليمان، كونه لواء في الجيش المصري وقائدا للمخابرات العسكرية ثم مديرا للمخابرات، لكن شعبية سليمان ضعيفة جدا، والجيش واع لهذا الأمر، وفي أي مفاضلة سوف يختار عمرو موسى، ولا أحد غيره كمرشحه في الإنتخابات المقبلة.
وعن دور الجيش المصري في المرحلة المقبلة، يشير المصدر إلى أن الجيش يدرك تماما أن طرفين حققا الإنتصار في ثورة 25 يناير، الجيش والشعب، وبالتالي فإن السلطة يجب ان تذهب إليهما، وبما أن حصة الشعب ستكون دعم ترشيح عمرو موسى، فإن حصة الجيش ستكون استراتيجية.
ويوضح المصدر، وفقا لما يتم تداوله في أوساط الجيش، أن النظام القادم في مصر سيقتدي بالمثال التركي، حيث أن الجيش هو سلطة الظل والضامن للدستور ولتبادل السلطة ومنع الإستفراد بها، وذلك من خلال منع السياسيين من التأثير في قرارات الجيش، وحصر قرار تسمية وزير الدفاع به، كممثل له في السلطة الإجرائية، وإنهاء حالة أن يكون الرئيس هو القائد الأعلى للجيش، الذي لا قائد له سوى المجلس الأعلى الذي سيرأسه وزير الدفاع المختار من قبل هذا المجلس.
وما يجري تداوله الآن، هو المفاضلة بين نموذجين للسلطة: النموذج الرئاسي غير المفضل تبعا للتجربة المريرة لمبارك، والبرلماني الذي يبدو أن الجيش يسيعى الى إقناع اللاعبين الرئيسيين به بدعم من شباب ثورة 25 يناير، فيكون رئيس السلطة الإجرائية الذي يختاره البرلمان عبر انتخابات عامة تشارك فيها كل الأحزاب، اما رئيس الجمهورية، واقتداءا بالنموذج التركي، فيكون رئيسا بروتوكوليا.
وكان عمرو موسى كرر في الثالث من شباط (فبراير) أنه سيكون مرشحا لرئاسة الجمهورية، ثم أعلنت أوساطه أخيرا أنه سوف يسلم أمانة الجامعة العربية خلال قمة بغداد في نهاية آذار (مارس) المقبل، ليتفرغ بعدها لحملته الإنتخابية، التي انطلقت عمليا، ومن دون تخطيط منه، عبر "الفيس بوك" ومن قبل مجموعة شباب "الفيس بوك" الذين اشعلوا جذو ثورة 25 يناير ونجحوا حيث فشلت كل الأحزاب وبخلاف كل توقعات الداخل والخارج، ويبدو أن مرشحهم للرئاسة هو الأوفر حظا بدعمهم وبدعم الجيش الذي كان إلى جانب ثورتهم.
كما أن موسى، بدأ في تأمين غطائين له: داخلي عبر تأكيده في مقالة نشرت في 13 شباط (فبراير) الجاري، أن موقفه من إسرائيل لم يتغير منذ كان وزيرا لخارجية مصر وخلال توليه أمانة الجامعة العربية، وخارجي عبر تأكيده أنه يحترم كل المعاهدات الدولية التي وقعتها مصر.